في رائعة «Billie Jean» لمايكل جاكسون، تستهلك المقدّمة الإيقاعية أربع ثوانٍ من «الدرامز» المنفرد، قبل أن يتسلَّل خط «البيز» المراوغ، لتظهر بعدها نغمات «الكيبورد» الأيقونية عند الثانية العشرين. يُحكى أنّ هذه الثواني الأولى كانت موضع خلاف حاد بين مايكل جاكسون، الذي تمسّك بها، ومنتج ألبومه، الذي رأى في امتدادها الزمني ضربًا من الجنون، متوقّعًا أن يعمد منسّقو الإذاعات إلى اختصارها عند بثّ الأغنية، بحجّة أنّ الإيقاع وحده لن يجذب المستمع.
ذلك الخلاف كان نافذة كاشفة لصلابة الرؤية الفنية لدى مايكل؛ إذ تحوّلت تلك المقدّمة لاحقًا إلى بطاقة هوية سمعية لعقد الثمانينات بأكمله. فقبل مايكل جاكسون، لم تكن كلمة «Groove» تحمل دلالتها الراهنة؛ «الغرووف» ليس مجرّد نقرات إيقاعية، بل بنية صوتية متكاملة ومعقّدة، تتكرّر وفق رياضيات زمنية دقيقة، تُجبر الجسد على الاهتزاز والقدم على طرق الأرض.
هذه الفكرة، التي شيّد عليها مايكل مجده، والتي تُشرّح الزمن إلى أجزاء من الثانية لتضع كلّ نوتة في موضعها المثالي، هي تحديدًا ما افتقده فيلم السيرة الذاتية «Michael» فوقع العمل في فخاخ عشوائية السرد وسطحية التناول. وبينما يروي حكاية فنان مهووس بالدقّة الإيقاعية، جاء بناؤه الدرامي مفتقرًا لأي «إيقاع» أو نظام، منشغلًا بصراعات واهية، وانتقالات زمنية باردة، وذروات فنية غائبة، وتطوّر شبه منعدم للشخصية الرئيسية، التي تبدأ «طفلًا بريئًا» وتظلّ «طفلًا بريئًا» حتى النهاية، لكن بجسد رجل ناضج.
«مايكل» الفرد في مواجهة الجماعة
الفيلم من بطولة جعفر جاكسون، الذي قدّم أداءً لافتًا ومقنعًا يُعد «الحسنة الوحيدة» في هذا العمل، من إخراج أنطوان فوكوا وكتابة جون لوغان.
اختيار عنوان الفيلم «مايكل» مجرّدًا من «جاكسون» كان قرارًا واعيًا يشي بالصراع الأبرز الذي يحاول العمل ملامسته: تحوّل الفنان من «ترس» داخل عائلة «جاكسون» إلى فنان «سولو» متفرّد، ساعيًا إلى قطع الصلة مع النجاح الجماعي الذي كان يبتلع تفرّده الاستثنائي، ليكون «مايكل»… فقط.

هذا المسار يتقاطع مع محاولة الانعتاق من سلطة الأب المتغطرس، الذي استنزف طفولة أبنائه في سبيل الثروة. ورغم أنّ هذه العقدة ليست سوى قطرة في بحر أزمات «مايكل»، فإن الفيلم منحها حيّزًا زمنيًا واسعًا، من دون أن يغوص في عمقها، بل سطّحها إلى حدّ كبير؛ فبدا الأشقاء كأنهم «كومبارس» بلا تأثير يُذكر في مجرى الأحداث، فيما ظهر الأب شخصيةً أحاديةً كاريكاتوريةً في ممارستها للتسلّط والبراغماتية. وحتى هذا الصراع، لم يُقدَّم بوتيرة متماسكة، بل تاه في تفرّعات عشوائية، من بينها المرور العابر على أزمة مرض البهاق من دون التوقّف عند أثرها النفسي، وكذلك الحادثة التي تعرّض لها مايكل خلال تصوير إعلان، وفقد بسببها جزءًا من شعر رأسه.
الهروب من «الشائك» إلى «السطحي»

يُركّز الفيلم على الفترة الممتدّة من منتصف الستينات، أي مرحلة الطفولة مع فريق «Jackson 5» وصولًا إلى عام 1988، نهاية جولة ألبوم «Bad» الشهيرة، متجنّبًا عمدًا المرحلة اللاحقة التي شهدت اتهامات التحرّش بالأطفال. ورغم أنّ جانبًا من النقد الموجّه للفيلم ينطلق من زاوية أخلاقية تتّهمه بمحاولة تلميع الصورة، فإن الاعتراض هنا، كنقد فنّي وصوت لا يُسلّم بتلك الاتهامات، لا يتعلّق بتجاهل الجانب الجدلي في حياة مايكل، بقدر ما يرتبط بفشل الفيلم في تقديم الجانب المضيء الذي وعد به منذ البداية: التجربة الإبداعية في سنوات ذروة موسيقى .«Pop»
يقدّم العمل كواليس مقتضبة عن الأغنيات، بمنطق المعجب المبهور لا الراوي المتأمّل، مكتفيًا باستعراض لحظات التفوّق والنشوة والنجاح، وكأنه مكتوب من وجهة نظر أحد «Fans» الذين يحاصرون منزل النجم طلبًا لتوقيع.
كواليس مبتورة ونوستالجيا باردة
تحاشى الفيلم الدراما في حياة مايكل الشخصية، وهذا خيار يمكن تفهّمه، لكنه في المقابل تحاشاها أيضًا في «مطبخه» الفنّي. هنا تحديدًا تكمن المشكلة؛ في تلك التفاصيل والحكايات التي تزخر بها الوثائقيات والكتب عن مايكل جاكسون، والتي تحمل من الدراما والإثارة ما يفوق بكثير ما يقدّمه الفيلم، المفترض به أصلًا أن ينتمي إلى «الدراما».

ألبوم «Off the Wall» الذي يتمحور حوله السرد بوصفه نقطة انطلاق «الصولو كارير» لمايكل، يقدّمه الفيلم على هيئة رحلة وردية نحو النجاح. وإنما الواقع كان أكثر تعقيدًا؛ إذ شكّل الألبوم ساحة لإحباط عميق واكتئاب حاد، بعد إخفاقه في حصد جوائز «الغرامي» الكبرى، مكتفيًا بجائزة هامشية. ذلك الحدث، بما ينطوي عليه من انكسار، كان دافعًا دراميًا حقيقيًا قاد مايكل إلى طموح التعويض والعودة القوية عبر الألبوم اللاحق «Thriller».
حتى في مقاربة مصادر الإلهام لدى مايكل جاكسون، مال الكاتب، بحُكم خلفيته المسرحية، إلى التركيز على الجانب البصري والحركي. فحاول، عبر مَشاهد تكرارية باهتة، تتبُّع أصول رقصة «Moonwalk»، بالإشارة إلى تأثر مايكل بأفلام هوليوود الكلاسيكية، حين كان طفلًا يشاهد التلفزيون مع عائلته ويُعجب بجين كيلي وفريد أستير.

لكن أين الإلهام الموسيقي؟ أين «مطبخ» النغمات والإيقاعات؟ هذا الجانب غاب بالكامل. لم نشهد، على سبيل المثال، كيف استُلهم إيقاع «Billie Jean» من أغنية «I Can’t Go for That» لداريل هول وجون أوتس، إلى حدّ وُجّهت معه اتهامات بالاقتباس. مثل هذه التفاصيل كانت كفيلة بصناعة دراما موسيقية حقيقية، لكنها غابت تمامًا. وكأن الفيلم تعمّد تجاهلها، ربما باعتبارها جزءًا من «النميمة».
لكن، هل عوَّض هذا الغياب بتفاصيل أكثر عمقًا وقيمة؟
الإجابة: لا.
الملك… في مواجهة «الست»
بالنسبة إلى الجمهور العربي، تبدو المقارنة بين فيلمَي «الست» و«مايكل» شبه حتمية، بحكم تقارب توقيت طرحهما، واشتراكهما في تناول سيرة اثنين من أبرز رموز الغناء في الشرق والغرب. وإنما مساراهما يبدوان متعاكسين تمامًا. فـ«الست» كان واضحًا منذ البداية في انحيازه إلى البُعد الإنساني، بانعكاساته النسوية والسياسية والاجتماعية، حتى على حساب المسيرة الفنية. أما «مايكل»، فقد اختار الاتجاه المعاكس، متذرّعًا بالتركيز على المسيرة الفنّية للتهرّب من القضايا الشائكة، لكنه، على نحو لافت، لم يُنصف هذه المسيرة، ولم يتعمّق في طبقاتها أو يتأمَّل أعمدتها.
وإذا كان من الممكن تفهّم تغييب شخصية بحجم رياض السنباطي في «الست»، بوصف الفيلم غير معنيّ بالتشريح الموسيقي، فإنّ من المشروع تمامًا مساءلة «مايكل» عن التهميش المجحف لشخصية كوينسي جونز، الموزّع الموسيقي لأهم ألبومات مايكل جاكسون، وأحد الأعمدة الرئيسية في القفزة الموسيقية التي أعادت تعريف ما يُعرف اليوم بموسيقى «Pop».

يظهر كوينسي جونز في الفيلم كأنه «خيال ظلّ»، في لقطتين عابرتين يكتفي فيهما بالابتسام وهزّ الرأس إعجابًا بموهبة مايكل، فيما يُمنح مدير الأعمال المحامي جون برانكا حضورًا لافتًا، يُقدَّم من خلاله جنديًا مجهولًا وراء النجاح. هذا التوازن المختلّ يوحي بأن مشروع «مايكل» كان نجاحًا إداريًا وتسويقيًا فحسب، لا ثورة فنية قادها موسيقيون أعادوا تشكيل الذائقة العالمية.
هنا، يقع الفيلم في تناقض جوهري مع نفسه؛ إذ يقوّض، من حيث لا يدري، محاولات التمجيد الفني التي بدأها، ويُفرغها من معناها.
قصة… أم «DJ»؟!

تأتي إعادة تمثيل الفقرات الاستعراضية في الفيلم كأنها محاكاة آلية باردة، هدفها استعراض قدرة المخرج على التقليد، وقدرة جعفر جاكسون على التقمّص والرقص والحركة. نعم، ثمّة تميُّز كريوغرافي واضح في التتابع الخاص بكواليس فيديو كليب «Thriller»، لكن المونتاج المتساهل يترك الأغنيات تُعرض بتوزيعاتها الرسمية وبزمنها الكامل داخل الفيلم، ممّا يخلق حالة من الرتابة. فنحن نعرف هذه الأعمال عن ظهر قلب، وما ننتظره من سينما السيرة الذاتية الموسيقية هو ما وراء الأغنية، لا الأغنية ذاتها.
أخيرًا، لا يبدو الفيلم أكثر من فرصة ضائعة؛ إذ يتعامل مع إرث مايكل جاكسون بمنطق «الدي جي»، المكلَّف بتشغيل قائمة «أفضل الأعمال» من دون أن ينسج سياقًا دراميًا أو يقدّم انعكاسًا حقيقيًا على حياة الفنان والإنسان. يتكرّر هذا النهج مرارًا، وصولًا إلى مشهد ختامي مبهر بصريًا، لكنه فارغ دراميًا، لا يفضي إلى فكرة، ولا يفتح أفقًا لقراءة جديدة لـ«مايكل» بوصفه ظاهرة موسيقية واستعراضية.