فاصلة

مراجعات

«فيريتي»… الجميع يروي الحقيقة ولا أحد يملكها

Reading Time: 6 minutes

تصل كاتبة شابة إلى منزل روائية شهيرة أُصيبت في حادث أقعدها عن الكتابة، بعدما اختارها زوج الروائية لاستكمال سلسلة من أعمالها الناجحة. تبدو المهمّة فرصة مهنية استثنائية لكاتبة تعاني التعثّر، وإنما إقامتها في المنزل تقودها إلى اكتشاف مخطوطة شخصية تحمل اعترافات صادمة، وتفتح أمامها أسئلة عن حياة الأسرة التي تستضيفها. شيئًا فشيئًا، تتداخل مهمتها الأدبية مع علاقتها بأصحاب المنزل، وتجد نفسها أمام روايات متعارضة عن الماضي، وشخصيات يصعب الاطمئنان إلى ما تقوله أو ما تخفيه.

هذه حبكة فيلم «فيريتي» (Verity)، المقتبس من رواية الكاتبة الأميركية كولين هوفر الصادرة عام 2018، والذي أخرجه مايكل شوالتر، وأدَّت بطولته آن هاثاواي في دور الروائية «فيريتي»، وداكوتا جونسون في دور الكاتبة «لوين»، وجوش هارتنت في دور الزوج «جيريمي». ينتمي الفيلم إلى الإثارة النفسية، ويستثمر أجواء المنزل المعزول والمخطوطات السرّية والعلاقات العاطفية الملتبسة في بناء حكاية تتصاعد فيها الشكوك كلّما ظنّ المشاهد أنه اقترب من الحقيقة.

Verity (2026)
Verity (2026)

تستحقّ الحبكة وقفات نقدية عدّة، سواء في بناء الشخصيات أو منطق الأحداث أو معالجة الرواية سينمائيًّا. غير أنني اخترت التوقّف عند مسألة واحدة، هي الحقيقة؛ لأنها الفكرة التي يختار الفيلم أن يتركها في ذهن المُشاهد بعد انقضاء الحكاية. فالنهاية المفتوحة تعيد ترتيب ما سبقها، وتدفعنا إلى مراجعة أحكامنا على الشخصيات، ثم تتركنا أمام سؤال يتجاوز معرفة ما حدث: ما الذي يجعلنا نصدّق رواية عن الواقع ونرفض أخرى؟

يقين اللايقين

تتقدّم أحداث الفيلم عبر سلسلة من المعلومات التي تبدو حاسمة عند ظهورها، ثم تفقد يقينها مع اكتشاف معلومات جديدة. وكلّما تشكّل لدى المشاهد تصوّر متماسك عمّا جرى، ظهرت رواية أخرى قادرة على زعزعة ذلك التصوّر. هكذا يصبح الشكّ جزءًا من التجربة، ويجد المتلقّي نفسه مشاركًا في لعبة تتبادل فيها الشخصيات مواقع الضحية والجاني، والصادق والمخادع.

تبلغ هذه اللعبة ذروتها في الخاتمة، حين يستعيد الفيلم حديث «فيريتي» عن الحقيقة بوصفها موضوعًا للكتابة والتلاعب، وعن قدرة الكاتب على دفع القارئ إلى اليقين ثم انتزاع ذلك اليقين منه. عند هذه اللحظة، يتحوّل الغموض من وسيلة لتشويق المشاهد إلى فكرة يريد الفيلم أن يغادر بها جمهوره. فالخاتمة تترك الاحتمالات مفتوحة، وتمنح الشكّ سلطة تكاد تطغى على كلّ ما عرفناه.

Verity (2026)
Verity (2026)

لكن هذه المعالجة تستدعي التمييز بين أمرين: وجود حقيقة مستقلّة عن تصوّراتنا، وقدرتنا على معرفة تلك الحقيقة. يمكن لواقعة واحدة أن تُروى من زوايا مختلفة، وأن يختلف الشهود في تفسيرها، وأن يتعذّر علينا الوصول إلى صورة مكتملة عنها. ويظلّ وقوعها، أو عدمه، أمرًا مستقلًّا عن اختلاف الروايات. فالتصوّر الشخصي للحقيقة يتشكّل من المعرفة والخبرة والعاطفة والمصلحة، بينما تتعلّق الحقيقة الموضوعية بما حدث في الواقع، سواء عرفناه أم جهلناه.

ولعلّ هذه المسافة بين الحقيقة ومعرفتنا بها هي ما يلتبس في خاتمة الفيلم. فحين تتعارض روايتان عن واقعة واحدة، يمكن أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، أو تحمل كلّ منهما أجزاء من الحقيقة. أمّا تعدّد الروايات فلا يكفي للقول إن لكلّ إنسان حقيقته الخاصة بالمعنى الذي يجعل جميع الروايات متساوية في الصدق.

إن اليقين الذي يزعزعه الفيلم هو يقين المشاهد وقدرته على إصدار حكم نهائي، وليس بالضرورة وجود الحقيقة نفسها. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الاعتراف بمحدودية المعرفة فضيلة عقلية، بينما تحويل كلّ الوقائع إلى حقائق نسبية يفتح الباب أمام مساواة الأدلة بالأوهام، والصدق بالتضليل.

سردية الحقيقة

نعيش في عصر «ما بعد الحقيقة»، كما يصفه الفيلسوف الأميركي لي ماكنتاير في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه، وهو عصر تتراجع فيه سلطة الحقائق الموضوعية أمام المعتقدات الشخصية والانحيازات العاطفية، ويصبح ما يرغب الإنسان في تصديقه أكثر تأثيرًا ممّا تسنده الأدلة. في هذا العصر، تتنافس الروايات على تشكيل تصوّراتنا عن الواقع، وتكتسب المعلومة قوتها من قدرتها على إقناع المتلقّي وموافقة ميوله، حتى إنّ الحقيقة قد تفقد مكانتها أمام الحكاية الأكثر انتشارًا أو تأثيرًا.

يتتبّع ماكنتاير في كتابه الظروف التي أسهمت في نشوء هذه الظاهرة، من إنكار الحقائق العلمية إلى تصاعد التحيّزات المعرفية، مرورًا بتحوّلات الإعلام ودوره في صناعة الشكّ وإضعاف الثقة بالمصادر المعرفية. ويكشف كيف يميل الإنسان إلى البحث عمّا يؤكّد قناعاته السابقة، وكيف يستطيع أن يعيد تفسير الأدلة المخالفة بما يحافظ على الصورة التي كوّنها عن العالم. وهكذا تصبح الحقيقة، في الوعي الفردي والجمعي، عرضة لإعادة التشكيل وفق ما نؤمن به أو نرغب في أن يكون صحيحًا.

يتقاطع فيلم «فيريتي» مع هذا التشخيص، وإن كان يقترب منه من زاوية نفسية وسردية تختلف عن السياق الإعلامي والسياسي الذي يتناوله ماكنتاير. فالشخصيات في الفيلم تقدّم روايات متعارضة عن الوقائع نفسها، وكلّ رواية تعيد بناء الماضي بطريقة تمنح صاحبها موقعًا مختلفًا في الحكاية. أما المُشاهد، فينتقل بين هذه الروايات محاولًا اكتشاف الحقيقة، لكنه يجد نفسه متأثّرًا بالطريقة التي سُردت بها الأحداث، وبالعاطفة التي أثارتها الشخصيات، وبالمعلومات التي اختارت كلّ شخصية إظهارها أو إخفاءها.

Verity (2026)
Verity (2026)

وهنا تبرز أهمية السردية في تشكيل علاقتنا بالحقيقة. فالسردية هي الطريقة التي ننتقي بها الوقائع ونرتّبها ونربط بينها، لنصوغ منها حكاية ذات معنى. وقد يروي شخصان الحدث نفسه بصورة مختلفة، لأنّ لكلّ منهما موقعًا منه، وتجربة سابقة تؤثّر في فهمه، ومصلحة تحدّد ما يمنحه من التفاصيل أهمية. ومن خلال هذه العملية، يعيد كلّ راوٍ بناء الحقيقة كما أدركها أو كما يريد للآخرين أن يدركوها.

لكن اختلاف سرديات الحقيقة لا يستلزم اختلاف الحقيقة في ذاتها. فثمة فارق بين الواقعة وما يُقال عنها، وبين الحقيقة الموضوعية والتصوّر النسبي الذي يحمله الفرد عنها. قد تتعدّد التأويلات، وتتباين الشهادات، وتظلّ بعض الوقائع عصيّة على المعرفة، وإنما ذلك لا يجعل جميع الروايات متساوية في الصدق. فالسردية تمنح الحقيقة شكلًا ومعنى ومنظورًا، وقد تكشف عن بعض جوانبها أو تحجبها أو تشوّهها، لكنها لا تغيّر بالضرورة ماهية ما حدث. ولعلّ الالتباس يبدأ حين تتحوّل عبارة «لكلّ شخص حقيقته» من اعتراف باختلاف التجارب والتصوّرات إلى افتراض أن الواقع نفسه يتغيّر بتغيّر من يرويه.

ومن هذه النقطة تحديدًا، يفترق الفيلم عن الكتاب في موقفهما من الحقيقة. فماكنتاير، بعد تشخيصه مظاهر عصر ما بعد الحقيقة، يدافع عن ضرورة الاحتكام إلى الأدلة، والتحقّق من الادّعاءات، ومقاومة الانحيازات التي تجعل الإنسان أسيرًا لمعتقداته. أما «فيريتي» فيختار الإبقاء على الروايات المتعارضة من دون ترجيح حاسم، ويجعل من استمرار الشكّ جزءًا أساسيًّا من تجربته الفنية. وبينما يدعونا الكتاب إلى تجاوز ضبابية الروايات بحثًا عن الحقيقة، يدعونا الفيلم إلى البقاء داخل هذه الضبابية، وتأمّل ما تفعله بنا الحكايات حين نمنحها ثقتنا.

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الفيلم، وهو يتناول قدرة السرد على زعزعة اليقين، يمارس هذه القدرة على مشاهديه حتى اللحظة الأخيرة. فهو يجعلنا نصدّق رواية، ثم يقدّم ما يدفعنا إلى الشكّ فيها، قبل أن يتركنا أمام احتمال أن تكون الرواية البديلة خادعة هي الأخرى. وهكذا يصبح المُشاهد نفسه مثالًا على الإنسان الذي يتحدّث عنه ماكنتاير: إنسانًا تتشكّل قناعاته تحت تأثير السرد والعاطفة والمعرفة الناقصة. ويبقى الفارق أن الكتاب يدعوه إلى اختبار هذه القناعات، فيما يتركه الفيلم مأخوذًا بإمكان استمرار الشكّ إلى ما لا نهاية.

Verity (2026)
Verity (2026)

مَن يملك الحقيقة الأخيرة؟

يمتدّ الغموض الذي يتركه الفيلم إلى موقف مؤلّفة الرواية نفسها. فقد تحدّثت كولين هوفر عن تغيّر قراءتها لأحداث الحكاية؛ إذ كانت تميل في البداية إلى تصديق المخطوطة التي تمثّل إحدى الروايتين المتعارضتين، ثم بدأت تشكّ في موقفها بعد مشاهدة الفيلم وإعادة قراءة عملها. وقد نقلت مجلة «بيبول» (People) تصريحاتها في أكتوبر 2026، في سياق النقاش المتجدّد حول النهاية.

تكشف هذه التصريحات عن رغبة في إبقاء الحكاية مفتوحة على التأويل، حتى إنّ صاحبتها تتجنّب تقديم إجابة نهائية تحسم الجدل بين القرّاء والمشاهدين. وتضيف هذه المسألة بُعدًا آخر إلى الفيلم؛ لأن المؤلّفة، التي تمتلك سلطة ابتكار الشخصيات وأحداثها، تترك للجمهور مساحة واسعة لإعادة تفسير ما كتبته.

ويمكن فهم هذا الموقف في سياق العلاقة بين المؤلّف والمتلقّي. فالأعمال الأدبية تتيح بطبيعتها تعدّد القراءات، وقد تتجاوز دلالاتها ما قصده الكاتب عند تأليفها. وإنما تعدّد التأويلات يختلف عن تعدّد الوقائع داخل العالم الحكائي. فالقارئ يستطيع أن يفسّر دوافع الشخصية بطرق مختلفة، وأن يختلف مع غيره حول دلالة أفعالها، لكن الحكم على وقوع فعل محدّد يظلّ مسألة أخرى. ولعلّ هوفر تدرك أن استمرار الجدل حول الحقيقة يمنح الرواية حياة تتجاوز صفحاتها، ويجعل القارئ شريكًا في إعادة إنتاج الغموض. وقد انتقلت هذه الخاصية إلى الفيلم، الذي يراهن على أن تستمرّ الحكاية في ذهن المُشاهد بعد خروجه من قاعة السينما.

ومع ذلك، فإن النهاية المفتوحة تضع العمل أمام مسؤولية فنية دقيقة: أن يوفّر من الأدلة ما يجعل الاحتمالات المتعارضة جديرة بالنظر، وأن يترك للمشاهد مهمة المفاضلة بينها. أمّا حين يتساوى كلّ احتمال مع نقيضه لمجرّد أن الحكاية امتنعت عن الحسم، فإن الغموض يفقد شيئًا من قيمته المعرفية.

ويبدو أن «فيريتي» يقف في المنطقة الفاصلة بين هذين الخيارين. فهو يمنحنا أسبابًا للشكّ في أكثر من شخصية، ويستثمر ببراعة قابلية النصّ المكتوب لأن يكون اعترافًا أو اختلاقًا، لكنه يراهن في بعض اللحظات على المفاجأة أكثر من اعتماده على بناء الأدلة المتدرّجة.

Verity (2026)
Verity (2026)

تبقى للفيلم، رغم ذلك، جاذبيته الخاصة. فقد استطاع أن يصنع تجربة مشوّقة، وأن يستثمر حضور آن هاثاواي في أداء شخصية يصعب استقرار الحكم عليها، وأن يجعل الكتابة نفسها عنصرًا محوريًّا في الصراع. وفي المقابل، تظهر فجوات سردية واضحة، من بينها سهولة العثور على مخطوطة شديدة الخطورة، وصعوبة تصديق استمرار التظاهر بالعجز من دون انكشاف، وسرعة التحوّلات العاطفية والأخلاقية لبعض الشخصيات، فضلًا عن الاعتماد على وثائق متأخّرة لإعادة تفسير أحداث كان يُفترض أن تتأسّس دلالاتها تدريجيًّا.

ومع هذه المآخذ، يظلّ «فيريتي» مشاهدة ممتعة، وتجربة مثيرة للتساؤلات التي لا تنتهي عند مشهده الأخير. وربما تكمن قيمته الأبرز في أنه يتيح لنا اختبار مقدار ثقتنا بأحكامنا، وكيف يمكن لحكاية محكمة الإلقاء أن تجعلنا نصدّق ما لم نتثبّت منه. غير أن السؤال الذي يستحقّ أن يبقى معنا بعد الفيلم يتجاوز البحث عن الرواية الصحيحة: هل عجزنا عن معرفة الحقيقة يعني أنها غير موجودة، أم أن الحقيقة تظلّ قائمة حتى حين تعجز جميع الروايات عن بلوغها؟

اقرأ أيضا: «قلب الوحش»… كاميرا تتفوّق على السيناريو

شارك هذا المنشور

أضف تعليق