فاصلة

مقالات

هل الأوسكار «مسألة حياة أو موت»؟

Reading Time: 4 minutes

في الطريق إلى كأس العالم 2014 في البرازيل، توقّف مشوار المنتخب السعودي قبل المرحلة الأخيرة من التصفيات الآسيوية. كنا في سباق الوصول، لكننا لم نصل. ولم يخطر ببال أحد يومها أن يهنّئ المنتخب على المشاركة في المونديال.

في السينما، يبدو أننا أحيانًا أكثر سخاءً في استخدام المصطلحات.

مسألة حياة أو موت (2025)
مسألة حياة أو موت (2025)

المشاركة في السباق لا تعني الترشيح النهائي

اختير فيلم «مسألة حياة أو موت» لخوض المنافسة باسم المملكة في فئة «أفضل فيلم دولي» ضمن جوائز «الأوسكار». خبر أسعدني، وأتمنّى بصدق أن يذهب الفيلم بعيدًا. والتهنئة لأنس باطهف وسارة طيبة ويعقوب الفرحان وجميع مَن عملوا عليه مُستَحقة. لكن اختيار الفيلم هو بداية الطريق.

في هذه الفئة، تختار كلّ دولة مُشارِكة فيلمًا واحدًا لخوض المنافسة باسمها. لذا، يُعدّ اختيار المملكة لفيلم «مسألة حياة أو موت» محطة مهمّة لصنّاعه محليًا، لكنه لا يعني أنّ «الأكاديمية» رشَّحته لجائزة «الأوسكار».

من هنا تبدأ المنافسة الفعلية: يصل 15 فيلمًا فقط إلى القائمة القصيرة، ثم تُختار منها الترشيحات الخمسة النهائية.

بمعنى أبسط: الفيلم السعودي دخل السباق، لكنه لم يُرشّح لجائزة «الأوسكار» بعد.

مسألة حياة أو موت (2025)
مسألة حياة أو موت (2025)

معايير النجاح في السينما السعودية

قد يبدو الأمر مجرّد تدقيق في المصطلحات، لكنه يطرح سؤالًا أكبر، هو: كيف نقيس النجاح في السينما السعودية؟

من الطبيعي أن نحتفي. فخلال سنوات قليلة، انتقلنا من سوق سينمائية محدودة جدًا إلى صالات عرض وأفلام محلّية ومهرجانات ومنصات وتمويل وإنتاجات تبحث عن مكانها داخل المملكة وخارجها. وفي البدايات، لكلّ خطوة وزنها.

ففيلم يبيع عددًا كبيرًا من التذاكر يحقق نجاحًا تجاريًا، وآخر يصل إلى مهرجان مهم يحقق إنجازًا مختلفًا. وقد تكون للفيلم قيمة فنية من دون أن يجد جمهوره، أو يجد جمهوره من دون اهتمام نقدي. وأحيانًا لا يحقق ما توقعناه منه. كلها نتائج مختلفة، وتستحق أن تُقرأ كما هي.

جرس إنذار: الحفرة (2026)
جرس إنذار: الحفرة (2026)

بعد أكثر من عشر سنوات من العمل في هذا المجال، لا أستطيع عدَّ كلّ تجربة شاركتُ فيها ناجحة. ثمة أعمال حقّقت ما كنتُ أتمناه، وأخرى لم تفعل، وتجارب غيَّرت أفكارًا كنت مقتنعًا بها قبل خوضها. وهذا جزء أساسي من قيمة التجربة نفسها.

ومن علامات نضج صناعتنا أن نتمكّن من قول جملة بسيطة: هذه التجربة لم تنجح كما أردنا. ماذا نتعلَّم منها؟

إذا غيّرنا تعريف النجاح في كلّ مرة ليتناسب مع النتيجة، فلن يبقى كثير لنتعلّمه.

مسألة حياة أو موت (2025)
مسألة حياة أو موت (2025)

الميزانيات والسينما المستقلّة

وتزداد أهمية ذلك في الجانب التجاري، لأنّ تكلفة الخطأ هنا حقيقية.

أحيانًا نتعامل مع الميزانية الكبيرة كأنها دليل مبكر على أهمية الفيلم. نرفع حجم الرهان، ونجمع الأسماء، ونبني مشروعًا ضخمًا، ثم نتوقّع أن يصنع الحجم وحده أثرًا يوازي ما أُنفق عليه.

وقد جرّبنا ذلك.

محارب الصحراء (2025)
محارب الصحراء (2025)

أرسلنا ذات مرة محاربًا إلى الصحراء بعتاد يكفي جيشًا، ثم اكتشفنا أن حجم العتاد لا يعني شيئًا إذا لم يجد المحارب معركته أصلًا.

يمكننا تجاوز تجربة مثل هذه لأنها غير مريحة، أو الاحتفاظ بها درسًا باهظ الثمن. وأنا أميل إلى الخيار الثاني.

فالميزانية الكبيرة ليست طموحًا بذاتها. أحيانًا يكون الطموح الحقيقي أن تعرف حجم الفيلم الذي تصنعه، والجمهور الذي تخاطبه، والمبلغ الذي يستطيع المشروع تحمّله، من دون أن يصبح نجاحه مشروطًا بنتيجة استثنائية.

لهذا، أتمنى أن نرى مساحة أكبر للسينما المستقلّة والإنتاجات الصغيرة والمتوسّطة في السعودية.

ولا أقصد بالاستقلالية موقفًا مناهضًا للسينما التجارية أو نوعًا فنيًا بعينه. أقصد أفلامًا تعرف حجمها وتخاطر بميزانيات تتناسب مع جمهورها وفرصها، وتمنح الكاتب والمخرج والمنتج فرصة لصناعة عمل والتعلّم منه، ثم الانتقال إلى العمل التالي.

تحتاج الصناعة إلى محاولات كثيرة، ويحتاج الجمهور أيضًا إلى مزيد من الأفلام حتى تتشكّل علاقته الحقيقية بالسينما المحلّية. ومع كلّ تجربة، تتراكم معرفتنا بالسوق.

بناء ذاكرة للسوق

ماذا شاهد الناس؟ وماذا تجاهلوا؟ ماذا حدث بعد الأسبوع الأول؟ هل كان لنوع الفيلم دور؟ أم للنجوم؟ أم لتوقيت العرض والتسويق وعدد الشاشات؟ وهل تتناسب النتيجة التي حققها الفيلم مع ما أُنفق عليه؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من الجانب الفنّي للسينما، ولا تجعل النجاح قابلًا للتنبؤ، لكنها تسهم في بناء ما نفتقده: ذاكرة للسوق. أن ندخل تجربة الفيلم المقبل بمعرفة أوسع ممّا كانت لدينا عند صناعة الفيلم السابق.

مسألة حياة أو موت (2025)
مسألة حياة أو موت (2025)

الجوائز ونضج الصناعة

وفي الجوائز والمهرجانات، نحتاج إلى الدقة نفسها.

إذا وصل فيلم سعودي إلى القائمة القصيرة لجوائز «الأوسكار»، فهذه خطوة مهمة. وإذا أصبح ضمن المرشحين الخمسة، فسنكون أمام إنجاز تاريخي. وحتى قبل ذلك، ينبغي أن يكون اختيار الفيلم لخوض المنافسة باسم المملكة بداية لمرحلة جديدة من الدعم والعمل، لا نهاية الاهتمام به.

أتمنّى لفيلم «مسألة حياة أو موت» أن يصل إلى أبعد مرحلة ممكنة، وسأفرح إذا رأيت يومًا فيلمًا سعوديًا بين المرشحين الخمسة، ثم يفوز بالجائزة.

لكن طموحي الأكبر أن نصل إلى صناعة لا تحتاج إلى إعادة صياغة النتائج حتى تشعر بأنها تتقدّم. صناعة تستطيع أن تُسمّي نجاحها نجاحًا، وإخفاقها إخفاقًا، وتتعلّم من كليهما.

وجائزة «الأوسكار»، رغم قيمتها ورمزيتها، لم تعد تحمل بالنسبة إليّ الثقل نفسه الذي كانت تحمله سابقًا، ولا أراها معيارًا مطلقًا لقيمة فيلم أو نضج صناعة كاملة.

نريدها ونسعى إليها، وسنفرح إن فزنا بها. لكن صناعة لا تزال تبني سوقها، وتفهم جمهورها، وتراكم خبرتها، لا ينبغي لها أن تجعل الفوز بجائزة «الأوسكار» «مسألة حياة أو موت».

اقرأ أيضا: السعودية تختار «مسألة حياة أو موت» لأوسكار 2027

شارك هذا المنشور

أضف تعليق