فاصلة

مقالات

سينما بلا دهشة أولى

Reading Time: 4 minutes

بعد أكثر من ثمانية أعوام على عودة دور السينما في المملكة، أصبح الذهاب إلى الفيلم جزءًا ممكنًا من يوم الأسرة، بعدما كان الوصول إلى كرسي أمام الشاشة الكبيرة يستدعي سفرًا وترتيبات لا تشبه بساطة الرغبة نفسها. تغيّر الكثير منذ تلك العودة، وصار من حقّ هذا التحوّل أن نراجعه من زوايا تتجاوز عدد الصالات والأفلام التي تصل إليها، إلى العلاقة التي تتشكّل داخلها بين المُشاهد وما يراه.

كان عبدالله آل عياف قد التقط شيئًا من مشقة الوصول في فيلمه «السينما 500 كم» عام 2006، متتبعًا رحلة شاب يعبر الحدود ليشاهد فيلمًا داخل صالة للمرة الأولى. وفي انتقال مخرج ذلك الفيلم إلى منصب الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام» مفارقة تختصر حجم المسافة التي قطعتها التجربة السعودية؛ فالسؤال الذي انشغل بإمكان الوصول إلى السينما أصبح يتّسع لما نريد أن نصنعه بعد الوصول.

السينما 500 كم (2006)
السينما 500 كم (2006)

ومن بين الأسئلة التي تستحق أن تتقدّم هذه المراجعة: ما الذاكرة التي يصنعها الفيلم المحلّي لأطفال هذه المرحلة؟ فالطفل الذي كان في السادسة عند عودة الصالات صار اليوم في الرابعة عشرة. مضت عليه سنوات كان يمكن أن يتعرّف خلالها إلى شخصيات محلّية يحبّها وينتظر عودتها، ويكبر معها. تبدو ثمانية أعوام مدة قصيرة في عمر صناعة تحاول تثبيت أقدامها، لكنها تستوعب انتقال طفل من أولى سنوات المدرسة إلى المراهقة، وما تؤجّله الصناعة إلى حين نضوجها قد يكون انتهى في عمر جمهورها.

الأسرة التي تريد اصطحاب أطفالها إلى فيلم محلّي لا تجد أمامها ما تختار منه إلا في تجارب محدودة جدًا تُعدّ على أصابع اليد. يظلّ الفيلم العائلي استثناءً، مع أن الجمهور الذي يحتاج إليه حاضر بالفعل. وهذا غياب يستحق أن نسميه بوضوح، ونسأل عن موقع الطفل في خطط الشركات التي تنتج للسوق السعودية؛ فهو يدخل الصالات، ويدفع لمشاهدة الأفلام، بينما يكاد يغيب الإنتاج الذي يتوجّه إليه من داخل هذه السوق.

لهذا الطفل قوة تستحق انتباه شركات الإنتاج. حين يقرّر الذهاب إلى السينما، تبدأ رغبته بالتفاوض مع وقت الأسرة وترتيبات خروجها. وقد تتحوّل التذكرة التي أرادها إلى ثلاث، وربما أكثر. لا يلزم أن يحدث هذا في كلّ زيارة حتى نفهم أهميته؛ فصاحب الرغبة قد يختار الفيلم لأشخاص لم يكونوا سيختارونه منفردين. وفي المقابل، تصبح تكلفة الخروج الجماعي سببًا إضافيًا لحاجة الأسرة إلى فيلم تثق بأنه سيمنح أفرادها ما يستحق هذه الرحلة.

تتجاوز أهمية هذا الحضور حصيلة الشباك. حين يسمع الطفل لهجته في القاعة المظلمة، ويرى الثوب الذي يعرفه لباسًا لشخصية تخوض مغامرة تستحق الترقب، يدخل شيء من عالمه اليومي إلى ذاكرته السينمائية. يصبح المكان المألوف قادرًا على إثارة الدهشة، وتكتسب التفاصيل التي يراها كلّ يوم احتمالات أخرى.

طريق الوادي
طريق الوادي (2022)

وجدت شيئًا من هذه الإمكانية حين شاهدت فيلم «طريق الوادي» مع عائلتي. أسهمت الطبيعة وألوان القرية والاستعراضات في بناء متعته، وانسجمت الملامح الكرتونية لشخصياته مع أجوائه. كانت البيئة المحلّية تمنح الصورة جاذبيتها وتشارك في صنع الخيال. وهذه نقطة مهمّة في وجدان الطفل، لأن يرى في المكان القريب منه ما يصلح للدهشة، ويكتشف أن المغامرة التي تستحق اهتمامه تنتمي إلى عالم يعرفه مسبقًا.

وكان أداء الطفل (حمد فرحان) في شخصية «علي» من أهم أسباب تعلّقنا بالفيلم. بدا لي أنّ الصغار يجدون في الشخصية ما يقرّبهم منها، وسمعت عند الخروج نقاشًا بين أطفال عن شجاعتها ومغامراتها. كان ذلك شاهدًا على أثر يمتدّ إلى ما بعد العرض؛ فقد صار لديهم رأي في «علي» وما يستحق أن يتحدّثوا عنه بعد مغادرة القاعة، ومن مثل هذه الاستجابات تبدأ ألفة الطفل مع الشخصيات المحلّية، وتتكوّن الذكريات التي سيحملها عن أفلامه الأولى.

ظلّت لدي ملاحظات على الكتابة، وعلى حاجتنا إلى الاقتراب أكثر من عالم «علي» الداخلي، كما أنّ بعض عناصر التشويق لم تفِ بما صنعته من ترقب. ومع ذلك، خرجنا راضين عن المُشاهدة، ووجدت فيه دهشة لم أكن قد اختبرتها بهذا الشكل في فيلم محلّي. وتأتي أهمية التجربة هنا من أنها منحتنا أصلًا فيلمًا نستطيع الاجتماع عليه، ونختلف حول بعض تفاصيله. أما العثور على فيلم محلّي آخر نأخذ إليه الأطفال، فيظلّ سؤالًا أصعب من تقييم ما شاهدناه.

شباب البومب3
شباب البومب 3 (2026)

ويضيء نجاح «شباب البومب» جانبًا آخر من المسألة، هو قيمة العلاقة السابقة مع الجمهور؛ فقد حمل إلى الصالات ألفة تكوّنت عبر التلفزيون. لكنه لا يقدم التجربة العائلية في صورتها الأمثل؛ فقد يذهب الكبير تلبيةً لرغبة أبنائه، دون أن يجد في الفيلم متعة تقترب من متعتهم. ولكن تستحق هذه العلاقة أن نفكر في إنشائها سينمائيًا، عبر أفلام يبدأ معها تعلّق الطفل، ويجد فيها من يصطحبه سببًا للمشاهدة يتجاوز المرافقة.

غياب هذا الإنتاج هو قصور في ترتيب الأولويات. فالحديث عن بناء جمهور للسينما السعودية يظلّ ناقصًا ما دام لا يشمل السنوات التي تبدأ فيها علاقة المُشاهد بالأفلام. نريد منه لاحقًا أن يختار الفيلم المحلّي، ويمنحه وقته وماله، فيما نترك معظم طفولته دون أفلام تخاطبه. وتنوّع الموضوعات التي نقدمها لا يعالج هذا النقص إذا ظلّت الأعمار التي نصنع لها متقاربة.

حين نستعيد بدايات كثير من محبّي السينما في المملكة، نجد أن علاقتهم بالأفلام سبقت علاقتهم بالقاعة بسنوات. تشكّلت ذائقتهم أمام التلفزيون والأقراص وشاشات الكمبيوتر؛ يشاهدون في غرفهم، أو في صالة تتقاسم فيها الأفلام انتباههم مع أحاديث الأسرة وتفاصيل يومها. عرفوا الصورة مصغّرة، وألفوا إمكان إيقاف المشهد والعودة إليه، وأحبّوا السينما قبل أن يختبروا ما يفعله انفرادها بالمكان وانتباه الجالسين فيه. ومع ذلك، صنعت تلك المشاهدات تعلقًا امتدّ، وبقيت أفلامها الأولى مرجعًا لما يحبّونه ويبحثون عنه. يملك طفل اليوم فرصة بدء علاقته بالسينما من داخلها، واقتران اكتشافه الأول لفيلم بحجم الشاشة، وحضور الصوت، والتفاعل الذي يسري بين المقاعد، وتصبح المشاهدة ذكرى يتقاسمها مع أسرته.

من هنا تصبح ندرة الإنتاج الموجه إليه تفويتًا لفرصة لا تعوّضها زيادة الصالات. الطفل يدخلها بالفعل، ويجد أفلامًا يحبّها، وستتكوّن ذاكرته السينمائية سواء شاركنا في صنعها أم لم نشارك. وما تختاره الشركات للإنتاج اليوم يحدّد موقع الفيلم المحلّي في تلك الذاكرة، قبل أن تطالب هذا الجمهور غدًا بالإقبال عليه. كان غياب الصالة عن طفولتنا ظرفًا لم نختره؛ أما أن تكبر طفولة أخرى في حضور الصالات وغياب أفلامها المحلّية، فهذه مسؤولية خيارات الإنتاج.

اقرأ أيضا: السينما حيّة… لكن لأيّ أفلام؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق