في «صراط»، الذي طاف العالم منذ عرضه في مسابقة كانّ العام الماضي، قدّم المخرج الإسباني الفرنسي أوليفر لاشيه تجربة سينمائية «على حدة»، انطلاقًا من سؤال العبور والبحث عن الخلاص. الحكاية عن أب إسباني (سيرجي لوبيز) ينطلق مع ابنه في رحلة عبر صحراء المغرب وجباله، بحثًا عن ابنته المفقودة، بعدما تردّدت أنباء عن احتمال حضورها حفلاً غامضاً يُقام هناك. لكن الرحلة لا تلبث أن تنقلب من بحث عن غائب إلى مواجهة مع الذات وكلّ ما يحيط بهذه الذات. ينسج الفيلم مفاهيمه الخاصة عبر هذيان بصري وصوتي ممعن في التكنو والميتافيزيقيا والصدمات التي لا نعرف مصدراً واضحاً لها.
يستعير لاشيه مفهوم «الصراط» من الإسلام، ليحوّله إلى استعارة كونية لمسار إنساني تتنازعه متاهات التيه والاختبار. تتحوّل الصحراء أمام كاميرا المخرج الأربعيني إلى فضاء روحي شاسع يحجّم الكائن، حيث تتقاطع التجربة الحسية مع التأمّل الفلسفي. بإيقاع متأنٍّ وصور آسرة وشخصيات يطاردها العدم، يصوغ المخرج فيلمًا عن الموت كنوع من العبور، ليغدو العمل برمته ترنيمة سينمائية عن معنى الصمود وإمكان النجاة.
بين فرنسا وإسبانيا والمغرب، وبين الكاثوليكية والتصوف الإسلامي، تشكّلت هوية لاشيه الفنية على تخوم الثقافات والأديان واللغات والتقاليد الروحية المختلفة، وهو ما ينعكس بوضوح في سينما تحتفي بالاختلاط وتقاوم الحدود النهائية.
في الحوار الآتي، الذي أجريته معه خلال زيارته لبيروت، يتحدّث صاحب «ميموزا» و«ستأتي النار» عن الصحراء ناظرًا اليها كفضاء للتجريد واليقظة، وعن الغرب كـ«لاجئ روحي»، وعن الفنّ كبحث دائم عن تلك «النار الخفية» التي تتيح للإنسان أن يواجه شكوكه، عابرًا معها نحو ذاته. يكشف لاشيه عن رؤيته للسينما والعالم، وهي رؤية ترى في الشاشة صلاة بديلة، وفي الغموض وجهًا من وجوه الحقيقة. في زمن تتعمّق فيه الانقسامات وتتراجع الهواجس الوجودية الكبرى إلى الهامش، يبدو لاشيه كمَن يسبح عكس التيار، متّجهًا نحو تلك الأسئلة التي هجرها جزء واسع من السينما المعاصرة.

«صراط» إحالة على جسر له حضور في المخيال الإسلامي. لماذا اخترتَ هذه الصورة لتكون قلب الفيلم ومحوره؟
نلفظه ونردده كلّ يوم في الفاتحة. انه «الصراط المستقيم»، محور الروحانية الإسلامية. وهناك ما هو جميل في هذه الكلمة. العربية لغة ذات هندسة روحية خاصة، شأنها شأن السنسكريتية وغيرها من اللغات العريقة التي تحمل في بنيتها أثرًا يكاد يكون إلهيًا. لكن كلمة «صراط» نفسها تحمل أيضًا جذورًا أخرى، فهي ترتبط بالكلمة اللاتينية «ستراتا» التي تعني الطريق. ومن هذه المفردة جاءت كلمات مثل «ستريت» بالإنكليزية و«صراط» بالعربية. ثمة حركة وتواصل واستمرار بين اللغات والثقافات. وهذا جميل لأنه يعبّر أيضًا عن جوهر الفيلم: فالثقافة لا تولد إلا من الاختلاط والتلاقح والصدامات الخلّاقة.
لكن عندما تستخدم صورة ذات حمولة دينية، هل يعني ذلك أن على المُشاهد أن يكون مؤمنًا؟ هل يفترض الفيلم وجود إيمان بعقيدة دينية؟
لا. لكلّ متفرج الحقّ في أن يرى الفيلم على النحو الذي يرغبه. كلّ إنسان ينظر في المرآة التي يختارها لنفسه. أما إذا سألتني شخصيًا، فأنا – تقنيًا – ما يمكن تسميته بالمؤمن. أؤمن بوجود عقل خالق وراء هذا الكون كله. لا أرى الأرض مجرد مصادفة أو قطعة حطام ضائعة في الفراغ الكوني.
هل يعود هذا الحسّ الروحي إلى طفولتك، أم أنه تشكّل لاحقاً؟
أعتقد أن الطفل مؤمن بطبيعته. الطفل منفتح على الغيب قبل أن يتعلّم الشك. ولدتُ في بيئة كاثوليكية، لكن أحدًا لم يشكّل قلبي بطريقة عقائدية صارمة. الأمور جاءت بسلاسة، من دون قطيعة أو صدام. ثم جاءت الأسفار، وهناك تعمّق كلّ شيء. لكن الحقيقة أن البذرة كانت موجودة منذ البداية. لطالما شعرتُ أنني أعيش في عالم مسحور. وعندما اكتشفتُ لاحقاً مخرجين مثل تاركوفسكي وبريسون، شعرتُ بأنهم يوقظون شيئاً في داخلي. كأن الفنّ يمكن أن يكون صلاة أخرى، أو تذكيرًا بأننا نعيش في عالم شديد الغموض، يكاد يكون سحريًا.
ولدتَ في باريس، وعشتَ في إسبانيا ثم في المغرب. عمّ تبحث في هذه التنقّلات؟ وماذا تقول هذه الهوية المتعدّدة عنك؟
أنا ابن اختلاط… أو إن شئتَ، «لقيط» ثقافي (ابتسامة). هذا جزء من طبيعتي. إني رحّالة. وأعتقد أن الغربيين اليوم أصبحوا، إلى حد ما، لاجئين روحيين. نحن نعيش لحظة مهمّة من إعادة النظر في علاقتنا بالعالم وتاريخنا، وهذا أمر مفهوم. لكنني أرى أيضًا أن الغرب في حاجة إلى السفر أكثر من أي وقت مضى، لأنه يبدو ضائعًا وعاجزًا، لا سيما على المستوى الروحي. ومن المهم أن نتعلّم كيف نتعامل مع قلقنا الوجودي بطرق أخرى، بدلًا من تحويله إلى عنف أو حروب أو نزعة دائمة إلى الاستغلال والهيمنة.
هل تتحدّث عن أفول أو تراجع؟
بالتأكيد. هذا واضح جدًا!
ولماذا يبدو لك واضحًا إلى هذا الحدّ؟
لأن النموذج الذي بنينا عليه حضارتنا يمر بأزمة عميقة. انظر إلى الجامعة مثلًا. لقد أتقنّا صناعة المهن والمسارات المهنية، لكننا لم نتعلّم كيف نصبح أحرارًا. لا نعرف حتى كيف نتنفس كما ينبغي، أو كيف نجلس في وضعية متوازنة. نعرف أشياء كثيرة، لكننا فقدنا أشياء أساسية.
لكن إذا نظرنا إلى الشرق، فيستحيل القول إنه في موقع الهيمنة على الغرب. بل يبدو أن الغرب لا يزال الطرف الأقوى.
لا أحب أن أبني تحليلاتي على الأحداث والحاضر. ليست لدي إجابة قاطعة. لكن ثمة أمر يستوقفني دائماً: في التراث الإسلامي، هناك حديث يقول إن المسلمين في آخر الزمان سيكونون سكّان الغرب، وذلك بسبب الرحمة.
أنت تنجح في الجمع بين الإسلام والكاثوليكية، وهو أمر أصبح نادرًا في عالم يبدو منقسمًا إلى معسكرات.
لأن هذه الانقسامات، في معظمها، مرتبطة بالاقتصاد وموازين القوة أكثر ممّا هي صدامات دينية حقيقية.
هل أنت متأكد من ذلك؟
نعم. الناس المنخرطون بصدق في تجربة روحية أو دينية يميلون غالبًا إلى الحوار. يبنون الجسور، ويحاولون فهم الآخر، بل وربما «يصبحون الآخر».

«أن تصبح الآخر»… جميلة هذه العبارة! لنعد إلى الفيلم. أفلامك تكاد تكون مشبّعة بنزعة صوفية. هل يشكّل «صراط» مرحلة جديدة في هذا المسار؟
لا أدري. عندما أتممتُ «ميموزا»، كنت أحاول بالفعل الاقتراب من هذه الفكرة: فكرة العبور والتحوّل الداخلي، فكرة الموت قبل الموت. أن نتعلّم كيف نموت لكي نواجه النهاية بكرامة وسكينة. لكنني آنذاك لم أكن أملك الوسائل أو الخبرة الكافية للذهاب إلى آخر الطريق. ما يشغلني في العمق هو الموت. مواجهة الموت. الذهاب إلى الحدود القصوى، وتحويله إلى حليف. أعتقد أن هذه الرحلة حاضرة في كلّ أفلامي. حتى في «ستأتي النار»، كان هناك الموت والتحوّل والنار بوصفها قوة تطهير.
إذن، كان يمكن هذا الفيلم أن يُنجَز حتى قبل «ميموزا»؟ لم تكن مسألة تطور، بل امكانات.
هي مسألة مرتبطة بأشياء كثيرة. في «ميموزا»، كان الموت حاضرًا لكنه كان مجسَّدًا. أما هنا فأردتُ للمُشاهد أن يشعر به جسديًا. في الفيلم، أنتَ تموت قليلًا. هذا ما كنت أبحث عنه. لأن الموت، في جوهره، شيء صحي. علينا أن نتعلّمه. ثم هناك القطار في النهاية. قطار يحمل السكينة. لو وصل هذا القطار إلى الآن هنا، لصعدتُ فيه من دون تردّد. إنه قطار الأمل.

لماذا اخترتَ حفلات الـ«رايف» في الصحراء نقطة انطلاق لحكاية ذات طابع ميتافيزيقي؟
هذه مجرد نقطة بداية. الفيلم ليس عن حفلات الرايف في ذاتها. لكنني أعتقد أن المشاركين في هذه الحفلات يقولون شيئًا مهمًا عن الغرب المعاصر. إنهم يمثّلون غربًا بدأ يدرك فشل النموذج الذي عاش عليه طويلًا، ويفهم أن الاستمرار بالطريقة نفسها لم يعد ممكنًا. إنه غرب أكثر تواضعًا، بدأ يحدق في جراحه وظلاله وجوانبه المظلمة، بل ويعترف بها. أشعر بأن هناك أناسًا باتوا مرتبطين بجراحهم الخاصة. ولهذا أقول إن الفيلم، في أحد وجوهه، هو عن الجرح. نراه في الأجساد، وفي الوجوه، وفي التعب الذي يثقل الكائنات. ثقافة «الرايف» نفسها تقوم على الذهاب إلى الحدود القصوى. وهي، من هذه الزاوية، تشبه الفنّ والروحانية. أراها محاولة لبلوغ أقصى ما يمكن أن يختبره الإنسان في وجوده، وهذا تحديدًا ما يثير اهتمامي.
تتحدّث عن الجراح، لكن في المقابل لا نعرف الكثير عن شخصيات الفيلم.
صحيح أننا لا نعرف عنها الكثير، لكنّنا نشعر بها جدًا. وهنا يكمن جوهر السينما. السينما لا تشرح، عليها أن توحي.
هناك أفلام تنطوي على الكلام، وعلى الشخصيات التي تروي نفسها بنفسها.
نعم، لكنها غالبًا ما تقول أكثر ممّا ينبغي. وعندما يُقال كلّ شيء، لا يعود هناك ما يمكن الإحساس به. لا نقترب من الشخصيات أكثر، بل على العكس، تصبح فارغة. إني مهتم جدًا بعلم النفس، لكنني لا أعتقد أن السينما مضطرة إلى بناء شخصياتها عبر الشرح النفسي. نحن ندرك الناس من خلال وجوههم وحضورهم وأجسادهم. ثم إنني أعمل كثيرًا مع ممثّلين غير محترفين، وهؤلاء يمتلكون هشاشة نادرة. لا يختبئون خلف آليات دفاع جاهزة. إنهم حاضرون ببراءتهم الأصلية. وهل هناك في الإنسان ما هو أثمن في الإنسان من هشاشته؟ ربما يمكننا أن نسمّي ذلك محاولة لالتقاط الروح. لكن الوصول إلى الروح الحقيقية هو شأن الكبار من الفنّانين، وليس من السهل بلوغه.
هل تعتقد حقًّا أن السينما الكبيرة هي تلك التي تنجح في التقاط الروح؟
نعم. لكن الحقيقة أن عدد الأفلام التي تحقّق ذلك قليل جداً.

مع ذلك يبدو أن «صراط» يحقّق ذلك بطريقة أو بأخرى. في أي حال، الفيلم يترجّح بين التجربة الحسية، وفيلم الطريق، والتأمّل الأبوكاليبتي.
أفضّل أن أقول ميتافيزيقيًا بدلًا من أبوكاليبتيًا.
هناك مَشاهد تمنح الإحساس بنهاية عالم ما.
إذا عدنا إلى المعنى الأصلي لـ«القيامة»، فالأمر لا يتعلّق بالنهاية بل بالانكشاف والتحوّل. نحن نعيش لحظة انتقال. وكما يقول أحد شخصيات الفيلم: لقد انتهى العالم منذ زمن بعيد. لم نعد نخاف من النهاية، بل ننتظر التغيير. نستعد له. وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية يكون الماضي غالبًا أكثر حضورًا من المستقبل. كأن صورتين تتداخلان الواحدة فوق الأخرى. الماضي يرفض أن يغيب، لأن المستقبل لم يجد شكله النهائي بعد. نحن نعيش هذه اللحظة بالذات. وأنا، رغم كلّ شيء، متفائل. لن أكذّب وأقول إن الطريق سهل. نحن نعبر زمنًا صعبًا. الماضي يقاوم الموت، لكن شيئًا ما بدأ يتحرك بالفعل. وهناك دائماً ذلك القطار… قطار السكينة.

أحببتُ فكرة «قطار السكينة». دعنا نتحدّث عن المكان. الفضاء يحتل دورًا مهمًا في الفيلم. أنت صوّرتَ الصحراء. ماذا منحتك الصحراء مما منعتك عنه أماكن أخرى؟
الصحراء مكان راديكالي. إذا اتّخذتَ قرارًا خاطئًا فالموت هو مصيرك. لذلك تبقى يقظًا ومركّزًا. الصحراء تجبرك على النظر إلى الداخل. هنا أراك وأرى النباتات والأشياء من حولي، وكلّ ذلك يشتّت تفكيري. أما هناك فلا يبقى أمامك سوى نفسك. وأعتقد أن «صراط» يدعو المُشاهد إلى هذه الحركة الداخلية بالذات. ثم إن الصحراء فضاء للتجريد. وددتُ للمُشاهد أن يشعر بقلق غامض، لكنْ أن يشعر في الوقت نفسه بأن كلّ شيء حي. الحياة موجودة هنا أيضًا، بالطبع، لكنها هناك تتجلّى بطريقة مختلفة. وربما لا تكون تلك صحراء بالمعنى المعتاد. ربما تكون شيئًا آخر تمامًا.
عندما تقول إن الخطأ قد يكلّف الإنسان حياته، فهل تتحدّث كمخرج أو كإنسان عاش تجربة الصحراء؟
الصحراء تكشف حدودنا. تعلّمنا التواضع.
ينسحب هذا أيضًا على الغابة في فيلمك السابق، «ستأتي النار».
ربما. لكن الغابة أحنّ. تحتضنك. فيها المزيد من الرحمة. الصحراء فيها رحمة أيضاً، لكن بطريقة مختلفة. إنها دواء قاس. علاج بالصدمة.
في آخر فيلمين لك، يبدو المكان كأنه شخصية مستقلّة، لا مجرد خلفية للأحداث.
تمامًا. أنا لا أصوّر الطبيعة لأنها جميلة. أصوّرها لأنها حية. لأنها تتجلى وتتكلّم وتختبرنا. الطبيعة تتحدّث. ولذلك نعم، إنها شخصية قائمة في ذاتها. لا بل ربما هي الشخصية الأساسية.

دعنا ننتقل إلى الشخصية الرئيسية التي يؤدّيها سيرجي لوبيز. هو يبحث عن ابنته المفقودة، لكننا نشعر أحياناً أنه يبحث عن شيء أعمق في داخل.
الأزمات تجبر الإنسان على النظر إلى الداخل. ولهذا هي مهمّة جدًا. الحياة، حتى حين تصفعنا بالمآسي الكبرى، كفقدان ابنة مثلًا، يمكن أن تتحوّل إلى فرصة لإنقاذنا أو تغييرنا جذريًا. هذه تدفعنا إلى مواجهة أنفسنا. أظن أن هذا ما تقصده في سؤالك.
نعم. أجد أيضا أن «صراط» ينتمي إلى ذاك النوع من الأفلام التي تسير في اتجاه معين ثم تنحرف عنه تمامًا. يبدأ الأمر بالبحث عن الابنة، فنجد أنفسنا تدريجًا في مكان آخر كليًا. هل كان ذلك مقصودًا؟
طبعاً. لكن انتبه: الحياة نفسها هذه منطقها. قد تستيقظ صباحًا مكتئبًا، ثم تقع في الحبّ بعد ساعات. أو العكس تمامًا. قد تكون داخل كوميديا فتتحوّل فجأةً إلى مأساة. الحياة لا تتصل بك مسبقًا لتحذيرك. لا تقول لك: استعد، فالاختبار قادم. كثر من المشاهدين قالوا لي إن البطل يعثر في النهاية على ابنته فعلاً، لكن على مستوى آخر من الوعي. حين يرقص في الصحراء يصبح متّصلًا بها أكثر من أي وقت مضى. كأنه يرقصها هي. لم يكن يوماً أقرب منها ممّا كان في تلك اللحظة. إنها مصالحة روحية أو لقاء غير مرئي.

أنا شخصيًا تلقيتها بطريقة شبيهة، لكن شعرت أنه يتواصل مع الابن لا الابنة. في النهاية، الفيلم برمته استعارة عن الحياة نفسها، عن تعدّد الطرق التي نسلكها والفخاخ التي ينبغي تجنّبها.
ربما، لكن الإنسان في الحقيقة لا يملك كلّ هذا القدر من الحرية الذي يتخيّله. كان أحد الشيوخ الصوفيين يقول إن الإنسان يشبه سكّة الحديد، أو قطارًا لا يستطيع أن يقرر الذهاب يمينًا أو يسارًا، كلّ ما في امكانه أن يختار إن كان سيركب الدرجة الأولى أو الثالثة، بحسب قدرته على القبول والتسليم. لذلك نعم، كان على شخصيات الفيلم أن تعبر هذا الطريق. وهناك أيضًا حكمة متداولة في الشرق تقول إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه. المحبّة الإلهية ليست دائماً نعمة سهلة، بل قد تأتي في هيئة امتحان أو كسر أو محنة. هل سمعتَ بهذه العبارة الدينية؟
لا أعرفها، فأنا لستُ متدينًا. لكن هناك مشهد أثّر فيّ كثيرًا: عندما يُسأل سيرجي لوبيز كيف تمكّن من العبور، يجيب ببساطة: «لا أدري». هذه «اللا أدري» بدت لي جوهر الحياة نفسها. أحيانًا لا نعرف كيف فعلنا شيئًا ما، لكننا فعلناه وهذا كلّ شيء.
الفنّ والحياة يقومان على الثقة بالحدس. عندما يصل الإنسان إلى حدوده القصوى، ينبثق من داخله شيء قوي جدًا. في النسخة الأولى من السيناريو كانت الجملة التي يقولها أطول: «لا أدري، ربما عليك أن تتقبّل أنك قد تنفجر في أي لحظة». ثم اكتشفنا أننا لسنا في حاجة إلى كلّ هذا الشرح. كان مباشرًا أكثر ممّا ينبغي. السينما قادرة على أن تجعل المُشاهد يفهم ذلك من دون كلمات.
أمس، شاهدتُ الفيلم مع شخص قفز حرفيًا من مقعده عند أول انفجار. لم يكن يتوقّعه أبدًا. هل شاهدتَ مثل هذه الردود؟
أحيانًا، الحلّ البسيط هو أن نقبل هذه الحقيقة: أن نكون متواضعين بما يكفي لنعرف أن الموت قد يأتي في أي لحظة.
الفيلم يمنح الصمت والإيماءات أهمية تتجاوز الأهمية المعطاة للحوار. وهذا ينسجم مع ما قلته سابقاً عن رفضك للشرح النفسي.
تمامًا. أنا أثق بالصورة. أثق بالسينما. وأثق بالمُشاهد. أعتقد أن المخرجين هم ألدّ أعداء أفلامهم. لماذا؟ لأنهم يريدون قول كلّ شيء. هناك لحظة يجب أن تتكلّم فيها، لكن هناك أيضًا لحظة يجب أن تتوقّف عن الكلام. علينا أن نمنح الصور فرصة لكي تتنفّس. كثيرًا ما نقتل صورنا بأنفسنا.
الأسوأ من الكلام هو الشرح…
بالضبط. ينبغي أن يكون هناك توازن بين القول والإيحاء، بين النور والظلّ. المشكلة اليوم أن مساحة الظلّ تقلّصت كثيرًا. كلّ شيء صار واضحًا ومفسَّرًا ومكشوفًا. أسمّي هذا نوعًا من «فاشية الصورة» أو «فاشية الضوء». الإفراط في الشرح فعل إيديولوجي. لا يترك مكانًا للغموض أو التأويل. نحن نشاهد اليوم أفلامًا تكاد تخلو من الصور الحقيقية. لماذا؟ لأن إنجاز الفيلم عملية طويلة ومعقّدة. في البداية، تظهر لنا صور نابضة، متّصلة بلاوعينا الفردي والجمعي، فيها تكمن قوة الإلهام. لكن هذه الصور تُستنزَف تدريجًا خلال مراحل الكتابة والتحضير والتصوير. نحمّلها معاني وخطابات وشروحًا أكثر ممّا تحتمّل، فتفقد طاقتها الأصلية. السينما فنّ مكلف أيضًا. المنتجون يريدون أمورًا ملموسة. الصناعة تريد الأمان والوضوح. يسألونك دائمًا: «عمّ يتحدث فيلمك؟». وألاحظ أن كثيرًا من المخرجين يجيبون باستمرار: «فيلمي عن فكرة كذا وكذا…». هذا بالنسبة لي أحد أعراض الانحطاط. الفنّ لا يُختزَل في فكرة. حين يتحوّل الفيلم إلى أطروحة، يصبح أقرب إلى نقيض الفنّ.
أنتونيوني مثال رائع على الإيحاء في السينما.
بالتأكيد. وكذلك السينما الأميركية في السبعينات، وسينما لينتش، تاركوفسكي. ينبغي أن نقول شيئًا، نعم، لكن في ضوء الثقة بالصورة. المطلوب هو التوازن. اليوم أصبحت علاقتنا بالأفلام ذهنية أكثر ممّا ينبغي. بينما هناك مستوى آخر من التلقّي. وأعتقد أن «صراط» فيلم يُشاهَد بالجسد، بالجلد، بالمعدة، لا بالعقل وحده.
هذا يقودني إلى تعليقي التالي: عدد من المشاهدين يتحدّثون عن تجربة جسدية أثناء مشاهدة الفيلم.
هذه هي طبيعة السينما أصلًا. أنا لا أبتدع شيئًا جديدًا. السينما، في عمقها، تجربة حسية. تضع إنسانًا في غرفة مظلمة أمام شاشة عملاقة وصوت يحيط به من كلّ جانب. كيف يمكن ألا تكون تجربة جسدية؟
لا يسعني أن أحصي عدد المرات التي شعرتُ فيها بالقشعريرة أثناء مشاهدة فيلم.
أعتقد أنه إذا لم تستطع صورة واحدة فقط من صورك أن «تخترق» المتفرج، فلا جدوى من أن تعمل في الإخراج. إبحث عن مهنة أخرى. جوهر السينما هو أن تنفذ الصورة إلى الداخل، أن تترك أثرًا حقيقيًا.

في فيلمك صور كثيرة ستصمد في الذاكرة. ولهذا أعتقد أن «صراط» سيصبح مع الزمن فيلمًا مرجعيًا.
ربما، لكن ذلك يعود أيضًا إلى أننا نعيش جفافًا روحيًا وجماليًا.
مع ذلك هناك أفلام كثيرة من تلك التي ستبقى، تخرج كلّ عام.
صحيح، لكن السينما باتت أكثر فأكثر تحت تأثير التلفزيون والمسلسلات. إنها أسيرة السرد والحبكة وعلم النفس والأدب.
قل لي، لقد عشتَ سنوات في المغرب. كيف أثّرت هذه العلاقة الحميمة بالبلد في رؤيتك للعالم؟
في المغرب أصبحتُ شخصًا بالغًا. هناك تعلّمتُ شيئاً عن الموت، وعن النمو الروحي. لكن الأمر لا يتعلّق بالمغرب فحسب. انه عن التصوف والإسلام، والأسفار التي قادتني إلى تركيا وإيران وموريتانيا والسنغال. أعود فأقول: نحن الغربيين أصبحنا لاجئين روحيين، ومن الضروري أن نسافر لكي نعيد القداسة إلى حياتنا.
وماذا وجدتَ في المغرب ممّا لم تجده في إسبانيا؟
وجدتُ نوعًا من الاستمرارية. شعرتُ أن هناك امتداداً بين القيم التي عشتها في عائلتي الفلاحية وبين ما رأيته هناك. أنا إسباني، جسدي يحمل ذاكرة طويلة. ذاكرة ماضٍ مسلم ويهودي وسلتي. كانت رحلاتي، في العمق، رحلة إلى داخلي أنا. أجدادي المسيحيين كانوا يمارسون، من دون أن يسمّوا ذلك، الشكر والحمد والصبر. لم يكونوا مسلمين، لكنهم كانوا متواضعين. الحياة غرست فيهم هذه القيم، ثم اكتشفتها من جديد خلال أسفاري.
«صراط» مشغول بفكرة الحدود: الحدود الجغرافية، والأخلاقية، والروحية. ما الذي يفتنك في حالات العبور هذه؟
أعتقد أن الفنّ والروحانية والدين، وحتى ثقافة «الرايف»، هذه كلها تتعلّق بالذهاب إلى الحدود القصوى. هذه قد تكون طبيعتي أنا، ولكن أحب أن أعيش وأموت وأولد من جديد. أعجز على تفسير الأمر فكرياً، غير أنه لديّ ميل دائم إلى دفع نفسي نحو أقصى ما أستطيع تحمّله. وأرى أن مهمّة الفنّان تقضي بالذهاب بحثًا عن تلك النار الخفية، ثم يعود بها ليقدّمها للآخرين. عليه أن يضحّي بشيء من نفسه في سبيل ذلك.
بعض النقّاد رأوا في «صراط» تأمّلًا في انهيار العالم المعاصر. هل توافق على هذه القراءة؟
أحب أن يفسّر الناس الفيلم على النحو الذي يريدونه. أشعر براحة كبيرة تجاه التأويلات المختلفة. بمجرد عرضه، ما عاد الفيلم ملكي. أرى أننا نعيش بالفعل لحظة انحطاط. لكنني أجدها أيضاً لحظة تغيير وانتقال. ما زلت متفائلًا جدًا. أؤمن بالإنسان. أعتقد أننا لسنا مجرد عابرين. هذه المسيّرات التي نسمعها الآن وهي تحلّق في سماء بيروت (يقصد المسيّرات الإسرائيلية) ستسقط يوماً ما. ستنفد طاقتها. لا يراودني أي شكّ في ذلك.

سؤالي الأخير عن الخلفية السياسية التي تظهر في الفيلم. هل هي قضية الصحراء الغربية والبوليساريو؟
لكلّ شخص الحقّ في أن يرى ما يشاء. بعض المشاهدين رأوا غزة في الفيلم.
إذن، بالنسبة لك الأمر مجازي أكثر منه إحالة مباشرة على نزاع محدد.
إني أدافع دائماً عن الغموض واللبس في أفلامي. حتى في «ستأتي النار»، وهو فيلم أنجزته في منطقتي وبين أهلي. مع أنني أرأس جمعية بيئية وأعمل في مجال التنمية الريفية، لم أرغب في تقديم فيلم تعليمي أو دعائي أو سياسي بالمعنى المباشر. في رأيي، أفضل طريقة ليكون الفنّ سياسيًا هي أن يفتح قلب المُشاهد. لا شيء أشد تأثيرًا من ذلك. ولهذا فإن الغموض مهم. كما سبق وقلتُ، هناك اليوم أفلام كثيرة تقول كلّ شيء، لكنها في الحقيقة لا تقول شيئًا. لا توسّع وعي المُشاهد، ولا تداوي جراحه. بينما تمتلك السينما قدرة استثنائية على تولّي تلك المهام بطريقة خفية، أي عبر الارتقاء بالإنسان وتجاوزه لذاته. عندما أنجزتُ «صراط»، إتّخذت قرارًا واعيًا بأن أثق بالصور وبالمتفرجين. خلال التصوير، كان جميع المشاركين في العمل يشعرون بجرح العالم المفتوح. وأعتقد أن الإسبان، في الفترة الأخيرة، أبدوا تضامنًا حقيقيًا مع آلام الآخرين. أتفهّم رغبة مَن كانوا ينتظرون موقفًا سياسيًا أكثر وضوحًا أو خطابًا مباشرًا. لكنني أعوّل على نظرتي إلى الأشياء والتعبير عنها سينمائيًا.
اقرأ أيضا: «صراط».. السينما كما الحياة رحلة حسّية