يستفيض المخرج كريستوفر نولان في الحديث حول الحاجة إلى شاشة سينمائية بمواصفات خاصة (آيماكس 70 ملم) لعرض فيلمه «أوبنهايمر»، لتصل رؤية الفيلم كما اشتغل عليها، مشيرًا إلى أنّ مقاس هذه الشاشة جزء من البنية الدرامية للفيلم، ومن دونها سيكون الفيلم غير مُكتمل.
تنظير نولان لعلاقة فيلمه بمقياس الشاشة بدا منفصلًا عن الواقع، إذ سرعان ما وصل الفيلم إلى منصة «نتفليكس»، وشاهده مشتركو المنصة عبر مقاسات مختلفة من الشاشات، ومنهم بلا شك مَن شاهده على شاشة هاتف محمول بدقة أقل من دقة شاشة السينما بستة أضعاف على الأقل، وبمساحة أصغر بآلاف المرات من شاشة السينما… وهو فارق كافٍ لتغيير الإدراك والإيقاع، والإطاحة بأي تجربة أراد نولان أن يعيشها مُشاهد فيلمه «أوبنهايمر».

المصير عينه هو ما ينذر بمستقبل فيلم نولان الجديد «الأوديسة»؛ وقد عاد الرجل اليوم للحديث عن الحاجة إلى شاشة سينمائية بمواصفات خاصة «آيماكس 70 ملم» ليقدّم لجمهور الفيلم «النكهة الأكثر اكتمالًا»، وفق تعبيره في حواره المصوَّر مع برنامج 60« دقيقة» عن الفيلم، لذلك أراد تصويره كاملًا، بنسبة مائة في المائة، على شريط «آيماكس»، لأنّ «إطار (آيماكس بقياس 70 ملم) يوفّر دقة، أو جودة صورة، قد تصل إلى ثلاثة أضعاف ما توفّره الصيغ الرقمية»، يقول نولان.
كريستوفر نولان مخرج طَموح، وإن كنا في هذه المقالة لسنا في معرض قراءة نقدية لفيلمه «الأوديسة»، إلا أننا نثق بأن الرجل يبحث عن أفضل ما لديه ليضعه في فيلمه، ولا سيما أنه «يتعامل مع كلّ فيلم كما لو أنه آخر فيلم سيصنعه في حياته»، كما سبق وعبَّر عن المعنى ذاته في أكثر من تصريح. وهذا ما يجعله يقول لبرنامج «60 دقيقة»: «أشعر بمسؤولية حقيقية تدفعني إلى محاولة وضع أكبر قدر ممكن على الشاشة من أجل الجمهور (…)، وأريد أن يشعر بأنه تواصل مع شخصيات الفيلم، وعاش معها داخل عالمها».

ولتحقيق ذلك، سيبحث نولان عن «جودة صورة لا يمكنك الحصول عليها في أي مكان آخر»، وفق تعبيره، وهذا ما استلزم منه عملية تصوير معقّدة انتهت في مختبر «فوتوكيم»، وهو آخر مختبر سينمائي في العالم ما يزال ينتج نسخ عرض بقياس 70 ملم؛ الصيغة المستخدمة في عروض أفلام «آيماكس».
يصف نولان خياراته السابقة بأنها «صناعة الفنّ بالطريقة الأصعب»، وهو يصنعها «من أجل الجمهور». شخصيًا لا أميل إلى التشكيك في النوايا المخبّأة في الكلمات، ولكن يحق لي التساؤل، مقارنةً بما آل إليه فيلمه «أوبنهايمر»: لمَن يُخلص نولان أكثر: إلى الفيلم أم إلى صالة عرضه أم إلى طموحه الشخصي؟
وهل يصنع الرجل أفلامًا ولسان حاله يقول: لسنا مسؤولين عن التجربة البصرية التي صُمِّم الفيلم من أجلها، والتي استفضنا في الحديث عنها، إذا عُرض الفيلم في صالة غير مجهَّزة للعرض بصيغة «آيماكس 70 ملم»؟

ما ندركه أنّ كريستوفر نولان قد ينال جوائز عدّة عن فيلمه «الأوديسة» (وهذا احتمال لا يستند إلى رأي نقدي في الفيلم)، وقد سبق أن نال فيلمه «أوبنهايمر» سبع جوائز، من بينها «أوسكار» أفضل إخراج وأفضل فيلم… لكن ذلك لا يلغي قناعتنا بأنّ نولان يُنظّر للفيلم من بوابة الرجل الطموح الباحث عن الاختلاف، لا المخلص للسينما وللفيلم ولجمهوره. فهو يبحث عن الاختلاف حين يُصوِّر فيلمه الجديد بالكامل على شريط «آيماكس» السينمائي بقياس 70 ملم، وهي الصيغة التي وصفها الصحافي سكوت بيلي في برنامج «60 دقيقة» بأنها «تحظى بالتقدير لما تتمتّع به من دقة عالية، أو جودة صورة، تصل إلى ثلاثة أضعاف ما توفّره الكاميرات الرقمية».
بطبيعة الحال، يعرف نولان جودة شريط «آيماكس» السينمائي بقياس 70 ملم، ويعرف أكثر نسب الصالات في العالم التي لا تزال تعرض أفلام 70 ملم، ويعرف أنّ شاشات الصالات الأخرى، التي تجسّد الغالبية العظمى من الصالات التي من المُحتمل أن يُعرض فيها فيلمه، لا تستطيع أن تنقل جميع التفاصيل والجودة التي التقطتها كاميراته الأصلية. وما سيصل إلى المُشاهد، الذي يستفيض بالتغنّي بالمسؤولية عنه، مرتبط حقيقةً بصيغة النسخة المعروضة، وظروف الصالة السينمائية، ودقة جهاز العرض فيها. فكيف يرضى مُخلِص للسينما وللفيلم وللجمهور أن تقلّ جودة فيلمه ويفقد أفضل ما يميزه، «النكهة الأكثر اكتمالًا»، لمجرّد عرضه خارج صالات مجهّزة للعرض بصيغة «آيماكس 70 ملم»… فما بالنا ونحن ندرك أنّ مصير الفيلم سيؤول يومًا إلى منصة تعرضه على شاشة هاتف محمول؟!

وأين تصبح معادلة نولان، «أنه يصنع الفيلم من أجل الجمهور»؟! مع حقيقة واضحة لا يختلف عليها اثنان، ويعرفها نولان نفسه جيدًا، تتعلّق بالنسبة الضئيلة جدًا من دُور العرض في الولايات المتحدة والعالم التي لا تزال تعرض أفلام 70 ملم، نسبةً إلى العدد الكلّي للشاشات. وهي نسبة، في ظلّ غياب إحصاء دقيق -على الأقل لم أحصل عليه- لن تتجاوز بطبيعة الحال نصف بالمائة، أو أكثر أو أقل قليلًا، من عدد الشاشات في بلدان العالم.
كريستوفر نولان مخرج طَموح، وربما يراه كثيرون صانع أفلام مميزًا، وأنا واحد منهم، لكنه بالنتيجة يُفكر في اختلاف فيلمه عن السائد أكثر مما يفكر بجمهوره، ومصير الفيلم، ومستقبل عرضه… وهو ليس الوحيد فيما هو عليه الآن، فعلى طريقة نولان يتحدّث صنّاع الأفلام بشغف عن سينمائية أفلامهم وعشقهم للسينما، وما زالوا يؤمنون بسحر الصالة المُظلمة والإمكانات التي تمنحها الشاشة للفيلم لخلق صور ذات امتداد إدراكي واسع، في وقت يتفاوضون فيه مع منصات البثّ التدفقي (OTT) على عقود بيع حقوق عرضها، وهي ما تزال تُعرَض في صالات السينما، وربما قبل عرضها. لا يكذب صنّاع السينما في عشقهم للسينما، لكنهم يتجمَّلون.
خلال قرن فائت، شهدت السينما تحوّلات في علاقتها مع وسيط العرض، حافظت خلالها على مركزيتها باعتبارها فنّ الشاشة الكبيرة. ورغم أنها دخلت البيوت من خلال التلفزيون المنزلي وأجهزة الفيديو والأقراص المدمجة، إلا أنّ الوسيط الجديد لم ينجح في فرض طبيعته على شكل الفيلم، رغم أنه وفَّر تجربة مشاهدة مختلفة تمامًا، ربما لأنّ قرار الصناعة ومركزيتها ظلّا في متناول صناع السينما… إلى أن جاءت منصات البثّ عند الطلب، وانتقلت من مساحة عرض رديفة لصالات السينما إلى مُنافسة لها. ومع تمدُّد المنصات في مفاصل الصناعة نفسها وامتلاكها دفة الإنتاج، باتت تتحكم أكثر باللعبة خدمةً لمشتركيها، على نحوٍ تساوت فيه شاشة الهاتف المحمول، التي لا تتجاوز أبعادها اليوم 0.07 × 0.15 م، مع شاشات السينما الضخمة في عرض الفيلم… ويومًا بعد يوم بدأت تميل الكفة لأحجام الشاشات التي تخدمها المنصات، مع انكفاء كثيرين عن زيارة صالات السينما، مقارنةً بأولئك الذين هجروا صالات السينما وفضّلوا المشاهدة في المكان والزمان اللذين يختارونهما، بعيدًا عن السينما وتقاليد مشاهدتها.

لم يكن ذلك مجرّد محنة تكنولوجية تعبُر بها السينما… الواهمون فقط مَن يعتقدون ذلك، فنحن أمام تحوّل جذري لا تتغيَّر فيه بيئة المشاهدة، وبالتالي شكل التلقّي فقط، وإنما مرحلة يتحكّم فيها وسيط العرض بشكل الفيلم، ويُغيّر في بنائه السردي التقليدي، ومعاييره الجمالية والفكرية، واقتصاديات الفيلم، بل وجوهر التجربة السينمائية برمتها. ولندع جانبًا ما يقال عن عودة الجمهور إلى صالات السينما، فمن عاد لم يُنقص أعداد مشتركي المنصات، فهؤلاء بازدياد أيضًا… وإن كنا نؤمن أنّ صالات العرض وشاشاتها ستظلّ تسطع بأضواء السينما ولن تنطفئ، فنحن نؤمن أيضًا أنّ صالات العرض السينمائية المظلمة لم تعد جنة الفيلم الوحيدة… لذلك علينا أن نمنحه، بما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، تميّزه الذي يجعله صالحًا للعرض في صالات السينما، وعلى الشاشات المتعدّدة للمنصات الرقمية، بذات الكفاءة السردية والجمالية. فكما لا نريد أن تنطفئ شاشات العرض السينمائية، لا نريد للفيلم أن ينطفئ خارجها.
نقول ذلك ونحن على ثقة أن تناسل شاشات العرض لن يزيح صالات العرض السينمائية، إذ ستظلّ تحمل إغراءاتها لعرض الفيلم، لما تمتلكه من عظمة تأثير إدراكي وجمالي لن تحقّقه الشاشات الأخرى. ولكننا، بالمقابل، يجب ألا نغضَّ النظر عمّا يحدث حولنا… وهنا يبرز دَور صنّاع السينما من عشّاقها الحقيقيين في البحث عن حلول إبداعية يحافظ فيها الفيلم، ما أمكن، على كفاءته السردية والجمالية، مهما تعدّدت شاشات العرض. وأثق أنّ صنّاع السينما المبدعين قادرون على ذلك، شريطة ألا يفعلوها على طريقة كريستوفر نولان، بصناعة فيلم (عظيم) لا تمتلك معظم شاشات العالم القدرة على عرضه بطاقة تفاصيله الكاملة، وإنما عليهم أن يفعلوها على طريقة نولان نفسه حين تحدَّث لصحيفة «التلغراف» البريطانية عام 2014 عن أنّ القيمة الإبداعية لا تكمن في كسر القواعد لمجرّد مخالفتها، وإنما في ابتكار قواعد جديدة تنبع مما يحتاج إليه العمل نفسه.