خلال ندوة «خارج الصورة المتوقَّعة»، ضمن الدورة التاسعة من «مهرجان الجونة السينمائي»، ناقش المخرج كريم الشناوي العلاقة بين الهوية المحلّية وفرص الانتشار عالميًا، مستعيدًا تجربته مع فيلم «ضي» والجدل الذي أثارته بعض مشاهده بشأن ملاءمتها للجمهور الدولي. وتطرّق إلى تحدّيات وصول السينما الفنية إلى المشاهدين، مؤكّدًا أهمية تنويع الإنتاج وتطوير أساليب التسويق وتوسيع فرص العرض، حتى لا تبقى الأفلام الجيّدة حبيسة دائرة ضيّقة من الجمهور.
الهوية المحلّية
أكّد الشناوي أنّ الحفاظ على الهوية المحلّية للأفلام هو السبيل الحقيقي للوصول إلى الجمهور العالمي، مشدّدًا على أنّ المنافسة الدولية لا تستلزم التخلّي عن الخصوصية المحلّية أو تعديل تفاصيل الأعمال لتلائم ثقافات أخرى.
وتناول تجربته مع فيلم «ضي»، والصعوبات التي تواجه صنّاع السينما المصرية في الوصول إلى الجمهورين المحلي والدولي، متوقّفًا عند أهمية بناء قاعدة جماهيرية للأفلام الفنية، وتطوير أساليب تسويقها، وتوسيع نطاق عرضها خارج المدن الكبرى.
واستعاد الجدل الذي رافق إحدى نسخ مونتاج «ضي»، وتحديدًا المَشاهد التي يظهر فيها الفنان محمد ممدوح، ويلتقي خلالها أبطال الفيلم ويساعدهم على الوصول إلى الاستوديو في المرحلة الأخيرة من رحلتهم. وأوضح أنها تنطوي على قدر كبير من الكوميديا بالنسبة إلى الجمهور المصري، وتمنح الأبطال الدفعة الأخيرة نحو لقاء الفنان محمد منير، الذي تتّخذه الشخصية الرئيسية قدوةً لها.
لكنه تلقّى آراء تدعو إلى حذف هذا الجزء أو تقليصه بدرجة كبيرة، بحجّة أنه يُدخل شخصية جديدة قرب نهاية الفيلم، وأنّ طابعه الكوميدي يستند إلى سياق مصري قد يصعب على الجمهور الدولي فهمه أو التفاعل معه.

وقال الشناوي إنّه ظلّ متردّدًا حتى الليلة التي سبقت تقديم الفيلم إلى «مهرجان برلين»، بين حذف المشاهد والإبقاء عليها. وفي النهاية، قرّر تقديم الفيلم كما هو، متمسّكًا برؤيته للعمل.
وأضاف أنّ تفاعل الجمهور خلال العرض الأول كان من أبرز لحظات رحلته مع الفيلم؛ إذ ضحك المشاهدون وتفاعلوا مع هذه المَشاهد، خلافًا للتحذيرات السابقة من طابعها المحلي. وأشار إلى أنّ مهرجانات مثل «برلين» و«تورونتو» لا تستقطب العاملين في صناعة السينما فحسب، وإنما يحضر عروضها أيضًا جمهور من سكان المدن المضيفة.
ورأى الشناوي أنّ تجربته تكشف خطورة الافتراضات المسبقة بشأن قدرة الجمهور الأجنبي على فهم الأعمال أو تقبّلها، مؤكّدًا أنّ تغيير نظرة العالم إلى السينما المصرية يبدأ بتمسّك صنّاعها بحقّهم في رواية قصصهم وفق رؤيتهم، بدلًا من تعديلها استجابةً لتوقّعات لا تستند بالضرورة إلى تفاعل الجمهور الفعلي.
وشدّد على أنّ لصانع الفيلم المصري الحقّ نفسه الذي يتمتّع به أيّ صانع أفلام آخر في اختيار موضوعاته وشخصياته وعوالمه، رافضًا حصر مخرجي الشرق الأوسط في موضوعات محدّدة يُتوقّع منهم تناولها.
وأوضح أنّ الوصول إلى المهرجانات العالمية لا ينبغي أن يكون دافعًا لتغيير هوية الفيلم أو صياغته وفق تصوّرات مسبقة عمّا ينتظره المبرمجون والجمهور في الخارج. فالمطلوب، في رأيه، صناعة أفلام تنبع من بيئتها، ثم العمل على إيصالها إلى فئات أوسع من الجمهور.

وفي هذا السياق، أشار إلى أنّ فيلم «ضي» كان مرشّحًا للمشاركة في قسم «جيل» ضمن «مهرجان برلين»، المخصّص لأفلام الأطفال واليافعين، لافتًا إلى قلّة الأفلام العربية الموجّهة إلى هذه الفئة، ممّا يحرم فئة واسعة من الجمهور من أعمال تخاطب اهتماماتها.
واعتبر الشناوي أنّ إنتاج أفلام للأطفال والمراهقين يفتح آفاقًا دولية، ويتيح في الوقت نفسه فرصًا داخل السوق المحلّية التي تحتاج إلى مزيد من التنوّع في الموضوعات والفئات العمرية المستهدفة.
وتحدّث عن سعيه إلى إيجاد مسار ثالث بين السينما التجارية البحتة والسينما الفنية، مؤكّدًا أنّ هذا التوجّه لا يقوم على إنتاج أفلام متشابهة في النوع أو الشكل، وإنما يتطلّب مواصلة التجارب وتنويعها. وأعرب عن رغبته في خوض أنواع سينمائية مختلفة، بينها الرومانسية والرعب والتشويق، مع إعطاء الأولوية لصناعة أفلام جيّدة تجد طريقها إلى الجمهور.
وأشار إلى أنّ بعض الأفلام تصطدم بتوقّعات مسبقة تحدّ من فرصها الدولية، مستشهدًا بفيلم «أسوأ شخص في العالم»، الذي يرى أنّ استقباله عالميًا ربما كان سيختلف لو أخرجه مخرج مصري، حتى مع احتفاظه بالمستوى الفني نفسه.
ودعا إلى تغيير هذه التوقّعات عبر جودة الأفلام، وتطوير العلاقات المهنية، وتراكم التجارب، بدلًا من الاستسلام للصورة التي ينتظرها الآخرون من السينما العربية.
الجمهور المحلّي ليس مرحلة تسبق العالمية
أكّد الشناوي ضرورة أن يضع صانع الفيلم الجمهور المحلّي في حساباته، حتى إن كان يطمح إلى الوصول بعمله إلى المهرجانات والأسواق الدولية. وأوضح أنه يحبّ صناعة أفلام تستطيع والدته الاستمتاع بمشاهدتها، معتبرًا أنّ ذلك لا يعني فرض ذائقة واحدة على الآخرين، وإنما رفض ابتعاد معظم الأفلام الفنية عن الجمهور وصعوبة تواصله معها.
وأضاف أنّ تقديم تجربة فنية خاصة لا يتعارض مع الاهتمام بالمشاهد، وأنّ مخاطبة الجمهور لا تستلزم التخلّي عن الطموح الجمالي أو تجنّب الموضوعات المعقّدة.
ويرى أنّ الجمع بين النجاح التجاري والوصول إلى جمهور دولي قد يوسّع أسواق الفيلم وفرص تمويله، خصوصًا أنّ المنطقة العربية تشكّل سوقًا واسعة تجمعها لغة واحدة، رغم اختلاف اللهجات وأساليب التعبير.
وأوضح أنّ اتّساع هذه السوق يمنح السينما العربية فرصة لتعزيز حضورها، شرط مواصلة إنتاج أفلام تعبّر عن مجتمعاتها، وتوفير قنوات عرض وتوزيع تضمن وصولها إلى المشاهدين.
ولخّص الشناوي موقفه بالدعوة إلى صناعة أفلام مصرية تخاطب جمهور المنطقة، مع الحرص على صدقها وقدرتها على التواصل مع مشاهدين خارج حدودها. فالانطلاق من البيئة المحلّية، وفق رؤيته، لا يحدّ من آفاق الفيلم، وإنما يمنحه أساسًا واضحًا للانطلاق.

بناء الجمهور يحتاج إلى تراكم
توقّف الشناوي عند ما وصفه بالفجوة في بناء جمهور للسينما الفنية، مشيرًا إلى أنّ تكوين جمهور لهذا النوع من الأفلام لا يتحقّق بعمل واحد، وإنما يتطلّب استمرارية تتيح للمشاهد اكتشاف أعمال جديدة، وتراكم تجارب مشاهدة إيجابية.
وأوضح أنّ مشاهدة فيلم جيّد قد تدفع الجمهور إلى البحث عن تجربة مماثلة، لكنّ تلبية هذه الرغبة تتطلّب عرض أعمال أخرى على فترات متقاربة، بما يُبقي هذا النوع من السينما حاضرًا في أحاديث المشاهدين.
وعزا الشناوي صعوبة بناء هذا الجمهور إلى عوامل عدّة، من بينها ظروف الإنتاج وأنماط التمويل التي قد لا تمنح الجمهور المحلّي أولوية في بعض المشاريع، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية التي تحدّ من قدرة فئات من المجتمع على ارتياد دُور السينما.
ورأى أنّ معالجة هذه المشكلة تستلزم استمرارية الإنتاج وتوسيع نطاق العرض، إذ لا تكفي صناعة أفلام جيّدة ما دامت فرص مشاهدتها محصورة في عدد محدود من المدن والقاعات.
ودعا إلى زيادة عدد دور العرض خارج القاهرة والمدن الكبرى، مشيرًا إلى مدن مثل المنصورة وأسيوط ومدن القناة، التي تضم أعدادًا كبيرة من السكان. واقترح إنشاء مساحات للعرض لا تستلزم بالضرورة استثمارات ضخمة أو إقامة دُور سينما داخل المراكز التجارية، بما في ذلك الاستفادة من المساحات الثقافية وتهيئتها لاستقبال الجمهور.
التسويق لا ينتهي باكتمال المونتاج
استعاد الشناوي تجربة تسويق فيلم «ضي»، موضحًا أنّ التوقّعات في بداية العمل رجّحت صعوبة نجاحه في دور العرض. لكنّ فريق الفيلم، بالتعاون مع هيثم دبور والشركة المنتجة، وضع خطة تسويقية قدّمته فيلمًا عائليًا، وشملت تنظيم عروض في المدارس.
وأكّد أنّ العمل على الفيلم لا ينتهي باكتمال المونتاج، وإنما يمتدّ إلى تحديد جمهوره والوسائل المناسبة للوصول إليه. وقد أسهمت خطة تسويق «ضي» في تعريف العائلات بالفيلم وتشجيعها على مشاهدته في السينما.
وانتقد اختزال التسويق أحيانًا في ملصق وإعلان ومقاطع قصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرًا أنّ هذه الأدوات لا تلائم بالضرورة جميع الأفلام، وأنّ لكلّ عمل جمهوره وأسلوب التواصل الأنسب معه.
وأوضح أنّ بعض الأفلام، رغم جودتها ووجود جمهور مُحتَمل لها، تعجز عن الوصول إليه لغياب الوسائل المناسبة. ودعا لذلك إلى ابتكار أساليب دعائية متنوّعة، والتوقّف عن التعامل مع التسويق بوصفه إجراءً شكليًا في نهاية الإنتاج.
كيف تصل الأفلام إلى جمهور المحافظات؟
امتدّ النقاش في الندوة إلى مسؤولية الجهات المعنية عن توفير دور العرض في المحافظات، وإمكان الاستفادة من المساحات الثقافية القائمة بدلًا من انتظار إنشاء مجمّعات سينمائية كبيرة.
وتناول أحد المتداخلين تأثير ارتفاع أسعار التذاكر في الحدّ من قدرة بعض الفئات على ارتياد السينما، فضلًا عن تراجع عادة المشاهدة الجماعية بعد سنوات من محدودية فرصها. وأشار إلى أنّ انتظار عرض الأفلام على المنصات أصبح خيارًا لدى بعض المشاهدين، ممّا يجعل استعادة علاقتهم بدور السينما تحدّيًا يتجاوز توفير أماكن للعرض.
وتطرّق النقاش إلى ضرورة تهيئة بيئة تشجّع المستثمرين على إنشاء دُور عرض جديدة، عبر تسهيلات تتعلّق بالأراضي والتشغيل والرسوم، إلى جانب دَور وزارتي الثقافة والتعليم في تنمية ثقافة المُشاهدة.
كما أُثيرت مسألة اختلاف اللهجات العربية، وإمكان تجاوزها بالترجمة، بما يتيح للأفلام المغاربية وغيرها الوصول إلى جمهور أوسع في المنطقة. وأشار متداخلون إلى أنّ المشاهدين يتابعون أفلامًا بلغات لا يعرفونها، وأنّ اختلاف اللهجات لا ينبغي أن يشكّل عائقًا أمام تواصل الأفلام مع جمهورها العربي.