فاصلة

مقالات

ثلاثية الألوان لـ كريستوف كيشلوفسكي… قصيدة أُممية تؤرخ للانعتاق والشقاق

Reading Time: 4 minutes

تُعدُّ ثلاثية الألوان بمثابة اللوفر السينمائي لفرنسا، وأحد أهم وأثمن أناجيلها الفنية، وإن كان الناس لا يتوسَّعون في الحديث عن اللمسة البولندية فيها من إنتاج وإخراج (وخاصة الجانب الإخراجي من توقيع كريستوف كيشلوفسكي، الذي شذَّب هذه التحفة وأسدل عليها سابغات رونقها، في نموذج فذ لم يأتِ بنظيره أي مخرج فرنسي في تلك الحقبة)، ويتقشّفون في ذلك حدَّ الإجحاف. كيشلوفسكي، الذي كانت عدسته طوال ثلاثين عامًا مدوّنة بصرية محلّية بامتياز، ترتشح بكرتها بصور الشوارع والدكاكين والوجوه البولندية المحتقنة حنقًا وسخطًا على الشيوعيين الذين استأثروا بالبلد وأمعنوا في امتهان شعبه وإنهاكه، قد تلمَّس أخيرًا موطئ قدم له في محفل قياصرة السينما الأوروبية والعالمية لاحقًا، إذ إنّ أفلامه يزداد تقديرها مع الوقت. فالزمن هو أعتدُّ ما يصقل الأشياء وأكثرُ من ينصفها، وهو أيضًا من دفع رسوم عضويته في هذا المحفل، وفتح عيون الناس على أعمال تفوق الثلاثية عمقًا ونضجًا، لكن لم يُكتب لها أن تكون في متناول الجمهور العالمي قبل صدور الثلاثية.

Trois couleurs : Bleu (1993)
Trois couleurs : Bleu (1993)

يستعرض كيشلوفسكي في مخطوطته هذه ثلاث قصص «أوروبية» مشتبكة على استحياء، لكنها ملتحمة في العمق على مستوى نواتها المفاهيمية، موسومة بشيء من المقاربة القصصية الفلكلورية، أولها «أزرق» (1993). إلاَّ أنَّها، وعلى «أوروبيَّتها» و«فلكلورِيَّتها»، تبدي لياقة سردية عالية تخوِّلها أن تُعْمِلَ أدواتها ضمن نطاقات وعلى مسافات أبعد من تلك التي تنفتح عليها القصدية التي تنطلق منها. يتحرك كيشلوفسكي بخفة بين بُعدٍ لا مركزي للقصة وآخر أكثر خصوصية وأكثر اغترابًا رغم ذلك؛ ينتخب فرنسا مسرحًا للوقائع، ذلك أنها خاصرة أوروبا المارقة التي ما فتئت تبتر كل طَوْق يطوِّقها، وتلوي كلّ يدٍ تقرُبُها، وتبصق على موائد الاتفاقيات والمعاهدات. شكَّلت فرنسا، على مدى زمني مديد، فراشًا أثيرًا للثورات والجمهرات، تَخلّقت فيه مجامِعُ فكرية سياسية وأُجهضت أخرى، وتسرّبت إليها هويات شريدة ترومُ أن تنتزع اعترافًا بالأُبوّة من أمَّة مغلولة بتراث مشين من الفداحات التي جنتها على شعبها وعلى غيره من الأمم والشعوب التي سطت على سيادتها. يولي كيشلوفسكي اهتمامًا خاصًا ودقيقًا للخطّ الوهمي الذي يشطر القارة إلى كتلة شرقية وأخرى غربية، والذي تتخندق فيه أزمات الهوية الأوروبية وأعْوَازُ تشكّلها و«القطعانية» القومية التي ينتجها كلّ ما سبق، ويراقب كيف يبتلع هذا الخطّ المبادئ والتاريخ والأواصر المشتركة بين الكتلتين، أو بالأحرى كيف تهوي الكتلة الغربية، مدفوعة بالتفوّق الاقتصادي الذي غنمته من تاريخها الاستعماري، بمعولِها على مغارِس «التدجين العضوي» لشعوب القارة، الذي من شأنه أن يؤسّس لانحسار خصوصياتها الأنثروبولوجية لمصلحة وعي أممي قوامه الوحدة والمصير المشترك. واحتكرت لنفسها حق تصنيع الأُمثولات العليا، كما احتكرت تصنيع مفهوم «الآخر»، وهذا الآخر في المخيال الأوروبي الغربي لا يُنظر إليه فحسب على أنه طبقة ديموغرافية غير قابلة للذوبان في المورفولوجيا «الجرمانية» للشق الغربي من القارة، بل على أنه فائض بشري سامّ يشوّه هذه المورفولوجيا «السامية» في تصورهم. هذه التراتبية، التي يمكن التأصيل لها في السياق الكولونيالي، تمكّنت من النفاذ إلى الطوبوغرافيا الاجتماعية الأوروبية في ظلّ الحرب الباردة، واستتبَّت هناك حتى في أعقابها، وهو طرح يتناوله الجزء الثاني من الثلاثية، «أبيض» (1994)، في سرد فذ منكّه بشيء من التندُّر والطرافة.

Three Colors White (1994)
Three Colors White (1994)

الفكرة عند كيشلوفسكي تعود إلى منبتها وتعتنق أصلها على أنه امتداد إنساني متخفّف من التحزّبات والولاءات. هي تحتفظ بِنَسَقِها الأداتي لا الغائي؛ فالفكرة بالنسبة إليه لا تستحوذ على أي حيّز من المشهد سوى مطلعه، فهي الثلم الذي تتفتّق منه شاعرية غنية وسخية تأسر الجوارح. تجدر الإشارة إلى أنّ الثلاثية تستمد اسمها من ألوان العلم الفرنسي (أزرق، أبيض، أحمر)، وهذه الألوان بدورها إحالات رمزية إلى شعارات الجمهورية الفرنسية (حرّية، مساواة، إخاء). لكن كيشلوفسكي لا يأخذ الفكرة مأخذ الملك الذي تندفع البيادق لِتذود عنه؛ فهو هنا لم يبدّد ثلاثيته في تقديم معالجة اصطلاحية ملولة ومُطْنَبة لمفاهيم الحرية والمساواة والإخاء، بل اهتم بصياغة مساحة تأملية تخترق سماكة المأزق السوسيوجغرافي، وتتمسّك بامتدادها الإنساني من دون الانجراف في سكة التنظير السياسي.

Trois couleurs : Rouge (1994)
Trois couleurs: Rouge (1994)

تتناول أفلام الثلاثية قصصًا مختلفة ومنفصلة ظاهريًا، إلا أنها جميعها تتضافر وتلتقي في الجزء الأخير من الثلاثية، الذي لا يحيد عن النهج الذي أسَّس له وعبَّده الفيلمان اللذان سبقاه، متنزِّهًا بذلك عن الآفة التي تقع فيها معظم الأفلام التي يأبى لها المخرج التفريد (أو هي تستعصي عليه في بعض الأحيان)، فتأتي أقانيمَ معطوفةً بعضها على بعض؛ آفة أن يعتدَّ الفيلم بنفسه وينصرف إلى تسييج جغرافيته الخاصة، معلنًا فكاكه من بقية تراكيب المخطوطة السينمائية التي تخلَّق بين تلابيبها. وإنما «أحمر» (1994) لا يتميّز عن الجزأين اللذين سبقاه فقط بكونه أنضج على مستوى بناء الحكاية وشخوصها؛ فهو هنا يقدّم رسكلة تفكيكية لمفهوم الإخاء. هذا الأخير، بخلاف الحرّية والمساواة اللتين تعزّزت قيمتهما المفهومية والتطبيقية في القرنين الأخيرين، لا سيما مع صعود «اللائكية»، شهد انكماشًا أمام الفردانية التي فرضت نفسها دستورًا اجتماعيًا يهدف إلى تثبيت مبادئ الحرّية والمساواة. ولا يخفى على أحد ما أفرزه ذلك من اختلال في إيقاع السيرورة المجتمعية ورتق للقيم والأخلاقيات، وحتى إخضاعها للمساءلة. يتجلّى ذلك من خلال زوج «فالنتين» الذي يجاملها في الهاتف على مضض، والقاضي المتقاعد الذي نضبت حياته من كلّ معنى وهدف، فكانت تسليته أن يتنصّت على مكالمات جيرانه. جيرانه هم الآخرون لا تقلّ حياتهم خواءً ورتابةً عن حياته، لكن حياتهم، بخلافه، تضجّ بالنفاق والتزلّف البائس، مُتمثِّلةً في شخصية الرجل الذي يخون زوجته مع عاملة الأرصاد الجوّية، التي يبدو، بدورها، كأنّ الخيانة طقس روتيني يستهويها، وحتى أولئك الذين يحشرون العلكة في قفل باب شقة «فالنتين»، في سخرية واضحة من إعلان العلكة الذي قدّمته مؤخرًا. تتضافر هذه القصص في البداية لتشكّل الإطار العام للفيلم، ثم تتضافر مرة أخرى لِتُسفر عن «أوديسة» أنطولوجية فريدة، تتقاطع فيها القصص ووجهات النظر، وتُمثَّل فيها الضمائر قيد محاكمة مجازية.

Trois couleurs: Rouge (1994)
Trois couleurs: Rouge (1994)

لقد نجح كيشلوفسكي، من خلال ثلاثيته السينمائية هذه، في لمّ شمل المجتمع الأوروبي وتقطيب شرخه، ذلك المجتمع الذي لم يعرف سوى الشقاق والنكوص البنيوي في ظل الفردانية التي أملاها تأليه الذات والمادة. فكان الفيلم مسك الختام في مسيرة مخرج اختار أن يودّع كاميرته في القبو ويلتقف الكتب ليعيد اكتشاف «الفكرة»، وربما كان ليعيد تعريفها لو كان العمر مديدًا.

اقرأ أيضا: كريستوف كيشلوفسكي.. هل كانت الثماني سنوات كافية؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق