ينطلق فيلم «Spider-Man: Brand New Day» (سبايدر مان: بداية جديدة) من حيث انتهى الجزء السابق «سبايدر مان: لا طريق إلى المنزل»، وذلك عندما أصبح عليه أن يعيش من دون أن يعرفه المقرّبون منه بهويته السابقة، وأن يوجد فقط بشخصية «سبايدر مان»، بالظهور أمام الناس على أنه المنقذ المعروف، بينما تختفي في المقابل الشخصية المختبئة خلف القناع، شخصية «بيتر باركر»، من الوجود، ولا يستطيع أحد التعرّف إليها.
هنا، عليه التعايش مع الوحدة والابتعاد عمّن يُحبّهم لحمايتهم من الأخطار المحيطة بهم. وفي خضمّ هذه الظروف، ينغمس تمامًا في شخصيته المعلنة أمام العالم، شخصية «سبايدر مان»، وينخرط في جميع الشؤون التي تدفعه إلى حماية المجتمع النيويوركي.

لكن كل هذا يأتي بثمن، وأحد أثمانه التعايش المستغرق في الذات، والمرور بالتحوّلات الجديدة التي تضعه على المحك أمام ما يحدث من حوله. ويتصادم كلّ ذلك مع بروز شرير جديد ومختلف يصعب اصطياده، يستطيع الدخول إلى مغاور العقل والسيطرة عليه بصورة تامة، باستثناء «سبايدر مان»، الذي يجد عقله حصنًا منيعًا أمام السيطرة.
لكن كلّ شيء يتغيّر أمامه أيضًا عندما يجد مَن يحبهم، وتحديدًا حبّ حياته «إم جي»، في مواجهة الخطر، فيصبح عليه حمايتها من براثن الشرّ. ويتعاضد معه في هذه الرحلة صاحب شخصية جديدة يقف إلى جانبه، هو «المعاقب، فرانك كاسل»، بطبيعته الغاضبة والمتهوّرة.
فيلم «سبايدر مان»، مثل حال أفلام «مارفل» الأخيرة، يقدّم مظهرًا لقصة عميقة حول الذات، ومعنى أن تكون أنت في مقابل بروز الآخر، والقناع، والشخصية المُعلَنة، والصراع الحاصل بين شخصيتين تتحكّمان بخياراتك، لا سيما في ظلّ ظروف إخفاء وتغييب شخصية «بيتر» المرِحة والطبيعية، التي تظهر عادةً مع أصدقاء معيّنين وأحبّة.

إنه صراع هوية بين «بيتر باركر» و«سبايدر مان»، بكلّ ما يفرضه عليه من تحوّل وتغيّر. تنمو القصة بصورة جيدة في البداية، إلى أن يأتي الشرير بقوته وجبروته وسيطرته، واضعًا إياه أمام المحكّ والخيارات الصعبة. وعندها، تتبدَّل البوصلة من «أنا سبايدر مان» إلى «أنا» في محاولة لخلق علاقة مع مَن يُفترض أنه الشرير.
ومنذ اللحظة الأولى التي نتعرَّف فيها إلى الخصم، ندرك تمامًا النهاية المُحتَملة للفيلم، نظرًا إلى طبيعة القصص التي يُعاد تكرارها بين حين وآخر، إلى درجة التشابه في ما بينها على هيئة نسخ كربونية مملّة ومستهلكة.
حتى الاقتراب من الحلّ، وفي محاولة مني لعدم حرق الفيلم وأحداثه هنا، أقول إنّ هذا الاقتراب نفسه سهل وساذج ومستنسخ، ويهمل كلّ التصعيد الذي بُني في الفيلم، من أجل لحظة أو دقائق بسيطة تحوّل القدر إلى شيء لا يمكن تصديقه.

ولعلّ هذا الحلّ هو الطريق المكتوب والمتَّفق عليه لمعظم أفلام «مارفل»، في محاولة لتفادي خَلْق قصة أكثر جرأة في التعامل مع الشر. وهي خلطة شاهدناها كثيرًا في مثل هذه النوعية من الأفلام، ولعل آخرها فيلم «Thunderbolts»، الذي وجدته جيدًا إلى حد ما، لولا أنه وقع أيضًا في طريقة معالجة ساذجة، كما في فيلمنا هذا، من ناحية الحلّ. إلا أنه، من ناحية أخرى، يتفوّق عليه في أن الحل نفسه استغرق وقتًا أطول، وجاءت معالجته شبه مقنعة نوعًا ما، على عكس ما حدث في فيلم «سبايدر مان».
الفيلم بطبيعة الحال ممتع، وهناك اشتغال بصري مذهل ومعارك ملفتة. وهناك بناء محكم لمواءمة هذه المعارك وحضورها أمام الشخصية. وإلى جانب ذلك، هناك اشتغال جيد على طبيعة التحوّل الذي تمرُّ به شخصية «بيتر باركر» والظروف المحيطة بها. إلا أنها تضعف كلما تقدّمنا في الفيلم، ويظهر بالتالي الضعف الأكبر في الشخصية التي كان من المفترض أن تظهر بقوة، وهي شخصية «سبايدر مان». فالتحوّلات لا تنشأ إلا ببناء يساعد كلّ تحوّل على الظهور والبروز بصورة أكثر اتساقًا ونماءً؛ تحوّل يدفع الآخر حتى تكتمل صورة التحوّل.

نعم، كلّ هذا يضيع أمام القفزات السريعة، والحركات المبهرة، والصورة المتفجّرة. تضيع الخطوط وتُنسى، لأنّ إدراك الفرد لما يمكن أن يتابعه أمام هذه البهرجة يصبح قليلًا، وعندها تصبح عدم أهمية ما يحدث أمامنا، ما دامت حواسنا قد تخدَّرت، وأصبحنا رهينة ما نشاهده. وإلا، فما معنى أن يكون الهدف من فهم «بيتر باركر» لنفسه ومحيطه، ولما يعنيه أن يكون «سبايدر مان»، ومحاولة معالجة هذا الوضع، أمام سيطرة الشرير وملاحقته، وتسيّد كل هذا على الشاشة؟
أكرّر أن فيلم «سبايدر مان» ليس سيئًا، بل ممتع ومثير في كثير من جوانبه، ولكنه كذلك فيلم مكرّر ومستنسخ، يعيد تقديم الصيغة والثيمة نفسيهما، من دون ابتكار أو تجديد. ولعل ما سيأتي لاحقًا، ولا سيما مع اقتراب عرض فيلم «Avengers: Doomsday» (المنتقمون: يوم القيامة) في شهر ديسمبر، سيقدّم الصيغة الجاهزة والمُعلَّبة نفسها. صيغة تضعك أمام كون في خطر، وبأنّ الحياة لا تُطاق فيه. فالخطر مطلق، والشرّ يحطم الجميع، ويُخضعهم أمام جبروته وقوته. لكنّ الحل، بالتأكيد، سيأتي بسهولة تامة بعد كل هذا القتل والدمار، وذلك بأن تُعقَد المصالحة التامّة مع الشر وحمايته كذلك. وعندها يصبح كلّ هذا الدمار، وانتظار الانتصار على من فعل ذلك، مجرّد مضيعة للوقت، ولا سيما بعدما عرفنا أننا كنا، منذ البداية، ندرك النهاية الجاهزة والمُعلّبة.