في عودة جديدة إلى «مهرجان فينيسيا السينمائي»، يقدّم المخرج الألماني فيرنر هرتزوغ فيلمه «Bucking Fastard»، المُشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ83. يمزج العمل بين الخيال والكوميديا والرحلة الروحية، ويضع الشقيقتين كيت وروني مارا أمام تجربة تمثيلية استثنائية، إذ تؤدّيان شخصيتي شقيقتين تتحدّثان في وقت واحد، وتحلمان الأحلام نفسها، وتقعان في حبّ الرجل نفسه.
يتتبع الفيلم «جين» و«جوان هولبروك»، اللتين تنطلقان في رحلة جسدية وروحية بحثًا عن مكان متخيَّل يمكن أن يوجد فيه الحبّ الحقيقي، فيما يؤدّي أورلاندو بلوم ودومنال غليسون أدوارًا إلى جانبهما.
وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في «فينيسيا»، بحضور هرتزوغ والشقيقتين مارا وأورلاندو بلوم، في أول عمل يجمع كيت وروني مارا أمام الكاميرا.
وتحدَّث فريق العمل، بقيادة المخرج، عن كواليس التصوير وفلسفة الفيلم وديفيد لينش.

فكرة عمرها 45 عامًا
وراء فكرة الفيلم غير المألوفة ذكرى تعود إلى نحو 45 عامًا، عندما التقى هرتزوغ بشقيقتين توأم تتحدّثان في الوقت نفسه وبصوت واحد، وفق ما صرَّح خلال المؤتمر.
كانت التوأم غريتا وفريدا تشابلين ترتديان الملابس نفسها، وتحوّلتا خلال ثمانينات القرن الماضي إلى مادة لافتة للصحافة الشعبية البريطانية بسبب قضية مطاردة. لكن تلك المصادفة بقيت فكرة عالقة في ذهن المخرج عقودًا، بعدما اصطدمت بحدود الواقع.
لاحقًا، خطرت له فكرة أنّ الشقيقتين لا تحتاجان بالضرورة إلى أن تكونا توأمًا: ماذا لو أدّت الشقيقتان كيت وروني مارا الشخصيتين؟
عندها، وفق هرتزوغ، عادت الفكرة إلى الحياة. وكتب السيناريو في خمسة أيام فقط، مؤكدًا أنّ الفيلم، رغم انطلاقه من واقعة حقيقية، متخيَّل بالكامل، وأن «جين» و«جوان هولبروك» شخصيتان من نسج الخيال.

شقيقتان بكيان واحد
كان التحدّي الأكبر في الفيلم أن تبدو الشقيقتان كأنهما كيان واحد، تتحدّثان في التوقيت نفسه وتتحرّكان بإيقاع مشترك.
وتحدَّثت روني مارا عن رهبة التجربة في بدايتها، قائلةً إنّ فكرة أن تؤدّيا «الشخص نفسه» كانت مخيفة، لكن سنوات حياتهما المشتركة وطفولتهما وتاريخهما الطويل معًا خلقت بينهما مساحة غير منطوقة، ساعدتهما على بلوغ التناغم المطلوب.
وأضافت أنّ التجربة كانت ممتعة جدًا، مؤكدة أنها لم تضحك في حياتها بقدر ما ضحكت خلال العمل مع شقيقتها.

أما كيت مارا، فشبَّهت حديثهما في الوقت نفسه بالغناء، موضحةً أنّ الأداء حمل طابعًا موسيقيًا، وأنّ التناغم بينهما جاء بصورة طبيعية.
ولم يحتج هرتزوغ إلى وقت طويل للوصول إلى النتيجة التي أرادها. فبعدما خصَّص أسبوعين للتدريبات، أنهى البروفات بعد خمسة أيام فقط، إذ وجد أن الشقيقتين التقطتا الإيقاع المطلوب بسرعة.
وقال لهما: «سنتوقّف هنا، وسألتقي بكما في آيرلندا أمام كاميرتي»، مؤكدًا أنه كان يثق بهما ثقة كاملة، وكان عليه أن يُظهر لهما هذه الثقة.
ووفق هرتزوغ، لم يكن التزامن وحده ما يبحث عنه، وإنما اللحظة التي تدخل فيها الشقيقتان فعلًا في حالة من الانسجام الداخلي. وقال إنه كان يراقبهما، وعندما شَعَرَ بأنهما أصبحتا مستعدتين، تبادل معهما نظرة سريعة وبدأ التصوير.
وأضاف أن على المخرج أن يعرف اللحظة المناسبة: متى يدخل الممثلون في الحالة؟ ومتى يعثرون على الإيقاع؟ ومتى يتحقّق التناغم الكامل؟ أما التزامن في الأداء، فيأتي بعد ذلك نتيجة طبيعية.
أورلاندو بلوم: العمل مع هرتزوغ قمّة مسيرة ممثّل
حضر أورلاندو بلوم المؤتمر الصحافي إلى جانب هرتزوغ والشقيقتين مارا، ويؤدّي في الفيلم دور الرجل الذي تقع الشقيقتان في حبّه.

وأعرب هرتزوغ عن حماسته للعمل مع بلوم، خصوصًا لرغبته في رؤيته بعيدًا عن الصورة التي ارتبط بها طوال مسيرته، مازحًا بوصفه «فتى أحلام المراهقات»، قبل أن يقول له: «والآن أنت الـBucking Fastard».
أما بلوم، فوصف تجربة العمل مع هرتزوغ بالاستثنائية، قائلًا إن المخرج «يصنع مساحة مقدّسة لحدوث السِّحر».
وأضاف أنّ الوصول إلى «مهرجان فينيسيا» والحديث عن فيلم مع فيرنر هرتزوغ يمثل «قمّة مسيرة أي ممثّل».
الكهف يشارك في الكتابة
لم يكن المكان في «Bucking Fastard» خلفية بصرية للأحداث فحسب، إذ كان عنصرًا شارك في تشكيل الفيلم. وتوقف المؤتمر الصحافي عند المشهد الأخير، الذي صُوّر داخل كهوف بوستوينا في
سلوفينيا، وهي شبكة ضخمة من الكهوف تمتدّ لأكثر من 20 كيلومترًا، وتضم قطارًا ومكتب بريد.
وقال هرتزوغ إنّ الكهف كان أشبه بشريك في كتابة السيناريو، موضحًا: «يمكن القول إن الكهف شاركني كتابة السيناريو».
ووصف المشهد بأنه رحلة للروح والخيال، لا علاقة لها بالواقع المباشر، مضيفًا: «إنه شِعر».
وبسبب الإقبال السياحي الكبير على الكهوف نهارًا، كان التصوير يجري ليلًا، وجاء المشهد خلال اليومين الأخيرين من الإنتاج. ووصفت الشقيقتان التجربة بأنها حلميّة وسريالية، خصوصًا أنهما كانتا ترتديان فستانَي زفاف وتقودان القطار طوال الليل.
حيوانات هرتزوغ
تحتلّ المصادفة موقعًا مهمًا في عالم هرتزوغ، وهو ما ظهر أيضًا في تعامله مع الحيوانات خلال الفيلم. فقد كشف المخرج عن أنه أراد في البداية استخدام ثعلب صغير ترتبط به الشقيقتان عاطفيًا، لكنه رفض الحصول عليه إذا كان ذلك يعني انتزاعه من جحره.
وقال إنّ أحد مورّدي الحيوانات عرض عليه توفير الثعلب، مشترطًا ألّا يسأل عن مصدره. فردّ هرتزوغ: «لا، لن أشارك في هذا»، بعدما أدرك أن الأمر قد يعني نبش جحر ثعالب وانتزاع أحد صغارها.
في المقابل، أصبح الثعلب البالغ جزءًا من «بناء الفيلم»، وفق تعبيره، وأسهم وجوده في تشكيل حركة الشخصيات ومسار رحلتها.
أما الغزال، فدخل الفيلم بطريقة مختلفة تمامًا؛ إذ ظهر مصادفة، من دون أن يكون موجودًا في السيناريو.
ووصف هرتزوغ ظهوره بأنه «شبه إعجازي»، معتبرًا أنّ وجوده صنع لحظة عميقة وغامضة، أصبحت مهمّة للشخصيتين وللمشاهدين.
وحين سُئل عن كثرة الحيوانات في أفلامه، استعاد المخرج الدجاجة الراقصة في «Stroszek» والقردة في «Aguirre, the Wrath of God»، مشيرًا إلى أنه بدأ أخيرًا ينظر إلى الحيوانات التي ظهرت في أفلامه، ويكتشف مدى تكرار حضورها في عوالمه.
لينش… ليته هنا
يحمل «Bucking Fastard» إهداءً خاصًا إلى المخرج الأميركي الراحل ديفيد لينش، الذي جمعته بهرتزوغ علاقة قائمة على التقدير المتبادل لأعمال كلّ منهما. وأوضح هرتزوغ أنه، خلال مونتاج الفيلم، كان يتمنّى أن يكون لينش أول مَن يشاهد العمل.
وقال: «كان بيننا فهم عميق، عميق جدًا لأعمال بعضنا بعضًا، رغم اختلافنا الكبير». وأضاف: «أتمنّى لو استطعنا إعادة عجلة الزمن إلى الوراء ودعوته إلى عرض الليلة، لكنّ الأمور لا تسير بهذه الطريقة».
لا عزلة في السينما
وخلال المؤتمر، رفض هرتزوغ قراءة الفيلم من منظور «عزلة الفنان»، مؤكدًا أنّ السينما بالنسبة إليه فعل جماعي لا يقوم على الانفراد.
وقال: «لا تكون وحيدًا أبدًا في موقع التصوير. المتعة هي أن تصنع شيئًا بالتعاون مع الآخرين، وترى كل يوم أن ما تصنعه سيتحوّل إلى عمل كبير».
وأضاف: «لا أرى أنّ الفيلم يتناول عزلة الفنان؛ فأنا لستُ من أولئك الفنانين المنعزلين».
وتنعكس هذه الرؤية على طريقة عمله؛ إذ وصف تصوير «Bucking Fastard» بأنه من أكثر تجاربه سلاسة، مشيرًا إلى أنّ أيام التصوير كانت تنتهي عادة عند الثالثة أو الثالثة والنصف بعد الظهر، بفضل التركيز وسهولة التعاون بين أفراد الفريق.
التصوير مثل جراحة القلب المفتوح
وتبدو سرعة هرتزوغ في التصوير امتدادًا لفلسفته في صناعة الفيلم؛ فهو لا يؤمن بالإفراط في إعادة اللقطات، وإنما ينتظر اللحظة التي يصبح فيها الممثل والمشهد جاهزَيْن.
وظهر ذلك بوضوح في حديث أورلاندو بلوم عن أحد مشاهده، عندما اكتفى هرتزوغ في البداية بلقطة واحدة، قبل أن يستجيب لرغبة الممثل ويمنحه ثلاث لقطات إضافية.
وعلَّق هرتزوغ على طريقته قائلًا: «هذه هي روح الفيلم؛ إنها أشبه بجراحة القلب المفتوح، نتجه فورًا إلى الجوهر. كاميرا واحدة ولقطة واحدة، وينتهي الأمر، وربما نحتاج إلى لقطتين أو ثلاث».
وبالنسبة إليه، لا تقوم صناعة الفيلم على كثرة المحاولات، وإنما على معرفة اللحظة التي يصبح فيها كلّ شيء مستعدًا للحدوث أمام الكاميرا.
الروائي والوثائقي… لا فرق
ولا يرى هرتزوغ حدودًا حادة بين الفيلم الروائي والوثائقي؛ إذ تتقارب طريقته في التعامل مع الصورة والواقع والخيال في النوعين.
وقال: «حتى في أفلامي الوثائقية أبتكر وأصنع المَشاهد وأختار الشخصيات وأضع الموسيقى. بالنسبة إليّ، ليست المسافة بين الفيلم الوثائقي والروائي كبيرة إلى هذا الحد».