فاصلة

أخبار وتقارير

صناع «سائق التاكسي» يبحثون سر خلوده… هل توقعوا كل هذا النجاح؟

Reading Time: 5 minutes

رغم مرور نصف قرن على إنتاج فيلم «سائق التاكسي Taxi Driver»، لكنه لا يزال يحمل نبوءات قاتمة وراهنيّة صادمة إلى درجة أن صُنّاعه أنفسهم ما زالوا يحاولون تفكيك معانيه وفهم إرثه، فخلال عرض خاص للفيلم بمركز تريبيكا للفنون الأدائية للاحتفال بالذكرى الخمسين للفيلم ومناقشة تأثيره المستمر حتى اليوم، حاول كل المخرج مارتن سكورسيزي، والمؤلف بول شريدر، وروبرت دي نيرو وجودي فوستر الإجابة عن سؤال لماذا ظل الفيلم حاضرًا إلى اليوم.

للإجابة على السؤال قال المخرج مارتن سكورسيزي، خلال الفعالية التي أقيمت مساء أمس بحسب مجلة «الغارديان»: «الفيلم يتناول شعور الإنسان بالعزلة والوحدة، وعجزه عن التواصل الحقيقي مع الآخرين أو بناء روابط معهم. بالنسبة لي، هذه تجربة إنسانية عالمية، ولهذا سيظل دائمًا قادرًا على مخاطبة الأجيال الشابة».

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي

«أمر استثنائي حقًا»، هكذا وصف بول شريدر الأمر، قائلًا: «من الواضح أن هناك شيئًا في هذا الفيلم لا يموت. لو كنا نحتفل عام 1976 بمرور خمسين عامًا على فيلم من عام 1926، لما بدا الأمر بنفس الغرابة. استمرار حضور هذا الفيلم بعد كل هذه السنوات أمر استثنائي حقًا».

عُرض «سائق التاكسي» لأول مرة في فبراير 1976، وسرعان ما تحول إلى ظاهرة سينمائية هزّت الوعي الأمريكي. فقد صنع نجومية معظم فريقه، وفاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كانّ السينمائي، كما نال أربع ترشيحات لجوائز الأوسكار، من بينها أفضل فيلم، وأفضل ممثل لدي نيرو، وأفضل ممثلة مساعدة لجودي فوستر، التي لم تكن قد تجاوزت الثانية عشرة من عمرها أثناء التصوير.

تتردد في الفيلم ثيمة الاغتراب بصورة مؤلمة ومستمرة. فشخصية ترافيس بيكل، التي جسدها دي نيرو، تجوب شوارع نيويورك الليلية بسيارة أجرة، بينما تعاني من الأرق والوحدة والافتقار إلى أي رابط حقيقي مع الآخرين. يعيش الشاب البالغ من العمر 26 عامًا حالة من الانفصال عن العالم من حوله، وهو ما يقوده تدريجيًا إلى العنف، وفق البناء الدقيق الذي وضعه شرادر في السيناريو.

وقال سكورسيزي عن النص: «كانت كل صفحة فيه أشبه بشفرة حلاقة».

دي نيرو
روبرت دي نيرو

وأضاف دي نيرو: «عندما قرأنا السيناريو للمرة الأولى شعرنا جميعًا أننا مرتبطون به بطريقة ما، لأننا وجدنا فيه شيئًا من أنفسنا. واليوم أفهم جيدًا لماذا لا يزال الفيلم مؤثرًا؛ فالناس ما زالوا يعانون الوحدة، وربما أكثر من السابق، خصوصًا مع الإنترنت وما خلفته الجائحة. كثيرون أصبحوا أكثر انعزالًا، وأكثر قابلية للانجراف إلى عوالم لا ينبغي لهم الدخول إليها، أو التعلق بأفكار وسلوكيات سلبية».

وبدا الفيلم، منذ ذلك الوقت، وكأنه يتنبأ بجملة من الأزمات الثقافية والاجتماعية التي ستظهر لاحقًا. فصورة الشاب الغاضب والمهمش، الذي يحمل سلاحًا ويعاني اضطرابًا نفسيًا، لم تكن قد أصبحت جزءًا من المشهد الأمريكي بعد. لكن الفيلم استُخدم لاحقًا خلال محاكمة جون هينكلي الابن بعد محاولته اغتيال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1981، إذ كان هينكلي مهووسًا بجودي فوستر ويسعى إلى لفت انتباهها. ومع مرور العقود، ازداد حضور نموذج «الشاب الغاضب» في الواقع، كما بدت ظواهر مثل الجماعات المتطرفة على الإنترنت وصعود تيارات اليمين المتطرف انعكاسًا مقلقًا لبعض أفكار الفيلم.

جودي فوستر
جودي فوستر وروبرت دي نيرو

أما جودي فوستر فقالت: «عندما قرأت السيناريو للمرة الأولى شعرت أن هناك شيئًا حقيقيًا وصادقًا تمامًا في إحساس الشخصية بالوحدة والاغتراب، رغم أنني لم أكن أستوعب ذلك بالكامل آنذاك. ترافيس لا يفهم نفسه حقًا، لكنه يسمح للمشاهد بأن يراقب انهياره ومحاولاته الفاشلة للتواصل مع الآخرين. وهذا تحديدًا ما يجعل البطل المضاد شخصية جذابة».

وربما تبدو شخصية ترافيس بيكل أكثر ارتباطًا بعصرنا الرقمي مما كانت عليه في زمن الفيلم. ففي العمل يسعى بيكل يائسًا إلى إقامة علاقة عاطفية، ويطارد بيتسي، الشخصية التي أدتها سيبيل شيبيرد، بصورة أقرب إلى الملاحقة المرضية. أما اليوم، فمن السهل تخيل أن شخصية مثله قد تلجأ إلى «صديقة افتراضية» أو روبوت دردشة عاطفي، وهو أمر أقر شرادر نفسه قبل أسابيع بأنه جرّبه شخصيًا.

وفي حين تبدو أزمة الشخصية الرئيسية معاصرة على نحو لافت، فإن الفيلم يوثق أيضًا مدينة نيويورك لم تعد موجودة. فقد كانت مانهاتن في منتصف السبعينيات مدينة غارقة في القذارة والجريمة والأزمات الاقتصادية، على النقيض تمامًا من صورتها الحالية.

وعندما سأله المذيع والتر كامو بيل عن تغير المدينة، رد سكورسيزي مازحًا: «هل تقول إنها مختلفة الآن؟».

ثم أضاف: «ولدت ونشأت في شارع إليزابيث بوسط نيويورك، لكنني أتحدث عن شارع إليزابيث القديم قبل موجات التحديث والتطوير العمراني. أتذكر أن بعض أصدقائي كانوا يسألونني: ألم تدرك أن هناك شيئًا خاطئًا عندما كانت أكوام القمامة تملأ الشوارع؟ أثناء تصوير الفيلم كان يمكن أن تشعر بالتوتر والعنف في كل مكان حولك».

وعندما بدأ التصوير عام 1975 كانت معدلات الجريمة في المدينة عند ذروتها، وكانت نيويورك تمر بأزمة مالية خانقة. ويتذكر شرادر تلك الفترة بحنين واضح، قائلًا: «كانت المدينة نابضة بالحياة. جئت إلى هنا عام 1966، وأتذكر أنني كنت أجلس على أحد الأرصفة في شارع ماكدوغال أستمع إلى أغنية “Summer in the City”، وأفكر: هذا أعظم مكان على وجه الأرض».

وفي حديثه عن صناعة السينما اليوم، أقر سكورسيزي بأن البيئة التي بدأ فيها مسيرته تختلف كثيرًا عن الواقع الحالي. وقال: «لا أعرف الكثير عن آليات تمويل الأفلام وإنتاجها اليوم. أنا أنتمي إلى جيل كان يحاول صناعة أفلام داخل منظومة هوليوود، لكنها في الوقت نفسه تحمل روح السينما المستقلة».

وأضاف أن التكنولوجيا الحديثة أزالت كثيرًا من العوائق أمام صانعي الأفلام الشباب: «اليوم يمكنك فعل أي شيء تقريبًا. لم تعد هناك أعذار حقيقية تمنعك من خوض تجربة صناعة الأفلام. العامل الحاسم هو الإرادة الشخصية والقدرة على عدم الاستسلام للعقبات».

أما شريدر فشبّه عملية إنجاز فيلم بمحاولة ترويض الأسود داخل قفص: «أعطوني سوطًا وكرسيًا وضعوني داخل قفص أسود. أحيانًا تنتصر أنت، وأحيانًا تنتصر الأسود».

من جانبه، رأى دي نيرو أن السر الأساسي يكمن في الأصالة، قائلًا: «لن تخطئ أبدًا إذا جعلت العمل معبرًا عنك. لا أحد يستطيع أن يقلد ما تفعله أو أن يكون الشخص الذي أنت عليه».

والمفارقة أن «سائق التاكسي» نفسه أصبح واحدًا من أكثر الأفلام تقليدًا في تاريخ السينما، وصولًا إلى جملة دي نيرو الشهيرة «هل تكلمني أنت؟»، التي ارتجلها أثناء التصوير في لحظة وصفها سكورسيزي بأنها كانت أشبه بحالة من التنويم أو الغيبوبة الإبداعية. وقد أعاد دي نيرو ترديد الجملة أمام الحضور خلال الاحتفال وسط تصفيق حار.

وفي ختام النقاش، قال شرادر بمزيج من الدهشة والفخر: «لماذا ما زلنا نجلس هنا ونتحدث عن هذا الفيلم بعد خمسين عامًا؟ هناك الكثير من الأفلام التي صُنعت في الفترة نفسها، لكن هذا الفيلم يبدو وكأنه يجدد عهده مع جيل جديد من المشاهدين كل عقد أو نحو ذلك».

شارك هذا المنشور

أضف تعليق