فاصلة

مراجعات

«مرجوج هزازي»… الوثائقي كما يجب أن يكون

Reading Time: 3 minutes

لماذا نُوثّق؟ نُوثّق لنبثَّ الروح في لحظة أو حدث أو موقف، كي لا يموت ويبقى حيًا وخالدًا في التاريخ.

مع اختراع الكاميرا، تحوَّل التوثيق إلى قيمة لا يمكن تجاوزها، ودليل لفهم المجتمعات ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا، من خلال قراءة مؤشرات ظاهرية نستنطق عبرها الحقائق والوقائع. محلّيًا، سارت عجلة التوثيق ببطء بفعل ظروف المرحلة بكلّ تشكلاتها ومحرجاتها، التي عرقلت هذا الفنّ والفنون والآداب عمومًا. ويضاف إلى ذلك عامل جوهري لا يمكن إغفاله، إذ كان المجتمع السعودي آنذاك على غير وفاق مع الكاميرا، فنظر إليها على أنها آلة محرَّمة أو وسيلة لا يمكن الوثوق بمخرجاتها لتحقيق هدف سامٍ ونبيل.

هذا التأخُّر الذي أصبح من الماضي، أدَّى إلى اندثار كثير من القصص والحكايات المؤثّرة، بفعل مرور الزمن الذي لا ينتظر مَن يوثّقها ويحفظها إرثًا وأمانة للأجيال اللاحقة. فالأيام تمضي بما قُدّر لها، ويبقى الأقدر على اقتناصها مَن تعينه الكاميرا أو الكتابة أو أي وسيلة توثيق معتمدة.

فنيًا، أسهم بروز المهرجانات والفعاليات السينمائية المحلّية، بما تقدّمه من حوافز مادّية ومعنوية، في توجيه الطاقات نحو التوثيق وهو فنّ يمكن التعبير من خلاله عمّا نؤمن به. وكانت النتيجة إنتاج عدد هائل من الأفلام الوثائقية سنويًا.

ورغم ذلك، يكشف رصد الأفلام الوثائقية السعودية عن معضلتين أساسيتين. الأولى، استسهال بعضهم فكرة التوثيق، ممّا أوقع في الخلط بين التقارير التلفزيونية التي تقدّم المادة على أنها معلومة عامة وشاملة، والفيلم الوثائقي الذي يرتكز أساسًا على جهد بحثي واستقصائي عن حكاية ما. أما الثانية، فهي غياب عدد من القصص الناتجة عن مخاض اجتماعي واشتباك معرفي وفكري مع التوثيق، وهو خلل لا يزال الأمل معقودًا على صنَّاع الأفلام لتجاوزه.

فيلم «مرجوج هزازي»، الذي عُرض في أولى أيام النسخة 12 من «مهرجان أفلام السعودية»، خرج عن المألوف، وتمكّن من تجاوز هاتين المعضلتين برشاقة وحرفية، مقدِّماً قصة «هكر» سعودي ذاع صيته متجاوزًا الحدود، حتى أصبح حديث المجالس والصحف والقنوات الفضائية، فضلاً عن حضوره الواسع على شبكات التواصل الاجتماعي.

اعتمد المخرج مشعل الثبيتي خلطة متكاملة لنجاح الفيلم، بدأها بالبحث في صفحات التاريخ القريب، واستعادة أبرز محطاته للعثور على شخصية مؤثّرة، ثم القراءة عنها، سواء في ما كتبته بنفسها أو ما كُتب عن تجربتها، قبل جمع المعلومات المتعلّقة بها، وصولاً إلى التواصل معها والحصول على موافقتها لتوثيق تجربتها. وهي مقوّمات لا غنى عنها لتقديم فيلم وثائقي لافت وجدير بالاحترام.

تركي عمر، أو «مرجوج هزازي» كما كان يُعرف سابقًا، يمتلك تجربة ثرية ولافتة. فلم يسعَ إلى تطوير مهاراته في مجال «الهكر» بهدف التخريب أو الإساءة، أو استغلالها في ابتزاز المؤسسات أو انتهاك خصوصية الأفراد لتحقيق مكاسب مادية. على العكس، كان أقصى طموحه أن يحظى بالتقدير، وينال وظيفة توفر له دخلاً يوازي ما يمتلكه من مهارات استثنائية. لذلك، ما إن تلقّى عرضًا وظيفيًا متواضعًا في «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» حتى قبله، وانطلق من خلاله في مكافحة المبتزّين، وكشف هوياتهم، وإحالتهم على الجهات المتخصّصة لينالوا جزاءهم.

مرجوج هزازي (2026)
مرجوج هزازي (2026)

يمتاز الفيلم بأنه لم يكتفِ بإبراز الجانب الإيجابي من شخصية «مرجوج»، فذهب إلى تأكيد أن العدالة ستأخذ حقّها من كلّ متجاوز، حتى وإن كان دافعه حُسن النية. لذلك، أسهمت أفعاله المجرّمة نظاميًا في تعثُّر مسيرته المهنية وحرمانه من العمل في إحدى الدول المجاورة، رغم العرض المالي المغري الذي تلقاه.

هذه الرسالة الضمنية، التي تؤكد أنّ العقوبة ستُلاحق المخطئ، تُعد ملمحًا إيجابيًا غير منحاز لشخصية البطل، وهذا ما يكشف جمالية الأفلام الوثائقية في جمع النقائض والمفارقات، تاركةً للمشاهد إصدار حكمه النهائي.

المؤكد أنّ تركي عمر، بعد توقيفه أربع مرات، أدرك أنّ هذا الطريق بحاجة إلى تقويم، وأنّ المجال التقني أرحب من الدهاليز المعتمة التي كان يمارس فيها نشاطه. فقرَّر الخروج إلى النور، وتحوَّل من «هكر» عبثي إلى مالك شركة تقدم خدمات تكنولوجية عالية المستوى.

ولعلَّ أبرز ما يقدمه الفيلم مادته البحثية، التي يمكن الاتكاء عليها مستقبلًا لفهم المجتمع عبر استقراء أفكاره وظواهره وأنماطه وسلوكه، ضمن معالجة فنّية مشوقة تُحسب لصانعه. كما أنّ عرضه في «مهرجان أفلام السعودية»، أحد أبرز المهرجانات المحلّية، يُقدم نموذجًا جديرًا بالاقتداء لصنّاع الأفلام في كيفية إنجاز فيلم وثائقي ناجح، تتكامل فيه الجودة الفنّية مع القيمة الموضوعية.

اقرأ أيضا: «يوم العزاء الأول»… الموت الذي أعاد الكلام إلى البيت

شارك هذا المنشور

أضف تعليق