خلال جلسة حوارية أدارتها الفنانة ريهام عبد الغفور ضمن فعاليات الدورة التاسعة من «مهرجان الجونة السينمائي»، ناقش المنتج محمد مشيش أبرز التحدّيات التي تواجه صناعة الدراما التلفزيونية، من تراجع ميزانيات الإنتاج واتّساع الفجوة بين التكاليف والأجور، إلى اختلاف ظروف التصوير بين مصر والأسواق الغربية. كما تناول مستقبل التلفزيون في ظلّ صعود منصّات العرض الرقمية، ومدى تأثير «المايكرودراما» في الصناعة، منتقدًا ملاحقة «الترند» وتكرار الأفكار الناجحة على حساب التجديد والجودة الفنية.
ميزانيات أقلّ وتكاليف لا تتراجع
توقّف مشيش عند التغيّر الذي طرأ على ميزانيات إنتاج المسلسلات خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أنها كانت تصل إلى نحو 300 ألف دولار للحلقة الواحدة، قبل أن تتراجع إلى 200 ألف دولار، ثم إلى 150 ألف دولار. وفي المقابل، لم تتراجع أجور العاملين في الصناعة بالنسبة نفسها، سواء تعلّق الأمر بالممثلين أو المصوّرين أو غيرهم من المشاركين في تنفيذ الأعمال.
ويرى المنتج أنّ هذا التفاوت يضع الصناعة أمام أزمة تتطلّب التعامل معها بواقعية، في ظلّ الفجوة المتزايدة بين تكاليف الإنتاج والإمكانات المالية المتاحة، خصوصًا مع تأثير الحروب والأزمات الإقليمية في حركة الصناعة وظروفها. فحجم الأعمال المطلوبة لا يزال كبيرًا، بينما لم تعد الميزانيات المتاحة قادرة بالضرورة على تلبية متطلّباتها بالمستوى الذي اعتادته الصناعة.
ومن وجهة نظره، لا يكفي التعامل مع انخفاض الميزانيات على أنه مسألة حسابية، وإنما ينبغي إعادة النظر في آليات الإنتاج وتحديد العناصر الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، مع البحث عن سبل للحفاظ على جودة العمل ضمن حدود الإمكانات المتاحة. كما شدّد على أنّ صناعة الدراما لا تعتمد على الممثل أو المنتج وحده، وإنما تقوم على جهود مجموعة واسعة من العاملين، لكلّ منهم دور وتكلفة ينبغي أخذهما في الحسبان عند اتّخاذ القرارات الإنتاجية.

اختلاف ظروف الإنتاج بين الشرق والغرب
وفي سياق مقارنته بين صناعة المسلسلات في أوروبا والولايات المتحدة ومصر والمنطقة العربية، أشار مشيش إلى اختلافات كبيرة في ميزانيات الإنتاج وطرق إنفاقها، موضّحًا أنّ بعض الأسواق الغربية تخصّص مبالغ ضخمة للحلقة الواحدة، وهو ما لا يتوافر بالقدر نفسه في الإنتاج المصري والعربي.
ولا يقتصر الاختلاف، وفق حديثه، على حجم التمويل، وإنما يمتدّ إلى طبيعة التصوير وظروف العمل وآلياته. ولذلك، لا يمكن أن تقوم المقارنة بين الأعمال المنتجة في هذه الأسواق على النتيجة النهائية وحدها، من دون مراعاة الفروق في الموارد المتاحة وبيئة الإنتاج والوقت المخصّص للتنفيذ.
ويرتبط ذلك، في رأيه، بالحاجة إلى تطوير آليات التخطيط للمسلسلات، عوضًا عن محاولة إنجاز مشروعات كبيرة خلال فترات زمنية ضيّقة، ثم انتظار نتائج تضاهي أعمالًا أُتيحت لها إمكانات أكبر ومدّة أطول للتحضير.
الوقت جزء من جودة العمل
من بين المشكلات التي لفت إليها مشيش ضيق الفترة المخصّصة لإنجاز المسلسلات. وأوضح أنّ مسلسلًا مكوّنًا من عشر حلقات قد يستغرق إنتاجه في الخارج عامين أو أكثر، في حين تحاول الصناعة في مصر إنجاز عمل بالحجم نفسه خلال أربعة أشهر.
ويؤثّر هذا الفارق في مختلف مراحل العمل، بدءًا من الكتابة والتحضير، وصولًا إلى التصوير والتنفيذ. ومن هنا، دعا إلى منح المشروعات وقتًا كافيًا، والتخطيط لها مبكرًا، بما يسمح بتطوير النصوص والاستعداد للتصوير بصورة أفضل، عوضًا عن ضغط جميع المراحل في جدول زمني محدود.
كما أشار إلى أهمية أن تتبنّى المنصّات المشروعات في وقت مبكر، وأن يبدأ التخطيط لأعمال المواسم المقبلة قبل موعد عرضها بوقت كافٍ. فالتخطيط المسبق، في ظلّ تراجع الميزانيات، يمكن أن يساعد على توظيف الموارد المتاحة بكفاءة أكبر، ويمنح فرق العمل فرصة حقيقية لتقديم أعمال متماسكة.
«الترند» لا يصنع نجاحًا مستدامًا
وفي حديثه عن الاتّجاهات السائدة في السوق، انتقد مشيش ملاحقة «الترند» وتكرار الأفكار التي تحقّق نجاحًا جماهيريًا، معتبرًا أنّ هذا المسار يضرّ بالفن ويحدّ من تنوّع الموضوعات المطروحة على الشاشة.
وضرب مثالًا بنجاح مسلسل «حكاية نرجس»، موضحًا أنّ نجاح تجربة بعينها قد يدفع بعض المنتجين إلى البحث عن قصص مشابهة وتكرار الوصفة نفسها، عوضًا عن التعامل مع كلّ مشروع على أنه تجربة مستقلّة لها خصوصيتها. ويرى أنّ تحويل النجاح السابق إلى نموذج يُعاد إنتاجه باستمرار خطأ في التفكير الإنتاجي، لأنه يجعل قرارات الصناعة رهينة ما حقّق رواجًا في وقت سابق، على حساب التجديد والمغامرة بأفكار مختلفة.
ووفق مشيش، لا يكمن ضمان النجاح الحقيقي في ملاحقة «الترند»، وإنما في توافر عناصر فنية قادرة على بناء عمل جيّد، وفي مقدّمتها السيناريو المكتوب بعناية والمخرج الواعي الذي يفهم المادة التي يعمل عليها ويعرف كيف يقدّمها. فنجاح العمل لا يُختزل في تشابه موضوعه مع تجربة سابقة أو في قدرته على استثمار موجة رائجة، وإنما يرتبط بمدى تماسكه وجودة تنفيذه.

«المايكرودراما» ليست تهديدًا للدراما التقليدية
وعند تناوله التحوّلات التي يشهدها سوق العرض، فرّق مشيش بين المسلسلات الدرامية التي تستهدف مشاهدة متعمّقة، ومقاطع «المايكرودراما» القصيرة التي تُستهلك في أوقات متفرّقة خلال اليوم.
ولا يرى أنّ هذا النوع من المحتوى يشكّل تهديدًا حقيقيًا لصناعة الدراما، إذ يعدّه أقرب إلى فيديوهات سريعة للتسلية، يمكن مشاهدتها خلال الانتظار أو قبل النوم، في لحظات لا تتطلّب بالضرورة تركيزًا طويلًا. وفي المقابل، يرى أنّ هذه الأعمال تفتقر إلى التفاصيل التي تجذب المشاهد الباحث عن تجربة درامية متكاملة، بما تتضمّنه من تطوّر للشخصيات وبناء للأحداث وعمق في الحكاية.
ويستند هذا التمييز إلى اختلاف طبيعة المشاهدة والغاية منها. فالمحتوى القصير قد يلائم لحظات الفراغ والاستهلاك السريع، لكنه لا يؤدّي بالضرورة وظيفة المسلسل الذي يتطلّب من الجمهور متابعة مستمرّة وانخراطًا في تفاصيل قصّته. ومن هذا المنطلق، لا يعدّ مشيش انتشار «المايكرودراما» دليلًا على أنّها ستحلّ محلّ المسلسلات، أو أنّها ستستحوذ على الجمهور نفسه بالطريقة ذاتها.
المنصّات الرقمية ومستقبل العرض
وفي حديثه عن مستقبل الصناعة، رأى مشيش أنّ التلفزيون يتّجه إلى التراجع، والمنصّات الرقمية أصبحت الوجهة الأبرز للمشاهدة، لارتباطها المتزايد بأنماط الحياة اليومية. ويأتي هذا التحوّل ضمن تغيّر أوسع في طرق وصول الأعمال إلى الجمهور، وفي طبيعة العلاقة بين المشاهد والمحتوى الذي يختاره.
لكنّ انتقال المشاهدة إلى المنصّات لا يعني، في رأيه، أنّ النجاح بات مرهونًا بالاعتماد على نجم جماهيري وحده. فالعمل الجيّد يستطيع الوصول إلى جمهوره بفضل عناصره الفنية، وفي مقدّمتها القصّة والمخرج والممثل المناسب للدور، حتى في غياب الأسماء التي تحظى بشهرة واسعة.
وتتقاطع هذه الرؤية مع انتقاده ملاحقة «الترند» وتكرار التجارب الناجحة، إذ إنّ تغيّر وسيلة العرض لا يلغي الحاجة إلى الكتابة الجيّدة والرؤية الإخراجية الواعية، كما أنّ توافر المنصّات لا يعفي المنتجين من مسؤولية تطوير المحتوى وتقديم حكايات جديدة.