منذ أربع سنوات، رحل عن عالمنا المُنظّر والمخرج الفرنسي جان لوك غودار عن 92 عامًا. وعُرف بمواقفه السياسية الراديكالية، كما عُرف أيضًا بكونه أبرز جماعة الموجة الفرنسية الجديدة، التي ذاع صيتها في الستينات وغيّرت منذ ذلك الوقت مسار السينما بالكامل. لم تكن جماعة الفرنسيين الجدد «نوفيل فاغ» مجدِّدة على مستوى الشكل والأسلوب والمضمون فقط، بل ألهمت السينما العالمية بحداثتها في ذلك الوقت، ومن خلال التطوّر التكنولوجي الذي سارع الفرنسيون إلى مواكبته، كانت لهم الريادة في الحداثة السينمائية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وتجلَّت في الستينات على أيديهم. للحداثة السينمائية سمات عدّة، منها التخلّي عن منطق السرد التقليدي للحكاية، وهو ما برع فيه روّاد تلك الحركة، كما نرى عند آلان رينيه، وأنييس فاردا، وتروفو وغيرهم. كما كان من أبرز سماتها غلبة الجانب التسجيلي/التوثيقي على الحكاية. تمثَّل ذلك الجانب في توثيق الشارع والمعمار والطبيعة والتكنولوجيا، لذلك كان من الطبيعي الخروج من الاستديوهات في ذلك الحين، وجَعْل الشارع الحيّ شاهدًا على غالبية القصص. ويرجع ذلك إلى حاجة نابعة – ومفهوم – في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما يتجلَّى في سينما الواقعية الإيطالية على سبيل المثال، حينما احتاج الإيطاليون إلى توثيق شوارعهم ومبانيهم المُتهالكة، وتوجيه النظر إلى حال المجتمع الإيطالي ومعاناته بعد الحرب. بالتالي، كانت محاولة المزج بين كلّ من التسجيلي والروائي أمرًا لازمًا على صنّاع السينما في ذلك الوقت، وساعدهم بالطبع تطوّر المعدات السينمائية، مثل ظهور الكاميرا المحمولة (Hand Held) ومعدات تسجيل الصوت المدمجة في الكاميرا، وغيرها من المعدات والتقنيات التي سهّلت عليهم مشقّات كثيرة عند النزول إلى الشارع. فيما مال مخرجو الحركة إلى التخلّي عن الحوار الأدبي، ورأوا استبداله بالحوار اليومي المعتاد. وفي فصل حول السينما التسجيلية في كتابه «نظرية السينما»، يؤكد الكاتب والناقد بيلا بالاش أنّ السينما التسجيلية كانت ملزمة بأن تتجاوز مجرّد التوثيق الموضوعي، أيّ النظرة المحايدة للحدث التي لا نرى فيها رأي صانع الفيلم، بل مجرّد «عرض» لما يحدث من دون التحيّز، أو حتى محاولة التشكيك فيه. ولا يخفى على أحد مواقف جان لوك غودار الراديكالية، أشهرها خطبته في «مهرجان كانّ» عام 1968، التي تزامنت دورته مع إضراب 68 الشهير للعمال والطلبة. حينها علا صوت غودار وطالب بوقف عرض الفيلم في القاعة، موجّهًا حديثه إلى كلّ مَن فيها: «نحن نتحدّث عن التضامن مع الطلاب والعمال وأنتم تتحدّثون عن صور وأفلام! نحن نكافح مع زملائنا السينمائيين الذين يُطردون من عملهم، وأنتم هنا تتحدّثون عن اللقطات الطويلة واللقطات المقرّبة، يجب أن يتوقّف المهرجان فورًا». لتنتهي بعدها دورته بالفعل، استجابةً لتلك الاحتجاجات من غودار ورفاقه.

إذن، لدينا هنا صانع أفلام صاحب موقف حقيقي وواضح، وهو ما انعكس على سينماه دومًا، ولم يكن غودار صاحب موقف فقط، فقد كان طليعيًا أيضًا ومثيرًا للجدل في كلّ فيلم يخطوه، كما نرى مثلًا في فيلمه «الصينية – La Chinoise» الصادر عام 1967، والذي كان من أوائل الأفلام التي تمزج بين الطابع التسجيلي والروائي، ليُعيد الإشارة إلى خطورة الوسيط السينمائي من جديد، ويؤكد أنه صاحب فكر ورؤية مختلفة، وتجلّت تلك الخطورة أكثر فأكثر في سينما غودار مع نهاية الستينات، ليؤكد مع كلّ فيلم له أنّ السينما فنّ لا يتوقّف عن التلاعب والكشف.

وفي فيلمه «هنا وهناك – Here and Elsewhere» الصادر عام 1976، والذي صُوِّر معظمه في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، يتّضح إلى أي مدى كان غودار واعيًا بتلك الخطورة. في مقدمته، يُشار عن طريق التعليق الصوتي إلى أنه اكتمل عام 1974، وكان بعنوان «النصر/ إرادة شعب»، ليتغيَّر بعدها عنوانه إلى «هنا وهناك» ويصدر عام 1976. كان ذلك طبيعيًا بالنسبة إلى غودار، فالمحرّك في صناعة الفيلم في البداية، مع نهاية الستينات وبداية السبعينات، كان الدعاية للمقاومة الفلسطينية ضدّ الاحتلال، ولكن مع الوقت، لا سيما بعد حادثة أيلول الأسود، وموت جميع المُشاركين في الفيلم، أدرك غودار أهمية الوسيط السينمائي وخطورته، والسياسة بالطبع، فأعاد النظر في المواد المصوَّرة، واتجه بالفيلم إلى أبعد ما يكون عن الدعاية، ويعدّ المنظّرون أن تلك كانت نقلة بالنسبة إلى غودار، من الفيلم الثوري المباشر، إلى نوع من السينما التأملية / الفكرية، القائمة على النقد والمراجعة والتشكك؛ التشكك الذي يمتد إلى الصورة السينمائية نفسها وفاعليتها.

في المشهد الافتتاحي، نرى أسرة فرنسية تشاهد التلفزيون بمتعة، لترى فيه أحد قادة المقاومة الفلسطينية بينما يتحدّث. هذا ما قصده غودار بـ«هنا وهناك»، فـ«هنا» عنت الأسرة الفرنسية البرجوازية الصغيرة، وربما عنى غودار نفسه؛ نفسه الأولى التي انطلقت لرصد أمور بعيدة عنه ولا يدركها إدراكًا تامًا. و«هناك»، قصد بها الحرب والمعاناة. كما يشير العنوان لبارودي، هي موتيفة عند غودار على مدار فيلمه كما نلحظ، فالأسرة تشاهد القائد الفلسطيني عبر التلفزيون -والذي يجري اختيار ما تعرضه عليه سلطة ما- إذن يكشف غودار لعبته منذ البدء؛ أن حتى ما يُعرض هناك مشروط، ومتحكَّم به، بالتالي يصبح الفيلم عن الصورة والخداع؛ خداع الآلة الإعلامية، معبّرًا عنها بالتلفزيون، وهو رمز من رموز الحداثة في ذلك الحين.

ينقسم الفيلم في دقائقه الأولى إلى فصول، أولها «الكفاح المسلح»، وقبل أن يظهر المقاوم الذي يطلق النار، يُشار إلى كلمة «السلام». وهي سخرية معتادة من غودار تجاه الحرب، التي لا يتحقَّق السلام فيها إلا من خلال البنادق، مع إدراك ووعي كبيرَيْن من المخرج بأهمية الكفاح المسلّح لاستعادة الأرض. الفصل الثاني هو «العمل السياسي»، وفيه نرى امرأة تتلو خطابًا عن أهمية استرداد الأرض، فيما نلحظ تأتأة واضحة وعدم قدرة على القراءة السليمة لديها، وهذه نكتة أخرى يطلقها غودار، في إشارة إلى أنّ أخذ الحق عن طريق العمل السياسي هو شيء محبط وليس فاعلًا. الفصل الثالث بعنوان «الحرب طويلة الأمد»، وفيه نرى مجموعة من الأطفال يتدرّبون على القتال؛ سخرية ممتدة من غودار ونقمة يشير إليها من خلال عرضه المصير البائس لأولئك الأطفال في ظلّ الحرب. الفصل الرابع بعنوان «حتى النصر»، وهنا يوجّه غودار سؤاله، أيّ نصر؟ وكأنه سؤال استنكاري يوجّهه إلى نفسه، مُنطلقًا من نقد ذاتي تجاه محرّكه الأول عند صنع الفيلم، وهو «البروباغندا». ومن ثم يبدأ غودار – من خلال تعليق صوتي وبطاقات معنونة – Title Cards – بسرد رحلته مع الفيلم.

ربما في «ألف ليلة وليلة» ستحكي شهرزاد القصة بطريقة أخرى. كانت تلك إحدى بطاقات الفيلم المعنونة، والتي تشير إلى تلاعب الآلة الإعلامية وخطورتها، في إشارة إلى قول نعوم تشومسكي: «مَن يملك الإعلام يملك القوة، ومَن يملك القوة يملك الحقيقة». يستعين غودار بصوت الشاعر خالد أبو خالد بينما يلقي قصيدة «بيسان» وسط طلقات الرصاص والتقطيع والانتقال، بين الاستشهاد والموت الذي لا يستدعي إلا الرثاء، إلى قطع فوري ينتقل إلى الأسرة الفرنسية بينما تضحك وتتسلّى، في مفارقة أخرى، بين ما هو هنا، وما هو هناك؛ من الفتاة التي تتدرّب على القتال إلى الفتاة المستلقية على بطنها تشاهد التلفزيون، من المجبورين على الموت إلى الأسرة الفرنسية التي تشاهد، تراقب، وتشعر بالملل في النهاية.

يعرض غودار صورًا متعاقبة، يستبدل صورة بأخرى، بين غولدا مائير، موشيه ديان، هتلر، المقاومة، مجموعة من المساجين والساسة. يشير من جديد إلى أن ما يُعرض مشروط برغبة العارض الذي يستطيع تبديل الصور ببساطة، واحدة بأخرى، قالبًا أدوارها، في تأكيد على فكرة الخداع والتحكُّم والسيطرة، فقط يحدث ذلك عن طريق تبديل صورة بصورة، وحقيقة بأخرى. من هنا ينتقل غودار – تخفيفًا من ثقل ما يعرضه – إلى رصد طبيعة الأسرة الفرنسية ومشكلاتها. غودار هنا ينتقل بفيلمه إلى مستوى آخر، فهو يكسر المثالية المتوهّمة عن الأول، الذي انطلق من نقده، وبذلك يشير إلى أن حياتها ليست بهذا القدر من الجمال، بل برصدها من قرب، يتبيّن خلوّها من المعنى، وكثرة أزماتها، وهنا تجلّى وعي غودار المتجاوز لنقد الطبقة البرجوازية، بل يمتدّ إلى تفكيكها والرغبة في محاولة فهمها بطريقة بديلة، فنلحظ إشارة إلى كون تلك الأسرة الصغيرة نفسها تحت سلطة ما، هي بالتأكيد متجاوزة لتفاهتها الظاهرة، إذ تتمثّل تلك السلطة في رأسمالية تلتهم الجميع وتوجّههم.
تظهر فتاة بين الركام وتُلقي قصيدة لمحمود درويش، يعلّق غودار بصوته قائلًا ذلك، مضيفًا أنها تنتمي إلى حركة «فتح» الفلسطينية. تشير المعلّقة بصوتها إلى أنّ الفتاة تلقي بأسلوب مسرحي، وهذا مستقى من الثورة الفرنسية، فيما يلي المشهدَ مشهدٌ آخر لمجموعة من المقاومين. يعلّق غودار بأنّ ما يدور بينهم هو حديث حول النظرية والممارسة، وتقول المُعلّقة إن الأمر ليس كذلك، بل هو ببساطة عن الأرض والحبّ، بلا سفسطة. ثم، في المشهد الذي يليه، نرى امرأة تردّد خطابًا، يبدو أنها ربة منزل، ويبدو أنها سئمت تكرار الكلام. المحصلة التي يشير إليها غودار هنا هي اللاجدوى من التنظير، وأنه لا يعدو أكثر من مجرّد ثرثرة خارجية مرفهة، وهذا ما يفعله كلّ مَن ينظر من الخارج فقط، خارج الإطار. نرى مفارقة أخرى ممتدّة لذلك، حين ظهور قيادي من «فتح» يتحدّث في مخيم البقعة بعمّان. تشير المُعلّقة إلى تناقضه، إذ يُمثّل هذا الرجل الشعب، فيما يتحدّث وهو بعيد عنهم، وتحيل بدورها الأمر إلى المسرح مرة أخرى.

ينتقل غودار إلى بيروت، حيث نرى شابّة حاملًا تتحدّث عن الثورة الشعبية، ويقدّمها المخرج بصوته. تقاطعه المُعلّقة بقولها إن تلك الشابة، للأسف، ليست حاملًا، كما أنها تتلو خطابًا مكتوبًا لها لترديده. في تأكيد ما زال مستمرًا من غودار على خداع الصورة والآلة الإعلامية. في النهاية، يَعرض غودار مجموعة من المَشاهد المتعاقبة للمحرقة، ولمجموعات كبيرة من اليهود التي تطالب بوقف الإرهاب. تلك المجموعة الكبيرة من الصور والمَشاهد المتدفّقة تشير إلى سيولة عصر الإعلام وفقدان البوصلة، في إشارة من جديد إلى فكرة: مَن يتحكم، وماذا يريد أن يعرض؟ يعود غودار لرصد مجموعة من الفدائيين، والذين يشير في تعليق صوتي إلى أنهم ماتوا في حادثة أيلول الأسود. لينتهي الفيلم بخطاب حرّ مباشر، يوجّه المتلقي إلى ضرورة تأمل ما يرى، وتفكيكه، وألّا يصدّق، بل يبحث ويفكر ويستكشف بنفسه، في سؤال أخير يتركه غودار مفتوحًا للمتلقي: ما هي الحقيقة؟
اقرأ أيضا: غودار الذي أحببتُه… وغودار الذي فارقتُه