تحقّق «نتفليكس» أرباحًا بمليارات الدولارات، وتواصل زيادة إيراداتها، وتتمتّع بسيولة مالية مريحة. ومع ذلك، قرّرت الاستغناء عن نحو ألف موظف، يمثّلون قرابة 6% من قوّتها العاملة، وتغيير قيادة المحتوى بتعيين بيتر راي فيس خلفًا لبيلا باجاريا. وتثير هذه القرارات تساؤلات بشأن دوافع اتّخاذ شركة ناجحة ماليًا إجراءات ترتبط عادةً بالشركات المتعثّرة.
ووفق تقارير «فرايتي» و«ديدلاين»، تكمن الإجابة في اتّساع الفجوة بين الأداء المالي الحالي لـ«نتفليكس» والتوقّعات بشأن قدرتها على مواصلة النموّ. فالمنصّة لا تزال تحقّق الأرباح، لكنّ مؤشّرات المشاهدة وتباطؤ النموّ في سوقَي الولايات المتحدة وكندا تثير تساؤلات بشأن المرحلة المقبلة.
حقّقت الشركة في عام 2025 صافي أرباح بلغ 11 مليار دولار، مع ارتفاع إيراداتها بنسبة 16% إلى 46.6 مليار دولار. وتتوقّع هذا العام نموًّا في الإيرادات يتراوح بين 13 و14%، بالتزامن مع استهداف رفع هامش الربح التشغيلي إلى 31.5%. وتشير هذه الأرقام إلى استمرار قوّة نشاطها، لكنها تكشف أيضًا سعي الشركة إلى زيادة ربحيّتها في وقت تتوقّع فيه تباطؤ نموّها.
وتتجلّى الضغوط بصورة أوضح في الولايات المتحدة وكندا، إذ تراجع نموّ الإيرادات السنوي في المنطقة من 14% في الربع الأول إلى 10% في الربع الثاني. كما انخفض إجمالي ساعات المشاهدة فيها خلال الربع الثاني، وفق تحليل أجراه بنك «بي إم أو» ونقلته «فرايتي».
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الإيرادات والمشاهدة. فزيادة أسعار الاشتراكات قادرة على رفع دخل المنصّة، من دون أن تعكس بالضرورة زيادة مماثلة في إقبال الجمهور على محتواها. وعلى المستوى العالمي، ارتفعت ساعات المشاهدة على «نتفليكس» بنسبة 2% فقط خلال النصف الأول من العام، لتبلغ 97 مليار ساعة، وفق «ديدلاين».
وتثير هذه المؤشّرات تساؤلات لدى المستثمرين بشأن مصادر النموّ المقبلة، ومدى قدرة الشركة على مواصلة زيادة إيراداتها إذا لم تتسارع وتيرة المشاهدة، والفترة التي يمكن خلالها الاعتماد على رفع الأسعار لتعويض تباطؤ الإقبال.

وأصبح المحتوى بدوره في صلب هذه التساؤلات. وتشير التقارير إلى تراجع مشاهدة عدد من المسلسلات العائدة مقارنةً بمواسمها السابقة، وإلى مرور فترة من دون ظهور مسلسل أصلي جديد يتحوّل إلى ظاهرة ثقافية بحجم أبرز نجاحات «نتفليكس»، مثل «سترينجر ثينغز» و«لعبة الحبار» و«وينزداي».
ورغم النجاح الكبير لفيلم «KPop Demon Hunters»، أشارت «فرايتي» إلى أنّ إنتاجه يعود إلى شركة «سوني بيكتشرز أنيميشن». وقد استفادت المنصّة من هذا النجاح، لكنّه لا يبدّد وحده التساؤلات بشأن قدرة منظومتها الإنتاجية على إطلاق أعمال ناجحة جديدة باستمرار.

في هذا السياق، يأتي تعيين بيتر رايس رئيسًا للمحتوى خلفًا لبيلا باجاريا. ويتمتّع رايس بخبرة في السينما والتلفزيون، اكتسبها من عمله في شركتَي «فوكس سيرشلايت» و«ديزني»، مما يضعه أمام مهمّة تحسين قائمة الأعمال، بالتوازي مع إدارة حجم إنتاج عالمي ضخم.
وكشف تقرير «ذا أنكلر» أنّ رئيسة المحتوى السابقة بيلا باجاريا أمضت معظم يوم الأربعاء في تنفيذ قرارات تسريح الموظفين، قبل أن تتناهى إليها أحاديث عن مستقبلها داخل الشركة. ووفق مصادر التقرير، توجّهت نحو الخامسة والنصف مساءً إلى الرئيس التنفيذي المشارك تيد ساراندوس، لتسأله مباشرةً عمّا إذا كانت ستبقى في منصبها، فأبلغها بأنه تقرّر استبدالها.
وكانت الخطة تقضي بإعلان مغادرتها بصورة منفصلة عن التسريحات، نظرًا إلى موقعها القيادي ولأنّ منصبها سيُسند إلى بديل، لكنّ الخبر تسرّب يوم الخميس قبل أن تتمكّن من إبلاغ فريقها. وتكشف هذه الكواليس عن حجم المفاجأة التي أحاطت برحيل مسؤولة أمضت عشر سنوات داخل «نتفليكس»، وتولّت منصب رئيسة المحتوى عام 2023.

ومع ذلك، يظلّ تحميل باجاريا وحدها مسؤولية التباطؤ موضع خلاف. فقد نقلت «فرايتي» عن مصادر في الصناعة اعتقادها بأنها تتحمّل تبعات مشكلات أوسع داخل الشركة. كما أنّ تغيير المسؤول عن المحتوى لا يضمن تلقائيًا ظهور العمل الجماهيري الكبير التالي.
أمّا تسريح الموظفين، فقد قدّمته الإدارة على أنه جزء من إعادة ترتيب الموارد. وقال الرئيسان التنفيذيان تيد ساراندوس وغريغ بيترز، في مذكّرة إلى العاملين، إنّ نشاط الشركة لا يزال قويًا ومتناميًا، وإنها مستمرّة في الاستثمار في المجالات الأكثر تأثيرًا في الخدمة والنموّ.
وشملت التخفيضات فرق المنتجات والتكنولوجيا والشؤون القانونية والموارد البشرية، إلى جانب مسؤولين في قطاعَي السينما والتلفزيون. ويشير اتّساع نطاقها إلى إعادة هيكلة تتجاوز تقييم نجاح أعمال بعينها، وتستهدف آليات توزيع الإنفاق والوظائف داخل الشركة.
وتتزامن هذه التحوّلات مع توسّع «نتفليكس» في البثّ المباشر والرياضة والإعلانات وبودكاست الفيديو ومحتوى صنّاع المحتوى، وهي مجالات تسعى من خلالها إلى إيجاد مصادر إضافية للمشاهدة والإيرادات.
بهذا المعنى، تحاول «نتفليكس» التحرّك قبل أن يتحوّل تباطؤ النموّ إلى أزمة مالية. فتسريح الموظفين يخفّض التكاليف، بينما يستهدف تغيير قيادة المحتوى تعزيز قدرة المنصّة على جذب الجمهور. ويبقى الاختبار الحقيقي على الشاشة، ومدى قدرة الشركة على تقديم أعمال تدفع المشاهدين إلى العودة إليها بمعدّلات أكبر، وتمنح المستثمرين أسبابًا للاطمئنان إلى مستقبل نموّها.