يرتبط الموت مباشرةً بمفهوم الخاتمة، فهي نهاية حياة فرد ما. وعلى صعيد آخر، يرتبط أيضًا بالخاتمة بمعنى التصالح مع واقع مفروض على ذوي المتوفّى (Closure)، أي تقبُّل أهل الميت حقيقة رحيله بشكل نهائي وأبدي. وهذا ما يرتبط بطقس العزاء في مختلف الثقافات؛ فبعد دفن الميت، وتعزية أهله، وانتهاء أيام العزاء، تأتي الخاتمة تلقائيًا، ويُفترض بالجميع أن يعودوا إلى حياتهم ويتصالحوا مع ما حدث، بما ينسجم مع فكرة الرضا بالقضاء والقدر، واحتساب الأجر، والدعاء للميت بما ينفعه في رحلته الأخرى.
في الفيلم القصير «يوم العزاء الأول»، من كتابة نواف الحوشان وإخراجه، يقتحم مسارٌ ثالث للخاتمة هذا الحدث لدى الأسرة التي فقدت ابنها للتو. يعود الأب الغائب عن أسرته (أسامة القس) في أول أيام العزاء برحيل ابنه، ويبدأ بسؤال طليقته وأبنائه عن سبب الوفاة. وهو سؤال طبيعي في سياقه، وحقّ للأب لا يخطر ببال أحد مساءلته، لكنه يكتشف أن الجميع يخفون عنه أمرًا ما. ويستدل على ذلك من خلال تضارب روايات أفراد الأسرة حول وفاة الابن، وعدم تطابق الوقائع التي يذكرونها في سردية متماسكة، فيشعر بأنّ حقًا أصيلًا يُنتزع منه، ويبدأ بمحاولة كشف الحقيقة للحصول على ما يراه حقًا له.

قد يُفهم إخفاء الحقيقة عن الأب من الأبناء والزوجة على أنه سلوك طبيعي تجاه شخص غاب عن الأسرة، لا سيما أنّ المعرفة ليست سلعة مجانية تُمنح للجميع. فهناك أسرار، وما يندرج ضمن الخصوصية الفردية أو الأسرية، ومعلومات لا تُتداول إلا داخل الدوائر الضيّقة والحميمية. وما يرسم حدود هذه الدوائر هو الدور الوظيفي لتلك المعرفة. لذلك، يرى الأبناء أنّ مَن لم يعش داخل هذا الفضاء الأُسري، ومَن اختار الابتعاد عنه، لا يملك حقّ الاطلاع على هذه الحقيقة.
تقرّر الأسرة أن تخبر الأب بقصة زائفة عن سبب وفاة الابن، وهي موته في حادث سير على دراجته النارية. ولأنّ القصة المتواطَأ عليها مفتعلة وغير متقنة، يكتشفها الأب، ويستشعر مباشرةً هذا الإقصاء، وأنّ القصة المختارة له هي قصة للتداول المجتمعي خارج إطار الأسرة الخاص. لذلك، تصبح مهمّة معرفة قصة ابنه ليست حقًا أصيلًا فحسب، وإنما معركة لإعادة رسم حدود الخصوصية، وترسيخ موقعه فردًا منتميًا إلى هذه الأسرة؛ عائلته.

وهذا ما يجعل قصة موت الابن الحقيقية، بالنسبة إلى الأب، مساحة صراع على الانتماء. ويصبح الحقّ في المعرفة سؤالًا لإعادة رسم دوائر الانتماء واستعادة عضوية العائلة التي يرى أنه ينبغي أن يكون في أعلى هرمها، إذ يحقّ له معرفة القصة التي تدور في الفضاء العائلي الخاص، لا الفضاء المجتمعي العام. ولذلك، ما قد يظهر سؤالًا عن أحقية الأب في الوصول إلى خاتمة وتصالح مع موت ابنه، هو في الواقع أيضًا سؤال يتقاذفه فنّ الممكن وصراع سلطوي في مساحة ضيّقة مثل الأسرة. ومن هنا، نرى في الفيلم تكرار هجومه على الأم، ورميها بتهمة إخفاء الحقيقة والتواطؤ مع أبنائه على ذلك.
يصارع الأب لتجديد عضويته وانتمائه داخل الأسرة عبر معرفة القصة الحقيقية، ثم المشاركة في قرار توزيع المعرفة، وألا يبقى القرار بيد الأم وحدها.

هنا، نبدأ باستشعار أنّ سبب موت الابن ليس حكاية أو واقعة، وإنما سردية. وبالتالي، يُعاد تعريف الحقيقة وفق مهمّتها الوظيفية، لا بمدى صدق روايتها للواقع. نكتشف ذلك في مشهد العم (محمد السحيمي)، وهو يخبر الأب بالسبب الحقيقي لوفاة ابنه، ابن أخ الأب، الذي توفي قبل سنوات. فلم تكن وفاته بسكتة قلبية كما أشيع، بل كانت نتيجة جرعة مخدرات زائدة في مكان مشبوه. وفي هذه اللحظة، يكتشف الأب الفرق بين الحقيقة الخبرية التي كان يبحث عنها، والحقيقة الوظيفية المتمثّلة في السردية.
تلتقي قصتا موت الابن وابن عمه في الوصمة التي يحملها سبب وفاة كل منهما؛ فقد مات الأول منتحرًا، فيما توفي الثاني بجرعة زائدة. وتشكل هذه اللحظة نقطة تحوّل بالنسبة إلى الأب، حين يخبره أخوه بأن رواية القصة الحقيقية لا تخدم أي غاية؛ فالابن توفي، ولم يعد يملك له أحد سوى الدعاء وذِكر محاسنه. عندها يُعاد تعريف مفهوم «الحقيقة» لدى الأب. فالحقيقة التي طالما ربطها بتطابق الحكاية مع الواقع، تصبح الآن «حقيقة وظيفية»، أو ربما براغماتية، تُقاس بما تُحقّقه من منفعة للجميع. وهذه الحقيقة الوظيفية هي النقطة التي تلتقي عندها الخواتيم (Closures) بالنسبة إلى الجميع؛ خاتمة تحفظ حُسن الذِكر للميت والدعاء له، وأخرى تصون حق الأسرة في الاحتفاظ بسرّية القصة وحساسيتها، وثالثة تتيح سردية مناسبة للتداول الاجتماعي، بما لا يعكر صفو التماسك الذي تقوم عليه المجتمعات المترابطة.

يصل الفيلم بعد ذلك إلى نهايته المنطقية، متمثّلة في السردية التي اختارها الأب للتداول الاجتماعي، بعدما شَعَر بأنه استعاد حقّه وعرف القصة «الحقيقية»، أو الحقيقة الخبرية، وأبقاها في الحيّز الخاص الذي يرى نفسه جزءًا منه؛ أسرته. فيبتدع السردية ذات الحقيقة الوظيفية التي تجمع الخواتيم الثلاث السابقة، مخبرًا الجميع أن ابنه توفي في حادث سير على دراجته النارية… وهو في طريقه إلى مكة.
وفي نهاية الفيلم، نرى الرحلة الذاتية لشخصية الأب (Arc) وقد اكتملت. فالأب الذي وقف في بداية الفيلم إلى جانب الحقيقة الخبرية، مستندًا إلى حقّه الأبوي، ينتقل فكريًا إلى جانب الأسرة، ويؤمن بالحقيقة الوظيفية، بل يشارك في صياغتها وصقلها، معزّزًا بذلك سلطته في توزيع المعرفة أو حجبها.
وهنا تكمن المفارقة اللافتة؛ فالأب الذي أمضى الفيلم كلّه مطالبًا بالحقيقة الخبرية، ينتهي به المطاف كاتبًا للرواية والسردية الرسمية للتداول، أو ما يمكن تسميته أيضًا بـ«الأسطورة الاجتماعية»، التي تُقاس قيمتها بالدور الذي تؤدّيه داخل الجماعة. وتأتي إضافته لعبارة «وهو رايح لمكة» تأكيدًا على إسهامه في بناء السردية، وفي الوقت نفسه تمنح الموت معنى أبعد، وتعزّز الرواية ذاتها.

يُظهر الفيلم بإتقان أنّ معرفة الحقيقة الخبرية امتياز لا يستحقه الجميع، وأنّ للسردية سلطة اكتسبتها من دورها الوظيفي. وهذه السلطة تتجاوز في أهميتها الحقيقة القائمة على تطابُق القصة مع الواقع. لذلك، تمنح المجتمعات المُترابطة والضيقة الأولوية للحقيقة الوظيفية، وقد تُغلّب سردية التداول المجتمعي على كشف الحقيقة كما حدثت فعلًا.
ويتعاضد دور الحقيقة الوظيفية مع غياب التواصل المباشر والصمت اللذين يميزان الأسر في المجتمعات الصغيرة، حيث لا يُستحسن التواصل الصريح، وتغلب التلميحات والإشارات بكونها وسيلة التواصل المُعتَمدة اجتماعيًا. لكن مع وقوع الفاجعة، لا يعود الصمت خيارًا ممكنًا، وتصبح المواجهة حتمية للوصول إلى سردية مُعتَمدة للتداول.

والصمت الذي نراه داخل أسرة المتوفى هو، وفق تصنيف إدوارد هال، أحد سمات مجتمعات السياق العالي (High Context Society)، وهي المجتمعات التي يسود فيها التواصل غير المنطوق، وتكثر فيها التلميحات على حساب التصريح، كما تعلي من قيمة الترابط على غيرها من القيم. لذلك، جاء اختيار الفاجعة في الفيلم لزعزعة هذه المنظومة خيارًا مثاليًا، وقرارًا فنيًا ذكيًا للتطرّق إلى جميع الثيمات السابقة. كما أنّ المسار الذي اتخذه الكاتب في رسم رحلة الأب، وانتقاله من ضفة إلى أخرى، ومناقشة موضوعات الحقيقة، والسردية، وحقّ المشاركة في المعرفة، جاء متقنًا ولافتًا. فالفاجعة، في مثل هذه المجتمعات، تُفعّل حالة الطوارئ داخل الأسرة، وتجعل التواصل المباشر خيارًا لا مفر منه، فتبلغ لحظة المواجهة ذروة توتّرها الدرامي، وتحمل زخمًا قابلًا للتوظيف الفنّي.
ويستحق الفيلم الإشادة والنقاش، فهو عمل ينمُّ عن قدر عالٍ من النضج على مستوى الكتابة، والأداءات التمثيلية، والإيقاع، وتعدُّد طبقات المعنى، بين حبكة ظاهرة، وموضوعات ثقافية ثقيلة يحملها في عمقه. إنه فيلم يستحق الاحتفاء، وأن ينال نصيبه من النقاش، والنقد، والجوائز في المناسبات والمحافل المقبلة.
اقرأ أيضا: «يوم العزاء الأول»… الموت الذي أعاد الكلام إلى البيت