فاصلة

أخبار وتقارير

يسري نصر الله: للممثلين أسرار لا يعرفها السيناريو

Reading Time: 5 minutes

 في ندوة «سينما الابتكار»، ضمن الدورة التاسعة من «مهرجان الجونة السينمائي»، استعاد المخرج المصري يسري نصر الله البدايات التي تشكّلت فيها علاقته بالسينما، ومحطات شخصية وفنية تركت أثرها في أفلامه، من سنوات اغترابه في بيروت إلى كواليس «مرسيدس» و«احكي يا شهرزاد». ومن خلال حكايات ووجوه ومشاهد ظلّت عالقة في ذاكرته، رسم ملامح سينما لا تنفصل فيها الصورة عن الشعور، ولا تُقاس قيمة اللقطة بجمالها وحده، وإنما بما تمنحه للشخصيات من حياة.

حلم بدأ بسؤال في الطفولة

لم يكن يسري نصر الله، طفلًا، يكتفي بمعرفة أسماء الممثلين. ففي الثامنة من عمره، وبينما كان يشاهد فيلمًا، شغله سؤال عمّن يقف وراء صناعته. وعندما أخبره والده بأنّ المخرج هو مَن يتولّى هذه المهمة، وجد في الإجابة إشارة مبكرة إلى الطريق الذي يريد أن يسلكه.

لكنّ الرغبة التي نشأت في طفولته لم تتحوّل سريعًا إلى فيلمه الأول. فقد رأى نصر الله أنّ إتقان أدوات المهنة لا يكفي وحده لصناعة سينمائي، وأنّ الحياة بما تنطوي عليه من تحوّلات وخيبات ولقاءات، تُسهم في تكوين المخرج، ولا تنفصل عن عمله.

لم يجد ضالّته في «معهد السينما»، إذ شعر بأنّ التركيز على التكوين التقني واللقطة قد يختزل الفنّ في أحد جوانبه. فترك المعهد واتّجه إلى دراسة الاقتصاد، قبل أن تمنحه تجاربه اللاحقة مجالًا أرحب للتأمّل في الإنسان والمكان والعلاقات التي تنشأ بينهما.

يسري نصر الله
يسري نصر الله

بيروت… اهتزاز اليقين بالمكان

احتلّت سنواته الأربع في بيروت مكانة خاصة في حديثه. هناك، ابتعد عن محيطه المألوف وعن أشخاص يشاركونه خلفيته الاجتماعية والثقافية والسياسية، ليجد نفسه في عالم مختلف، لا تمنحه تفاصيله الطمأنينة التي اعتادها.

تجاوزت الغربة مجرّد الانتقال بين مدينتين، لتصبح تجربة أعادت تشكيل نظرته إلى الانتماء، وكشفت له هشاشة العلاقة بين الإنسان والمكان. فالمكان الذي يبدو ثابتًا في حياة المرء قد يغدو بعيدًا عنه، وقد يضطرّ إلى البحث عن موضع جديد يستطيع فيه أن يعيش ويحبّ ويشعر بالانتماء.

تسرّبت هذه الأسئلة إلى سينما نصر الله، حيث تتجاوز الأمكنة دور الخلفية المحايدة للأحداث، لتصبح جزءًا من مصائر الشخصيات. ويتجلّى ذلك في اهتمامه بأولئك الذين يبحثون عن مكان لهم في العالم، أو يحاولون التمسّك به تحت وطأة الفقد، فتغدو حكاياتهم صراعًا من أجل الحبّ والأمان والانتماء.

المشهد الذي يختار الفيلم

لا تنطلق الأفلام، في تجربة نصر الله، بالضرورة من فكرة مكتملة أو حكاية مرسومة من البداية إلى النهاية. فقد تبدأ بمشهد يلحّ عليه، أو بصورة يتخيّلها ويريد رؤيتها تتحرّك أمام الكاميرا. ومن هذه البذرة يبدأ البحث عن الشخصيات والعالم الذي يحتضنها، وعن السبيل إلى إدماج المشهد في بناء درامي متماسك.

استعاد المخرج فيلم «احكي يا شهرزاد»، الذي كتب السيناريو له وحيد حامد، مشيرًا إلى أنّ صورة ثلاث فتيات ينزلن إلى البحر بملابسهن كانت من المَشاهد التي أثارت رغبته في إنجاز الفيلم. فقد جذبته فرحتهن بالماء وعفوية علاقتهن به، بعيدًا عن الشروط التي تحكم عادةً الاستمتاع بالبحر.

وإنما الانجذاب إلى صورة لا يكفي لتركها معلّقة خارج الحكاية؛ إذ كان عليه أن يجد ما يربط الفتيات بعالم الفيلم الأوسع، ويمنح المشهد موقعه ضمن نسيج يُحاكي الحياة وتجاربها.

المدينة (2000)
المدينة (2000)

وفي حديثه عن فيلم «المدينة»، استعاد قرارًا اتّخذه خلال المونتاج بشأن مشهد تحرّش. كان المشهد يقع في منتصف الفيلم، لكنّ وقعه الشديد بدا طاغيًا على ما يليه. وبعد تأمّل تأثيره في إيقاع العمل، تقرّر نقله إلى البداية، ليصبح مدخلًا إلى عالم الفيلم، بدلًا من أن يُضعف الإحساس بتطوّر نصفه الثاني.

وأكّد نصر الله أنّ دور المخرج لا ينتهي عند تصوير المشهد، وإنما يمتدّ إلى إعادة النظر في موقعه ووزنه وعلاقته ببقية الفيلم.

الكاميرا ليست بريئة من المعنى

توقّف نصر الله عند كيفية تصوير أجساد الممثلين، معتبرًا أنّ حركة الكاميرا وعدد القطعات يتجاوزان مجرّد الخيارات التقنية. فكلّ قرار بصري يُسهم في تحديد نظرة الجمهور إلى الشخصية وطريقة تلقّيه تجربتها الإنسانية.

باب الشمس (2004)
باب الشمس (2004)

وفي حديثه عن الجزء الثاني من «باب الشمس»، أشار إلى حرصه على تصوير حركة شخصية «شمس» بما ينسجم مع قسوة حياتها وحالتها النفسية. فقد وجد أنّ استمرارية الحركة ومرونة الكاميرا أقدر على التعبير عمّا أراده من تقطيع المشهد إلى لقطات متتابعة قد تُفقد الأداء شيئًا من رهافته.

وتحدّث في هذا السياق عن ضوابط أخلاقية تحكم نظرته إلى التصوير، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بالجسد. فالكاميرا ليست مجرّد عين تسجّل ما تراه؛ إذ تختار زاوية النظر، ومدّة البقاء على اللقطة، والمسافة التي تفصل المشاهد عن الشخصية. وقد تصون هذه الاختيارات خصوصية اللحظة وكرامتها، أو تدفعها نحو مباشرة تُضعف معناها.

وفي النهاية، يبقى المعيار العثور على الشكل الذي يتيح للمشهد التعبير عمّا يريد، من دون أن يفقد إنسانيته، بعيدًا عن استعراض المهارة التقنية.

يسرا و«مرسيدس»

في كواليس «مرسيدس»، حضرت يسرا بأكثر من كونها بطلة تؤدّي دورًا مكتوبًا؛ فقد كانت شريكة في اكتشاف ما يمكن أن تصبح عليه الشخصية. واستعاد نصر الله تجربته معها، مستشهدًا بقدرتها على تجسيد شخصيتَي «عفيفة» و«وردة»، والتمييز بينهما من خلال الأداء وتسريحة الشَّعر، من دون الاتّكال على تغييرات شكلية كبيرة.

بالنسبة إليه، لا تقتصر مهمة الممثل على تنفيذ توجيهات المخرج. فأثناء التصوير، قد يكتشف تفصيلًا لم يكن حاضرًا في تصوّر المشهد، أو يختار حركة تغيّر إيقاعه وتمنحه حياة جديدة. وهنا، ينبغي للمخرج أن يكون مستعدًا لتقبّل المفاجأة، وأن يتعامل معها على أنها إضافة إلى الفيلم، وليست خروجًا عن خطته.

وتمتدّ هذه الرؤية إلى فريق العمل. فالصورة السينمائية ليست نتاج المخرج وحده؛ إذ تقف وراءها جهود المصوّرين ومهندسي الإضاءة والديكور وسائر العاملين، الذين يجمعهم شغف يتجاوز المكاسب المهنية. ويرى نصر الله أنّ الاعتراف بإسهاماتهم يتطلّب أكثر من الكلمات، ويتحقّق بمنح عملهم حضورًا واضحًا في الفيلم، لتصبح الصورة مساحة تتلاقى فيها رؤى متعدّدة.

فيلم جنينة الأسماك
فيلم جنينة الأسماك (2008)

منى زكي وهند صبري واحترام إحساس الممثل

استعاد نصر الله، في حديثه عن كواليس اختيار الممثلين، تجربة فيلم «جنينة الأسماك»، عندما اعتذرت منى زكي في البداية عن عدم قبول الدور، لشعورها بعدم القدرة على تجسيد الشخصية بصدق. ولم يحاول إقناعها بتجاوز إحساسها أو اعتبار رفضها عقبة، وإنما احترم موقفها وأسند الدور لاحقًا إلى هند صبري.

وتكشف هذه الحكاية عن جانب أساسي من طريقته في العمل؛ فلا تكفي رؤية المخرج لإمكانات الشخصية على الورق ما لم يجد الممثل طريقه الخاص إليها. فالأداء يتشكّل من التقاء رؤيته بإحساس الممثل، وقد يكون الاعتذار عن عدم قبول الدور أكثر صدقًا من قبوله من دون اقتناع.

وفي «احكي يا شهرزاد»، تجلّى هذا الاهتمام بالتفاصيل في تعامله مع ناهد السباعي. فقد لاحظ أنّ مكياجها في أحد المَشاهد يوحي بما لا يتناسب مع طبيعة الموقف الذي أراد تصويره، فطلب تعديله لتبدو الشخصية أقرب إلى المكان والحالة التي تعيشها. ولم يكن الهدف تجميل الصورة أو تحسينها، وإنما ضبط التفاصيل الدقيقة التي تؤثّر في فهم المشاهد للشخصية ودوافعها.

البروفات… اكتشاف ما لا يقوله السيناريو

لا يتعامل نصر الله مع البروفات على أنها مجرّد تدريب يؤدّي فيه الممثلون حركاتهم قبل التصوير، وإنما يراها مرحلة لاختبار المَشاهد واكتشاف ما قد يغيب عن السيناريو، وفرصة للمخرج نفسه لإعادة النظر في إيقاعها وحركة الشخصيات وعلاقاتها داخل المكان.

فالشخصية المكتوبة ليست كائنًا مكتملًا ينتظر الانتقال إلى الشاشة؛ إذ تتشكّل عبر الحوار والتجربة والتفاصيل التي تظهر عندما يبدأ الممثل بتجسيدها. وقد تكشف البروفة عن خلل في بناء المشهد، أو تفتح احتمالًا لم يكن محسوبًا، بما يتيح معالجة الخلل أو استثمار الاحتمال قبل الوصول إلى الصورة النهائية.

وفي هذا السياق، تتكامل الكتابة والإخراج والأداء. فالفيلم يحتاج إلى بناء درامي متماسك وشخصيات تجذب المُشاهد، ويحتاج كذلك إلى مساحة تتنفّس فيها هذه الشخصيات، ويضيف الممثلون إليها من خبرتهم وإحساسهم.

«أنت منين»… مشروع جديد خارج القواعد

يمتدّ اهتمام نصر الله بالتجريب إلى مشروعه الجديد «أنت منين»، الذي يعتزم تصوير أجزاء كبيرة منه بكاميرات الهواتف المحمولة. وأشار، في حديثه عن إمكانات هذه التقنية، إلى أنّها تفتح أمام صنّاع الأفلام سبلًا مختلفة للتعامل مع الصورة، وتتيح استكشاف خيارات بصرية لا تتقيّد بالضرورة بالمعدّات السينمائية التقليدية.

لكنّ استخدام الهاتف ليس غاية في ذاته، ولا يكفي وحده لجعل الفيلم مبتكرًا. فالتحدّي يكمن في تحويل الأداة إلى خيار يخدم الحكاية ويمنحها الشكل الذي تحتاج إليه. وقد يثير هذا التوجّه تحفّظات بعض المصوّرين المعتادين على الكاميرات السينمائية، لكنه يفتح في المقابل نقاشًا أوسع حول حدود الأدوات المتاحة للمخرج، ومدى استعداد الصناعة لاحتضان أساليب جديدة في التصوير.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق