بممثلين غير محترفين، غالبيتهم أطفال من ملجأ للأيتام، يُقدّم المخرج العراقي محمد الدراجي، في فيلمه الثالث «أركالا، حلم جلجامش»، عالم أطفال الشوارع في العراق، المُستنزَف في مستنقع الفساد والحروب الداخلية.
وسط واقع تسوده الاحتجاجات والفوضى، يغوص الفيلم في عالم الأطفال المشرّدين، وأحلامهم الصغيرة، ويومياتهم، من خلال الطفل «تشم تشم» (يوسف هشام الذهبي)، ذي التسع سنوات، المريض بالسكري، الذي يتمنّى لقاء والديه المتوفيين، لكن عبر حلم يستحوذ عليه بالنزول إلى العالم السفلي، مقتفيًا رحلة جلجامش الأسطورية. أما صديقه «مودي» (حسين رعد زويعر)؛ الفتى قويّ الشخصية، البالغ 13 عامًا، فيسكنه هوس الهروب إلى هولندا برفقة «تشم تشم» وشقيقته «سارة» (لجين عبد الستار).
يلتقي الطفلان بالأرملة «مريم» (سمر كاظم جواد)، التي حوّلت حافلة قديمة ذات طابقين إلى مدرسة متنقّلة لأطفال الشارع. ويتمسّك «تشم تشم» بحلمه أكثر عندما يشاهد فيلمًا كرتونيًا عن رحلة جلجامش في حافلة مريم، التي تحاول تجنُّب التورّط عاطفيًا في مشكلات أطفال الشارع الذين تدرّسهم.

وفيما يتعرَّض «تشم تشم» لسخرية مودي والصغار الآخرين بسبب تمسّكه بحلمه، يغرق «مودي» أكثر في رزايا الشارع التي تقوده إلى التورّط مع زعيم ميليشيا يستغلّه في مساعيه لقتل المحتجّين في الشارع. وتتسارع أحداث الفيلم بعدما يحصل «مودي»، من مزورين دفع لهم أموالًا طائلة، على ثلاثة جوازات سفر له ولـ«تشم تشم» وشقيقته «سارة»، فيما تتزايد ضغوط زعيم الميليشيا عليه، ويُجبره تحت التهديد على وضع حقيبة سلاح في حافلة «مريم» لتوريطها. ويبلغ تورط «مودي» ذروته عندما يقتل قناص من أتباع زعيم الميليشيا الطفل «علي»، رفيق «مودي» و«تشم تشم» في مجموعة الصغار المشرّدين، وهو الحادث الذي تجد فيه الأرملة «مريم» نفسها وسط مجموعة الأطفال، وهي تحاول إنقاذ «علي»، المحاط ببقية الصغار.

يمثل مقتل الصغير «علي» وسط رفاقه، الذروة الدرامية للفيلم، إذ يتسارع بعدها إيقاع الأحداث. يطرد زعيم الميليشيا «مودي» ويهدّده، بعدما جاءه غاضبًا ومحتجًا على استهداف قناصيه لرفيقه «علي». ويتزايد إصرار «مودي» على مغادرة العراق، فيحاول إقناع «تشم تشم»، لكن الأخير يرفض السفر تمسّكًا بحلمه في لقاء والديه. وكذلك الحال مع «سارة»، التي فقدت عذريتها في صفقة رتبتها صاحبة الملهى الليلي الذي تعمل فيه، فترفض الانضمام إليه في خططه بدافع اليأس. ووسط مشاهد الفوضى والاحتجاجات والقمع والموت، يختتم الفيلم أحداثه بمشاهد تعلي من شأن الأمل، حين يحلّق «تشم تشم» على ظهر الثور المجنَّح، مثل البطل الأسطوري جلجامش، ليحقق حلمه في الوصول إلى إركالا.
أقلّ ما يمكن أن يوصف به هذا الفيلم أنه حكاية مليئة بالألم، حيث يسير العالم الصغير لأطفال الشوارع المشرّدين في خط درامي داخل محيط عام قاسٍ، يتسبَّب بالمعاناة والألم للجميع. أمسك الدراجي بإيقاع فيلمه بتميُّز، وجعل المشاهد ينتقل بسلاسة من هدوء المشاهد التي تصوُّر يوميات الأطفال في حافلة الأرملة «مريم»، أو في مكان عيشهم على عبّارة وسط النهر، إلى جرعات من التوتّر مع مَشاهد الاحتجاجات في الشارع، خصوصًا في مشهد مقتل الطفل «علي»، وتجمع الأطفال والأرملة حوله في محاولة لإسعافه.

وبقدر ما بدت مشاهد الاحتجاجات أقرب إلى التوثيق، فإنها قدَّمت سياقًا عامًا لدراما الفيلم، حيث التقت في النهاية جميع قصص أبطاله وخيباتهم وخساراتهم في الشارع الذي يمور بالاحتجاجات. فالمَشاهد الأخيرة تتوج دراما عوالم الأطفال المشردين في فضاء لا يضم سوى الموت وكل أشكال العطب، إذ يقدم مقتل «علي»، وفقدان «سارة» عذريتها، شهادة صادمة على اغتيال البراءة في هذا الفضاء.
يبرهن استخدام أطفال غير محترفين، من جديد، على صوابية هذا الاختيار، خصوصًا عندما يكونون من البيئة نفسها التي ينتمي إليها أبطال الحكاية، أي أطفال الشوارع المشرّدون. وإذا كان الأداء بشكل عام إحدى نقاط قوة الفيلم، فإنّ الأطفال كانوا علامته الأبرز، إذ اتّسم أداؤهم بتلقائية وعفوية لافتتين. ففي كثير من اللحظات، نستحضر فورًا صورًا لعناد الأطفال، غير المبرَّر أحيانًا، خصوصًا مع عناد «تشم تشم» البريء في تمسّكه بحلمه، وفجاجة عبارات «مودي» ولغة جسده، المستمدَّتين من قسوة ما يعانيه.

يختتم الدراجي حكاية الآلام هذه متمسّكًا بأمل يستمد جرعته الشاعرية من الأساطير القديمة، حين يحلّق الطفل «تشم تشم» على ظهر الثور المجنَّح، مُحقّقًا أمنيته في اقتفاء رحلة جلجامش إلى العالم السفلي. ويحمل هذا المشهد الرمزي دلالة قد لا تبدو خيالية صرفًا، وهي الأمل في الجيل الجديد. أما الأسطورة هنا، فهي أداة جبارة لصياغة هوية جامعة في مواجهة هوية متشظّية بكل عوامل الانقسام والتنازع. لم أشاهد منذ زمن فيلمًا يفيض بالألم والدراما الإنسانية مثل هذا الفيلم، لكنه لا يمنحنا في نهايته بصيص أمل فحسب، بل يقدم أيضًا جوابًا شاعريًا لبلدٍ وأمةٍ بأسرها.
فيلم جميل، ومعالجة ذكية لحاصد الجوائز محمد الدراجي، استحق معها «جائزة النخلة الذهبية» للأفلام الخليجية في «مهرجان أفلام السعودية» الثاني عشر 2026.
اقرأ أيضا: «مسألة حياة أو موت»… الانتصار على الموت