يُشكِّل فيلم «فجأة» لريوسكي هاماغوتشي، المعروض ضمن فعاليات مهرجان «كانّ» السينمائي، امتدادًا لمسار سينمائي ظلَّ المخرج الياباني يبنيه ويصوغه خلال الأعوام الأخيرة، واضعًا الزمن على هيئة مادة شعورية يمكن للإنسان أن يعيش داخلها ويتغيَّر عبرها.
فمنذ «ساعة سعيدة» (2015، Happy Hour)، المحطة التي شكَّلت اكتشاف هاماغوتشي على خريطة السينما العالمية، وصولًا إلى «قودي سيارتي» (2021، Drive My Car)، الانفجار الأكبر في مسيرته، كان هاماغوتشي من القلائل الذين أدركوا قيمة الامتداد الزمني في السينما على أنه ضرورة لفهم الإنسان الحديث الذي لا يكشف نفسه إلا عبر الالتفاف الطويل حول جراحه الداخلية.

وفي هذا العمل، يصل هاماغوتشي إلى أكثر أشكال مشروعه تجريدًا من البنية التقليدية، متخليًا تدريجيًا عن ثبات السرد، ودافعًا شخصياته نحو حالة تيه ليلية ممتدّة يصبح الزمن داخلها هو التجربة الشعورية الأساسية للفيلم؛ زمن المشي والكلام، وزمن الإنهاك البشري الذي لم يعد يجد لنفسه مكانًا داخل هذا العالم.
ويضعنا المخرج منذ البداية أمام بنية اجتماعية شديدة التعقيد داخل مركز الرعاية، وذلك عبر اللغة اليومية للشخصيات نفسها. فمديرة المركز «ماري-لو» امرأة تؤمن بالرعاية الإنسانية، لكنها تُمثّل في الوقت عينه شكلًا من البرجوازية التي أعادت تغليف العنف البنيوي بلغة التعاطف والاحتواء.
ومن خلال مفهوم الـ«Humanitude»؛ وهي فلسفة تقوم على رفض اختزال المريض إلى جسد يُدار سريريًا أو حالة تنتظر نهايتها، والنظر إليه بدلًا من ذلك على أنه إنسان كامل الوعي والشعور، يبدأ هاماغوتشي بطرح الرعاية على شكل جزء من اقتصاد عاطفي متكامل، تصبح فيه الإنسانية نفسها قابلة للإدارة والتنظيم.

وهنا ندرك أنّ «فجأة» يُمثّل امتدادًا أكثر راديكالية لما كان هاماغوتشي يلمّح إليه في «الشر لا وجود له» (2023، Evil Does Not Exist). فكما تحوَّلت الطبيعة هناك إلى مساحة تفضح هشاشة الأخلاق الحديثة، يأتي الجسد في «فجأة» ساحةً يكشف فيها النظام حدود إنسانيته. فكبار السنّ يتحوّلون إلى عناصر يُتعامل معها على هيئة آثار جانبية لعالم لم يعد يرى قيمة للحياة خارج الإنتاجية.
وإنما هاماغوتشي، على عادته، يبني ذلك عبر انزياح تدريجي في الإيقاع. فمع دخول «ماري»، المسرحيّة اليابانية المصابة بالسرطان، يحدث التحوّل «فجأة»، ويتغيَّر الفيلم بالكامل، ليعود هاماغوتشي إلى أكثر ثيماته السينمائية خصوصية: الامتداد، والإنصات، وترك اللغة تتحرّك بحرّية داخل الزمن، حين يتحوَّل الحوار إلى شكل من أشكال العيش المشترك.

شخصيتان تمشيان في باريس، تتنقلان بين عدد لا نهائي من الموضوعات، لكن ما يمنح الفيلم قوته هو الطريقة التي تتشكل بها هذه الموضوعات داخل هذا الامتداد الليلي الهائم.
وهكذا يعيد هاماغوتشي في «فجأة» صياغة عدد من التقاليد السينمائية الممتدّة من إريك رومير وجاك ريفيت، وصولًا إلى البرتغالي مانويل دي أوليفيرا، من دون أن يفقد خصوصية سينماه. فكما كانت اللغة عند رومير أداة للإغواء الفكري والعاطفي، وكما تحوَّل التجوال داخل المدينة عند ريفيت إلى فعل بحث وجودي مفتوح الاحتمالات، يضيف هاماغوتشي إلى كلّ ذلك حساسيته الخاصة تجاه الزمن بوصفه حالة تأمل مستمر.
وتتحوَّل باريس هنا إلى مدينة شبحية؛ ليست باريس البطاقات البريدية، بل باريس الليل الطويل، والأرصفة الفارغة، والممرّات الزجاجية الباردة.
ومن خلال هذا التسكُّع الطويل داخل الليل، يبني هاماغوتشي إحدى أكثر العلاقات النسائية هشاشة وامتلاء بالحياة في سينما السنوات الأخيرة؛ ماري-لو وماري، على أنهما كائنان التقت وحدتاهما في اللحظة المناسبة.
وشيئًا فشيئًا، تصبح كل واحدة منهما مرآة خافتة للأخرى، كأنهما تعرفان بعضهما منذ زمن بعيد، أو كأنّ هذا اللقاء كان ينتظرهما في مكان ما من حياتيهما من دون أن تُدركا ذلك.
ويحتفي هاماغوتشي بتلك المصادفات الصغيرة التي تغيّر مصير الإنسان، وكلّ ذلك بهدوء، ومن دون ضجيج لحظات الكشف الكبرى.

ويأتي المرض هنا مثل حقيقة تتسلَّل بهدوء إلى الجسد والوقت معًا. فالموت ليس نهاية بقدر ما هو وعي جديد بالحياة، ووعي بأنّ الزمن يُقاس بقدرة الإنسان على أن يجد، ولو متأخرًا، شخصًا يستطيع أن يسير معه في العتمة.
ومن هذه النقطة تحديدًا يكتسب فيلم هاماغوتشي قوته الحقيقية، حين تتحوَّل الرعاية إلى فعل مقاومة ضدّ عالم يسحب من البشر قدرتهم على الإصغاء.
وحتى في اللحظات التي يقترب فيها الفيلم من صورة الكمال، فإنه يبقى محمولًا على صدق يمنعه من التحوّل إلى ابتزاز وجداني، وربما لأن «فجأة» فيلم يحوم حول كيفية العيش داخل معرفة النهاية؛ شخصيات تبحث عن لحظات صغيرة تستطيع الحياة خلالها أن تستعيد شيئًا من معناها المُهدَّد.
وهكذا تبدو السينما عند هاماغوتشي، مرّة أخرى، فعل إصغاء للعالم ومحاولة عنيدة لمنح الآخر وقتًا يكفي لأن يصبح إنسانًا.
اقرأ أيضا: «نمر من ورق»… ماذا لو لم يأتِ الروس؟