اعتدنا، نحن المتابعين للمشهد السينمائي، أن نقترب من الأعمال عبر زاوية فنية بحتة، نُحلّل لغتها البصرية، ونُفكّك عناصرها، ونتوقّف عند نقاط قوتها وضعفها. وغالبًا ما نتناول أعمالًا جماهيرية ناجحة يراها البعض دون المستوى، فنشير إلى عيوبها، لتتباين ردود الفعل بين مؤيّد ومُعارض.
في هذه المقالة، نُغادر هذا الإطار عمدًا عند الحديث عن أفلام «إم بي سي استوديوز». لن نتوقّف عند الإخراج أو الصورة أو البناء الدرامي، وإنما سننظر إلى الموضوع من زاوية الجمهور والأرقام، ونسأل: هل نجحت هذه الأفلام تجاريًا؟
للإجابة، سننظر إلى مؤشّرات مثل شباك التذاكر، وحجم الحضور الجماهيري، واستمرارية العرض في الصالات. إنها لغة الأرقام؛ اللغة الوحيدة التي يصعب التلاعب بها، بعيدًا عن الصخب الإلكتروني.

في عام 2018، أطلقت مجموعة «إم بي سي» ذراعها الإنتاجي «إم بي سي استوديوز»، واضعةً لنفسها هدفًا طَموحًا يتمثّل في الاستثمار في صناعة محتوى سينمائي وتلفزيوني واسع ومتنوّع، موجَّه للجمهور السعودي أولًا، ثم العربي والإقليمي، وصولًا إلى الأسواق العالمية. وقد رافق هذا المشروع خطاب كبير عن الإنتاجات الضخمة، والمعايير العالمية، والتفوّق التقني، والانفراد في المحتوى، إلى جانب ميزانيات ضخمة وطموحات تنافس كبرى الاستوديوهات العالمية.
وكان من أوائل هذه المشاريع فيلم «محارب الصحراء»، الذي قُدِّم على أنه أضخم إنتاج سينمائي في تاريخ المجموعة، وأول فيلم عالمي ضخم يُصوَّر في «نيوم». بدا الفيلم حينها كأنه الإعلان الرسمي عن دخول «إم بي سي» إلى سوق السينما العالمية، ليكون المشروع الذي يُفترض أن يعكس حجم الطموح والإمكانات التي تراهن عليها المجموعة.
غير أنّ تتبُّع مسار أفلام «إم بي سي استوديوز» خلال السنوات الماضية يكشف صورة مختلفة؛ صورة تميل في مجملها إلى الخسارة أكثر من الربح، ليس على أنها تعثر بالمصادفة أو حالة استثنائية، وإنما مسار يتكرّر مع أكثر من تجربة سينمائية.
«محارب الصحراء» نموذجًا
يدعم هذا الطرح أحدث إنتاجات المجموعة وأقدمها في الوقت عينه، كونه من أوائل مشاريع وإنتاجات الاستوديو. ورغم تضارب الأرقام حول ميزانيته، فإنّ التقديرات المتداولة تضعها عند ما لا يقلّ على 150 مليون دولار.

رافق الفيلم زخم إعلامي لافت منذ مراحل التصوير، وتداولت أخبار عن ترشيحه للمشاركة في كبرى المهرجانات السينمائية، مثل «برلين» و«كانّ» و«فينيسيا». لكن حضوره اقتصر في النهاية على «مهرجان زيوريخ»، قبل أن يُعرض لاحقًا ضمن فعاليات «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، خارج المسابقة الرسمية.
هكذا مرَّ الفيلم مرورًا هادئًا في محطاته، من دون أن يُحقّق صدى نقديًا يُذكر، رغم الحملة الترويجية الواسعة التي سبقته ورافقت عروضه.
وتزامن هذا الحضور الباهت مع تصريحات صحافية لمخرجه، أعرب فيها عن استيائه من النسخة النهائية التي وصلت إلى الجمهور، مؤكدًا أنه لم يُشرف على مرحلة المونتاج بسبب ما وصفه بـ«تدخّلات» في عمله، ومشيرًا إلى حجم التغييرات التي طرأت على الفيلم بعد انسحابه من استكماله.
الفيلم… لمَن؟
في ما يخصّ فيلم «محارب الصحراء»، يبدو الموضوع مُتشعّبًا. فبدايةً من تأخّر عرضه منذ انتهاء تصويره عام 2021، رغم جاهزيته للمشاهدة، وصولًا إلى طرحه أخيرًا في الصالات عام 2025، يتكشَّف جانب مهم من الأزمة التي واجهها المشروع. فالأفلام الضخمة تعتمد على الزخم؛ زخم الإعلان، وزخم الترقب، وزخم اللحظة التي يُراد صناعتها حول العمل. وعندما يتأخّر فيلم بهذا الحجم لسنوات لأسباب فنية – وحوار المخرج دليل على ذلك- يتحوَّل المشروع من «حدث منتظر» إلى فيلم تطارده الأسئلة حول أسباب التأجيل والتعديل.
نقطة أخرى انتشرت، وهي مقولة إنّ «الفيلم موجّه للغرب»؛ عبارة تصدَّرت الخطاب الدفاعي عنه، وتكرَّرت في أكثر من مناسبة، لكنها سرعان ما تلاشت أمام اختبار الواقع.

فمنذ عرضه الأول في ديسمبر الماضي أثناء مهرجان البحر الأحمر السينمائي ، ووصولًا إلى انطلاقه التجاري في الأسبوع الثالث من أبريل، لم تُظهر المؤشّرات الترويجية أيّ قدرة لافتة على جذب الجمهور خارج محيطه. وجاءت الأرقام لتؤكد هذا المسار؛ إذ لم تتجاوز إيراداته خارج المملكة، في أسبوع الافتتاح، 472 ألف دولار، وهو رقم متواضع جدًا قياسًا بميزانيته الضخمة .
وبناءً على ذلك، يندرج الفيلم ضمن خانة الإخفاق التجاري الواضح. ومع طرحه عالميًا، وعرضه محليًا في صالات السينما السعودية وبعض الصالات العربية، أصبح، بعد ثلاثة أسابيع من عرضه، مُهدّدًا بالخروج من دُور السينما، بأرقام متواضعة لا تتناسب مع حجمه الإنتاجي؛ إذ لم تتجاوز إيراداته 446.8 ألف ريال، مع بيع نحو 8.7 آلاف تذكرة فقط في عشرة أيام من عرض.
أفلام «إم بي سي»… إلى أين؟
في مقولته الشهيرة، يصف أينشتاين توقُّع نتيجة مختلفة مع تكرار الفعل ذاته بالطريقة نفسها بأنه ضرب من العبث؛ وهي مفارقة تبدو حاضرة عند النظر إلى مسار «إم بي سي». فبالعودة إلى مشاريعها السابقة وتتبُّع أدائها نقديًا وجماهيريًا، لا يبدو فيلم «محارب الصحراء» حالة استثنائية أو مفاجئة، وإنما امتداد لمسار طويل من الأفلام السينمائية التي لم تُحقّق حضورًا يُذكر، لا نقديًا ولا تجاريًا، وسرعان ما تلاشت من الذاكرة كأنها لم تكن.
والمفارقة أنّ هذه النتائج تصدر عن جهة تُعدّ من الأكثر خبرة وتأثيرًا وجرأة في صناعة المحتوى العربي؛ مؤسّسة تمتلك تاريخًا راسخًا في التلفزيون، ونجاحات واضحة في المنصات الرقمية، إلى جانب قدرات إنتاجية وتسويقية كبيرة.
بمعنى آخر، نحن أمام مؤسّسة يُفترض منطقيًا أن تنجح، أو على الأقل أن تقترب من النجاح عبر خطوات مدروسة. فأين يكمن الخلل؟

للإجابة، يمكن التوقّف عند عدد من المشاريع السينمائية السعودية التي تعثَّرت في طريقها إلى الجمهور، مثل «ملك الحلبة» الذي أُنتج عام 2023 من إخراج الإماراتي محمد سعيد حارب، و«شهد» الذي أُنتج عام 2024 من إخراج آشلي أفيس، وفيلم «سكة طويلة» للمخرج اللبناني عمر نعيم، الذي أُنتج عام 2022، وفيلم «إلى ابني» للمخرج التونسي ظافر عابدين، الذي أُنتج عام 2024، و«حوجن» والذي حقّق حضورًا جماهيريًا مقبولًا بتجاوزه حاجز 100 ألف تذكرة، لكنه يظل رقمًا متواضعًا إذا ما قورن بحجم التوقّعات المحيطة به، خصوصًا مع الشعبية الكبيرة للرواية التي استند إليها، وحجم ، و فيلم «كيان» الذي أُنتج سنة 2022 ، وأخرجه السعودي حكيم جمعة، وصوِّر في مصر.
وعند تتبُّع مسارات هذه الأعمال، يظهر نمط متكرّر؛ إذ تبدو هذه الأفلام، رغم تصنيفها «أفلامًا سعودية»، مُفتقرةً بشكل واضح إلى الروح السينمائية المحلّية. أفلام تحمل الغلاف السعودي فقط، أو يمكن القول إنها سعودية على الورق، لكنها بعيدة عن التجربة السعودية فعليًا، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الحسّ الثقافي والبصري. وكأننا أمام أفلام تُنتج داخل السعودية، لكنها لا تنتمي بأيّ شكل حقيقي إلى تجربتها السينمائية.

قد يُطرح هنا تفسير جاهز يتعلّق بندرة الكفاءات المحلّية، لكن هذا الطرح لا يصمد أمام ما يشهده المشهد السينمائي السعودي من تطوّر لافت. فخلال السنوات الأخيرة، نجحت أفلام سعودية في ترك بصمتها داخل صالات العرض، وتصدَّرت شباك التذاكر لأشهر، مُحقّقةً أرقامًا بارزة. كما سجّلت أعمال أخرى حضورًا لافتًا في مهرجانات دولية، مثل «نورة» و«هجرة »، ووصل بعضها إلى منصات عالمية كـ«نتفليكس»، ومنها «ناقة» و«راس براس» و«جرس إنذار». وكلّ ذلك تحقَّق بأيدٍ سعودية، كتابةً وإخراجًا وتمثيلًا.
ولعل تجربة «تلفاز11» تُقدّم مثالًا على هذا المسار. فرغم الفوارق الهائلة في الإمكانات مقارنةً بإمبراطورية «إم بي سي» الإعلامية، استطاع الاستوديو تقديم أعمال متنوّعة، نجح عدد كبير منها جماهيريًا، بينما تعثَّر بعضها الآخر، وهو أمر طبيعي في أيّ صناعة سينمائية حيّة.

ومن النماذج الناجحة المميزة : «هوبال»، و«الهامور ح.ع»، و«سوار»، و«فخر السويدي»، و«إسعاف». وهنا تتجلَّى المفارقة. ففي كلّ عام، تظهر أفلام سعودية قادرة على تحقيق حضور وتأثير، رغم محدودية الإمكانات نسبيًا، في حين أنّ الجهة التي تمتلك موارد أوسع، وشبكة توزيع أكبر، وخبرة تراكمية في صناعة المحتوى، لا تزال تجد صعوبة في تقديم فيلم سينمائي سعودي واحد يرسخ حضوره بتميُّز حاسم. ولا يزال المخرج السعودي يُثبت نفسه في كل مكان، إلا لدى صانع القرار السينمائي في «ستوديو إم بي سي».
المشكلة إذًا تكمن في «الاختيارات». من هنا نسأل: على أي أُسس تُبنى اختيارات النصوص والمخرجين؟ وما الذي يحكم الرؤية العامة لهذه المشاريع؟ وإلى متى يستمر تجاهل التراكم المحلّي، وعدم الاستثمار في صنّاع أثبتوا حضورهم، مقابل الاعتماد على أسماء بعيدة عن المشهد السينمائي السعودي، لا تُعايش سياقه ولا تنتمي إليه؟ والنتيجة أفلام لا تجد جمهورها، مهما ارتفعت ميزانياتها، ومهما أُنفِق على تسويقها.
ويبقى السؤال الأهم الذي يتكرّر منذ سنوات: لماذا يستمر هذا التعثُّر رغم كلّ ما هو متاح من إمكانات؟ وإلى أين تتّجه أفلام «إم بي سي»؟
الأكيد أنّ «إم بي سي» مؤسّسة سعودية رائدة، شكَّلت جزءًا من الذاكرة الإعلامية في المنطقة، ونجاحها ليس خيارًا ثانويًا، وإنما ضرورة لصناعة كاملة. من هنا، فإن الحديث عن تعثّرها السينمائي لا يأتي من باب الهجوم أو التصيد، وإنما من موقع الحرص على كيان بحجم تأثيرها، وعلى حضور يوازي إمكاناتها.
فهي مؤسّسة تملك الأدوات والخبرة والقدرة على الوصول، وكلّ ما يؤهلها للنجاح. لذلك، فإنّ أيّ خلل في نتائجها يستدعي مراجعة جدّية.
ومع أخبار عدّدة لم تتأكَّد حتى الآن عن تغييرات تخصّ المحتوى السعودي، تحديدًا مع تعيين الكاتبة ميعاد الروقي مسؤولة عنه. فهل نشهد تصحيحًا فعليًا يُعيد توظيف هذه القوة بما يليق بها وبالسوق السعودية، أم تستمر الدائرة نفسها، بأسماء مختلفة… ونتائج متقاربة؟
اقرأ أيضا: «شاهد» و«شاشا» و«ثمانية»… سباق جديد في سوق المنصات العربية