فاصلة

مقالات

عبد الله المحيسن: لا أؤمن بالتقاعد فلا يزال لدي ما أقوله

Reading Time: 3 minutes

فتح رائد السينما السعودية، المخرج عبد الله المحيسن، قلبه خلال «ماستر كلاس» أقيم احتفاءً بتكريمه في مهرجان «مالمو» للسينما العربية في دورته السادسة عشرة، مُقدّمًا قراءة مباشرة لتجربته مع الفنّ والحياة، عبر مسار طويل من التكوين والصراع والتأمّل، في جلسة أدارها الناقد العراقي عرفان رشيد، وركَّزت على ملامح شخصيته وخلفيات تكوينه التي أسهمت في تشكيل هويته الفنّية.

انطلق المحيسن من فكرة أساسية مفادها أنّ الذاكرة الإنسانية تُبنى من الصور، إذ يختزن الإنسان في طفولته مَشاهد تُلازمه طوال حياته، تتحوَّل إلى مرجع داخلي يوجّه اختياراته من دون وعي مباشر. ومن هذا المنطلق، عاد إلى ذاته بحثًا عن اللحظة أو الصورة التي قادته إلى السينما، معتبرًا أنّ العودة إلى الطفولة كانت مفتاح فهم مساره.

المخرج عبد الله المحيسن- مالمو (2026)
المخرج عبد الله المحيسن- مالمو (2026)

واستعاد ذكرياته الأولى مع الصورة، سواء عبر الأفلام التي شاهدها صغيرًا أو محاولاته المبكرة في الرسم، مشيرًا إلى أنّ هذه التجارب شكّلت أساس تكوينه الفنّي. ورغم أنّ البيئة التي نشأ فيها لم تكن دائمًا داعمة، فإنّ القيود التي فرضتها دفعته إلى البحث عن طرق غير مباشرة للتعبير، وهو ما انعكس لاحقًا في أسلوبه القائم على الرمزية والطرح غير المباشر.

وتوقَّف عند مرحلة الخلاف مع العائلة، لا سيما مع والده الذي لم يرَ في الفنّ مستقبلًا واضحًا ورفض انخراطه فيه. وأوضح أنّ هذا الرفض لم ينهِ طموحه، بل أعاد تشكيله، إذ اضطر إلى ترك الرسم في مرحلة ما، من دون أن يتخلَّى عن فكرة التعبير، فانتقل إلى التصوير الفوتوغرافي ثم إلى السينما، في مسار تطوّر طبيعي لرغبة مستمرة في «تجميد اللحظة» والتعبير عنها.

ومع انتقاله إلى الدراسة في الخارج، دخل مرحلة جديدة من التحدّي، اضطر خلالها للاعتماد على نفسه بعد توقف دعم والده. وتحدَّث عن عمله في مجالات مختلفة، من الترجمة إلى التصوير وأعمال أخرى، لتأمين استمراره. ورغم صعوبة هذه المرحلة، عدَّها حاسمة في بناء شخصيته، إذ تعلَّم منها قيمة الاستقلال والإصرار، وهو ما انعكس على اختياراته الفنّية ومواقفه المهنية.

وأشار إلى أنه خلال إقامته في لندن لاحظ صورة مشوَّهة عن العالم العربي، تُختزل في الصراعات والانقسامات، وهو ما دفعه إلى تبنّي دور مختلف للسينما، ليس وسيلة ترفيه، وإنما أداة لتقديم رواية بديلة تنطلق من داخل التجربة.

وتطرَّق إلى ضرورة أن يُعبّر صناع الأفلام عن مجتمعاتهم بصدق، بعيدًا عن تقليد النماذج الغربية، منتقدًا ما وصفه بـ«النظر إلى الذات من خلال عدسة الآخر»، ومعتبرًا ذلك من أبرز مشكلات السينما العربية. ودعا الجيل الجديد إلى الارتباط ببيئته واستلهام قصصه من واقعه، فذلك يُشكِّل مصدر قوة للوصول إلى الجمهور العالمي.

كما تناول تأثير التمويل الأجنبي في بعض الأعمال، مشيرًا إلى أنّ الدعم الخارجي قد يفرض شروطًا غير مباشرة تؤثّر في طريقة تقديم القصة، ممّا يستدعي الحفاظ على الاستقلال الفكري والفنّي. وأكد أنّ السينما بالنسبة إليه موقف قبل أن تكون صناعة، ولا يمكن أن تكون صادقة إذا لم تنطلق من قناعة حقيقية.

 

وعاد إلى علاقته بوالده، موضحًا أنّ الخلاف رغم قسوته أسهم في تشكيله، إذ كان والده يريده في مسار تقليدي، بينما اختار هو أن يكون «محاميًا للمجتمع» عبر السينما. ومع عرض فيلم «اغتيال مدينة»، تغيَّر موقف والده وبدأ يفهم مشروعه، في لحظة وصفها بالمفصلية في حياته.

وفي حديثه عن رسالته الفنّية، شدَّد على أنّ السينما وسيلة للدفاع عن الإنسان ونقل صوته وكشف ما لا يُقال، فالفيلم يجب أن يحمل موقفًا واضحًا، لا أن يكتفي بالجماليات. وأوضح أنّ هذا الفهم دفعه إلى رفض التنازل عن أعماله أو تعديلها بما يفرغها من مضمونها، حتى لو أدّى ذلك إلى عدم عرضها.

وتناول التحوّلات التي تشهدها السعودية في ظلّ «رؤية 2030»، معتبرًا أنها تُمثّل فرصة تاريخية لنهضة ثقافية وسينمائية، وسط الانفتاح والدعم المتزايد لقطاع الفنون، ممّا يتيح لجيل جديد التعبير عن نفسه.

المخرج عبد الله المحيسن- مالمو (2026)
المخرج عبد الله المحيسن- مالمو (2026)

وأكد أنّ المرحلة الحالية تختلف جذريًا عن السابق، مع توفر بنية تحتية وفرص إنتاج لم تكن موجودة، مشددًا على أنّ التحدّي لا يكمن في الإمكانيات بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها، داعيًا الشباب إلى استثمار هذه الفرصة لتقديم محتوى يعكس هويتهم بصدق وعمق.

كما عبَّر عن تفاؤله بالجيل الجديد، معتبرًا أنهم قادرون على تطوير التجربة، شرط الجمع بين الأصالة والانفتاح، مؤكدًا أنّ المستقبل لا يُبنى بالتقنيات فقط، وإنما بالأفكار، وقيمة المبدع تكمن في رؤيته الخاصة، لا في تقليد السائد.

وفي ختام حديثه، عاد إلى فكرته الأولى، هي أنّ الإنسان لا يتوقف عن التعلُّم والعمل. ورفض فكرة التقاعد، مؤكدًا أنّ الإبداع حالة مستمرة، ولا يزال هناك الكثير ليُقال، والكثير من القصص التي تستحق السرد، وأنه سيواصل العمل ما دام قادرًا على تقديم ما يؤمن به.

اقرأ أيضا: ليلة افتتاح مالمو… السينما العربية في قلب أوروبا

شارك هذا المنشور

أضف تعليق