فاصلة

مقالات

«أسد»… ومعضلة إعادة تدوير التاريخ

Reading Time: 6 minutes

تُرى، هل من معيار ثابت يحكم تناول الأعمال السينمائية للتاريخ؟ بمعنى آخر، هل تستوجب تلك العودة إلى الماضي التزامًا صريحًا بالوقائع السابقة، أم أنّ الرقعة التاريخية تملك ما يكفي ويفيض من المرونة؟

طرقت هذه التساؤلات الذهن بلا استئذان، بينما أشاهد أحدث أفلام المخرج المصري محمد دياب «أسد» (2026).

فالعودة إلى صفحات التاريخ لاستلهام مادة صالحة لإعادة تدويرها سينمائيًا تمثّل تحدّيًا لصانع العمل والمتفرج الذي سيُخضع كلّ ما يراه أمامه للمقارنة اللا إرادية بين الخيال الصناعي المعروض أمامه

من ناحية، والحوادث التاريخية المتوارثة والمُسلَّم بمعرفتها وتداولها من ناحية أخرى.

مثلما يقول المخرج جان لوك غودار: «السينما التاريخية لا تعني إعادة بناء الماضي، بل تعني إعادة بناء نظرتنا نحن إليه». وحينها سيُقيَّم هذا المنتج استنادًا إلى قواعد ودلالات أكثر صرامة من المعتاد،

خصوصًا إن كان محتواه مهمومًا بطرح غير مألوف، أو بالأحرى خارجًا عن الأطر والحدود الآمنة.

وهذا بالفعل ما جرى مع الفيلم المذكور.

أسد (2026)
أسد (2026)

فالأحداث تدور في منتصف القرن التاسع عشر، حيث يختطف بعض القراصنة الأوروبيين من أصحاب البشرة البيضاء طفلًا أفريقيًا، ثم يُرحَّل قسرًا برفقة بعض من أبناء جلدته إلى مصر. وبعد عشرين عامًا، يصبح الطفل رجلًا مكتملًا، وفي ظلال الأجواء الملبّدة بغيوم العبودية والكراهية، يتورّط هذا الشاب في قصة حبّ مع ابنة سيده. وكما هو متعارف عليه في الكلاسيكيات الأدبية، ستبدّل هذه العلاقة الهجينة نمط حياتهما من الهدوء الزائف إلى العداء الصريح.

حكاية قد تبدو في ظاهرها متدثّرة بعباءة التاريخ، لكنها في واقعها تطرح ما هو أعمق من الإشارة المباشرة إلى الماضي، إذ ينشغل سيناريو الإخوة دياب (خالد/شيرين/محمد) بثنائية الحرّية والعبودية، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم.

جعبة سردية منتفخة بالأفكار، فهل نجحت الصياغة الفيلمية في التعبير عن هذه الاستطرادات المتشابكة؟

عالم واسع وكبير

تمزُج العناصر الفنية للصورة والتكوينات البصرية، وما يرافقهما من ديكورات وغيرها من التفاصيل الأساسية، بحرفية، بين الجودة والثراء الشكلي. كاميرا مدير التصوير أحمد بشاري، بالاشتراك مع ديكورات أحمد فايز، أسهمتا في تكوين عالم متكامل قائم بذاته ولا يخصّ سواه.

فالأحداث تعود إلى نحو 200 عام عن زمننا الحالي، وبالتالي اجتهدت الصورة، بتدرّجاتها اللونية، في رسم حيّ وواقعي لتلك المرحلة، وعندئذ يمكن القول إنّ الفيلم نجح بالفعل في إعادة الخلق الشكلي لهذا العالم.

أسد (2026)
أسد (2026)

لكن ثمة معضلة تكمن خلف هذا البناء الجاذب. ففي مَشاهد من الفيلم، يطالعنا العبيد وهم مقيّدون بالسلاسل الحديدية، وتحديدًا في المَشاهد الأولى، حيث يتجمع عدد من الأفارقة المختطفين داخل قفص مُحكم الغَلْق في قاع السفينة، وعند حلول موعد الطعام، تُلقى الحبوب عليهم من أعلى ليتناولوها مثل الحيوانات المفترسة.

يتكرّر الأمر في منزل «محروس» (كامل الباشا)، تاجر الرقيق المصري، حيث يحتفظ بالعبيد الجاهزين للبيع داخل قفص حديدي، وعندها سيطفو تلقائيًا السؤال عن المرجعية، لا التاريخية فحسب، لكن الفنية أيضًا، لهذه الطائفة المتنوّعة من المَشاهد.

أسد (2026)
أسد (2026)

من يتذكّر مسلسل «الجذور»، أو ما يُعرف باسم شخصيته الأشهر «كونتا كنتي»، سيدرك حتمًا التلامس اللا شعوري بين معاناة «أسد» (محمد رمضان) وتلك الشخصية الشهيرة. ولا تقف حدود الإلهام عند هذا العمل فقط، لكنها تمتد إلى أعمال أخرى أكثر شهرة وحداثة، تنتمي أغلبها إلى تيار سينما الهوية الأفرو أميركية التي تعمل باستمرار على شقين متوازيين: أولهما التوثيق لما جرى خلال مراحل العبودية، والحضّ والتحفيز على المقاومة من جانب آخر.

وهل أثرت هذه الاقتباسات في مضمون الفيلم أو هويته؟

قد يرى البعض أنّ هذه التوليفة المجمَّعة من المَشاهد تؤثّر بطريقة أو بأخرى في هوية الفيلم، وكأنه أصبح هجينًا يفتقد إلى الأصالة الفنية، وهذا صحيح ولا يمكن إنكاره. لكن بقليل من الروية، يمكن قراءة الوضع وفق منطق مغاير لهذا المعتاد والمألوف، إذ يقتحم السرد منطقة ملغومة لم يسبق اكتشاف أرضها من قبل، وبالتالي لا توجد بالفعل مرجعية ثابتة يمكن الرجوع إليها.

وحينها سيستدعي الخيال، لا إراديًا، بعضًا من هذه التيمات التي قد تبدو مكرّرة ومعاد تدويرها من إناء بعيد، لكن مفهوم مصدره.

سراديب الماضي

تتكئ أحداث الفيلم على فرضية تاريخية؛ هي صدور مرسوم الوالي محمد سعيد باشا عام 1854، والذي يقضي بمنع استيراد العبيد إلى مصر والسودان، وإنشاء رقابة نهرية على السفن الوافدة. هذا ما تذكره المصادر الأرشيفية، لكن هل رافق هذا القرار اندلاع اشتباكات أو احتجاجات؟

أسد (2026)
أسد (2026)

الإجابة المؤكدة أنّ تلك الاحتجاجات بين الطرفين، الحاكم والمحكوم، لم تحدث، وإن كانت قد خلَّفت بالفعل تغيرات أخرى على مستوى المجتمع، نظرًا إلى الاعتماد الكلي تقريبًا على هذه الفئة في الأعمال المساعدة.

إذن، نحن أمام نسيج إبداعي خيالي يتّخذ من هذه الهوية التاريخية عباءة يخفي وراءها ما يرغب في قوله والتعبير عنه. ودائمًا ما تمثّل عودة صانع الأفلام إلى الماضي حيلة يواري بين طيات مشاهدها حقيقة ما، أو فكرة مطمورة، تحتاج إلى القول المستتر لا الإفصاح المعتاد.

وهل نجح البناء الدرامي في احتواء هذه التأويلات؟

للإجابة، ينبغي النظر إلى البنية السردية، حيث تنفتح الشاشة في الدقائق الأولى على مَشاهد متناثرة، نرى خلالها طفلًا يلعب مع والده في إحدى القرى الأفريقية المطلّة على البحر. نلمح ما يشي بحياة سعيدة، حتى يُختطف هذا الطفل، ويُلقى به في بطن إحدى السفن المتّجهة إلى مصر، وهناك يُباع، برفقة امرأة أخرى، إلى تاجر الرقيق «محروس».

بعد توالي هذه الدفقة من المَشاهد، نخرج تلقائيًا من التمهيد الأول للأحداث إلى بدايات الفصل الثاني، والأطول نسبيًا في مساحة الرقعة السردية، التي يبلغ مداها الزمني نحو ساعتين تقريبًا، في اعتماد، ولو ظاهريًا، على مبدأ الفصول الدرامية الثلاثة.

أسد (2026)
أسد (2026)

ويُنسج المحتوى عبر خيوط متصلة، تستند في باطنها إلى الثنائيات. البداية مع الخطّ الأساسي والقائم عليه الهيكل العام للحكاية (أسد/ليلى)، علاقة الحبّ المحرَّمة بين العبد والسيدة، في إعادة صياغة مبرَّرة نوعًا ما لفكرة مستهلكة، لكنها مُجدية وتؤسِّس لخلق صراع محتدم ومنطقي في آن.

في حين ينطلق الخط الثاني (يكن/درية) من فكرة عدم الرضا عن الهوية. «درية» (إيمان يوسف)، تلك العبدة صاحبة البشرة الداكنة، والدة «يكن» (علي قاسم)، الذي يخفي خلف أطنان المساحيق التجميلية لونه الحقيقي، ومن ثم يحظى بميزات الأسياد، بل يتشارك تجاريًا مع «محروس» في جلب الرقيق وبيعه.

أسد (2026)
أسد (2026)

أما الخط الثالث، فيلتقط العلاقة المتأزمة بين الوالي محمد سعيد (ماجد الكدواني) وابنه (أحمد داش)، فالاحتكاكات بدأت وتيرتها في التصاعد بينهما بعد عودة الأمير الصغير من أوروبا، الذي يرى، بحكم تأثره بالتربية الغربية، ضرورة التخلُّص من تجارة العبيد، التي تسيء بالتأكيد إلى مظاهر الحضارة المنقولة نقشًا من الخارج.

وهكذا تنتقل دفة السرد بالتناوب بين هذه الخطوط الثلاثة، وما يرافقها من بعض الخطوط الفرعية الأخرى، التي من المفترض أن تسهم جميعها في دفع عجلة السرد إلى الأمام، مما يضفي سلاسة على الإيقاع، لكن النتيجة جاءت على العكس.

فالملاحَظ أنّ قماشة الحكاية قد استُهلكت بفعل البدانة السردية، وتحديدًا في الفصل الثالث، الذي يعتمد أغلبه على مشاهد الحركة، وهذا لا يعيبه بالتأكيد، لكن المهارة الحقيقية تكمن في إدراك متى وأين ينبغي التوقف، أو، بمعنى أكثر دقة، معرفة التوقيت المثالي للوصول إلى درجة التشبُّع والارتواء (الفيلمي)، حتى لا يُصاب السرد بعوارض السّمنة المُفاجئة.

قضايا شائكة

بعد إعلان الوالي إلغاء تجارة الرقيق، والسماح لمَن يرغب في الاعتاق، يتوجه «أسد» على الفور ويرفع طلبه إلى شيخ الحارة، الذي يبعث بدوره إلى «محروس» بصفته المسؤول الأوحد عن هذا العبد الجريء. ومنذ تلك اللحظة، ستصل الأحداث إلى الذروة المُنتظرة، وستبدأ الاشتباكات بين الطرفين، العبيد والأسياد، في التصاعد والاشتعال.

أسد (2026)
أسد (2026)

وعندئذ يمكن قراءة معالم الصراع الدرامي على نحو أكثر اتساعًا. صحيح أن الصراع الرئيسي يدور حول الحرّية والعدالة والرغبة في الانفلات من أسر السلطة الأبوية، والمتمثّلة في صورة الوالي وتاجر الرقيق، وإنما ثمة تأويل أعمق يمكن استنباط دلالاته بين سطور الحكاية، إذ يمكن، بمنتهى السهولة، إحالة هذا النزاع بصورته المجرَّدة الأحادية إلى لوحة أكبر عن الصراع الدائم بين الفرد والسلطة، وهذا لا يرتبط بصيغة زمنية محدّدة.

وهنا لا بد أن يُستدعى السؤال عن مدى نجاح الفيلم في تجاوز قائمة الانتظار.

لا شك أنّ النسبة الأكبر من أعمال محمد دياب، سواء على مستوى الإخراج أو الكتابة، لا تكتفي بالاشتباك مع جمود الثوابت الفكرية أو المجتمعية المُتعارف عليها، لكنها تنثر كذلك توابل الإثارة والجدل، وبالتالي ستتردّد الأصوات العالية حول المنتج الفيلمي، ويخفت صوت الفيلم ذاته، وهذا ما حدث مع هذه التجربة أيضًا.

فرغم جرأة الطرح وأهميته، وما يوازيه من تميّز واضح للعناصر الفنية مثل الصورة والموسيقى التصويرية والأداء التمثيلي، وتحديدًا لمحمد رمضان، المختلف كليًا عن الصورة النمطية المعتادة، فإنّ السؤال المُباغِت بعد المشاهدة يبقى: ما الشيء الغريب والمُقلق في هذه السردية؟

أسد (2026)
أسد (2026)

نحن أمام حكاية طفل أفريقي اختُطف من أهله، وتحول بمرور الزمن إلى عبد لدى تاجر الرقيق المصري، الذي لا يملك سوى ابنة من زوجته الشامية. هذا العبد سيقع في حبّ المرأة الشامية، وسينجبان

طفلًا سيحمل بالتأكيد لون بشرة الأب، وكلّ هذا يدور في مكان واحد، وهو مصر المحروسة آنذاك.

إذن، أين صاحب الأرض في هذه الحكاية؟

لا شيء، سوى أنه شخصية هامشية لا يعنيها سوى الثروة وجمع المال، مثل «محروس» و«يكن»، لتبدو حينها الصورة على هذا النحو: مجموعة من العبيد تناضل ضدّ المصريين من أجل حرّيتها.
هذا سيُعيدنا تلقائيًا إلى سجالات التاريخ الذي لم يُخبرنا ولم يرد في صفحاته، عن حدوث شيء مماثل، أو أن تلك المرحلة شهدت انتهاكات ضدّ هذه الفئة.

بدوره، سيحيلنا هذا إلى حدود العلاقة بين التاريخ والفنّ؛ أيهما يسبق الآخر ويحتوي شطحاته؟ فالمفترض أنّ الخيال الإبداعي يُعيد تدوير الحوادث التاريخية وتشكيلها، ويرتب أوضاعها بما يخدم البناء الدرامي، لكن عندما يلجأ هذا الخيال إلى خَلْق ما لم يحدث، ستختلف حينها إحداثيات القراءة، بما يعكس تأريخًا موازيًا، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، لأن ليس كل الحكايات صالحة لإعادة الصياغة.

اقرأ أيضا: «الكرة السوداء»: هل يقع الفاشيون في الحب؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق