فاصلة

حوارات

المخرج عبد الله المحيسن: «اغتيال مدينة» محاولة لاستعادة بيروت من رواية الحرب

Reading Time: 5 minutes

استشعر المخرج السعودي عبد الله المحيسن إزاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) ضرورة فنية وأخلاقية تُحتّم عليه تجسيد تداعياتها في فيلم وثائقي شاعري، «اغتيال مدينة» (1977)، يضيء على تلك المحنة التي عصفت بلبنان، وحوّلت بيروت، المكان الذي كان ينبض جمالًا وحياة، إلى فضاء رازح تحت وطأة الخراب والدمار وسفك الدماء على امتداد سنوات طوال. بعد نصف قرن، يبقى عمله هذا شهادة فنية وردًّا للجميل ووفاء لمدينة أقام في كنفها وعبر بها مرارًا.

لا تولد الأفلام في ظروف متشابهة. وأهمية العمل هذا تنبع من العلاقة الشخصية العميقة التي ربطت مخرجه بالبلد الذي شكّل جزءًا من وعيه الثقافي في شبابه، حين كان فضاءً للانفتاح والحياة الفكرية المزدهرة. ومع اندلاع الحرب عام 1975، وجد نفسه أمام صورة مشوّهة عن لبنان يتداولها الإعلام، لا تشبه ما عرفه وعاشه، فكان الفيلم محاولة صادقة لاستعادة الحقيقة، والدفاع عن ذاكرة مكان لم يكن يومًا مجرد ساحة صراع. في مناسبة تكريمه في الدورة السادسة عشرة من مهرجان مالمو السينمائي (10 – 16 الجاري)، ننشر المقابلة الآتية مع رائد السينما السعودية، في حديث من القلب.

* فيلمك «اغتيال مدينة» قصيدة بصرية عن بيروت خلال حربها الأهلية. لا بد أن هناك علاقة شخصية دفعتك إلى إنجازه. أخبرني عن علاقتك بلبنان.

– علاقتي بلبنان تعود إلى دراساتي خلال سنوات المراهقة. في تلك المرحلة، أي الستينات، مرحلة الازدهار، كان لبنان يمثّل الانفتاح في كلّ مظاهره. كان يُسمّى «سويسرا الشرق». وكانت المؤسسات التعليمية الأوروبية والأميركية لها فيه فروع. كانت الحياة الثقافية في أوجّها. أتذكّر صالات السينما في الحمرا: الستراند، البيكاديللي، كليمنصو… كانت مرحلة بالنسبة لي غنية جدًا. أنا الطالب، كثيرًا ما أمضيتُ عطلات نهاية الأسبوع في الحمرا، متنقّلًا من صالة إلى صالة. بيروت، وخصوصًا شارع الحمرا، اضطلعت بدور في تشكيل ثقافتي السينمائية. الأفلام التي كانت تُعرَض في بيروت كانت تسبق حتى لندن من حيث توقيت العرض. أحدّثك عن بلد كان منبرًا ثقافيًا حيًا ومؤثرًا.

* اندلاع الحرب في أبريل 1975، كيف أثّر ذلك عليك شخصيًا؟

– أي شخص عاصر تلك المرحلة، سواء في لبنان أو السعودية، يعلم جيدًا أن لبنان كان محطّة عبور أساسية. كنّا، نحن أبناء الخليج، نتوقّف فيه بضعة أيام في طريقنا إلى أوروبا. بل أحيانًا فضّلنا تمضية الوقت فيه أكثر من تمضيته في أوروبا نفسها. كان للبنان عناصر الجذب كافة. كثيرًا ما عبرتُ فيه خلال دراستي في بريطانيا، قبل الذهاب إلى لندن. أضحى لبنان محطّة أساسية في حياتنا. عند اندلاع الحرب في السبعينات، كنت في معهد السينما في بريطانيا أتابع الأخبار وما يدور في الشرق الأوسط، وأشاهد كيف تُقدَّم صورة مسيئة للبنان في الإعلام: دولة ممزقة طائفيًا ومنقسمة مذهبيًا، يعيش أهلها في صراع داخلي. هذه الصورة لم تكن تتطابق مع تجربتي الشخصية. شعرتُ أن هناك ظلمًا وتشويهًا يطالان البلد، وأن الصورة منقوصة في غياب وجهة النظر العربية. ومن هنا، تولّد لديّ إحساس بأنه عليّ، كسينمائي، الإتيان بصورة أخرى، والرد على هذه الرواية، وإظهار حقيقة المجتمع اللبناني، وصولًا إلى الأيادي التي تعبث في هذه المنطقة.

* هل كانت تجربتك الأولى؟

– سبق لي أن أنجزتُ قبله فيلمًا يُعتبر أول فيلم سعودي، يتحدّث عن تطوّر مدينة الرياض. كان عملًا توثيقيًا تكليف رسمي. أما «اغتيال مدينة» فهو أول عمل بمبادرة منّي، أول عمل أعبّر فيه عن رؤيتي الخاصة.

* ينطلق الفيلم بمشهد تحريك، وهو خيار غير مألوف قياسًا بالزمن.

– نعم، كان هذا جديدًا في ذلك الحين. لم يكن هناك فيلم يستخدم هذا الأسلوب بهذا الشكل. فيلمي ليس تسجيليًا تقليديًا، بل هو بالأحرى دراما تسجيلية. الموضوع هو الذي فرض عليّ الأسلوب. في ذلك الوقت، كان من الصعب التطرق إلى القوى العظمى. العالم انقسم بين يمين ويسار، رأسمالية واشتراكية، تقدميين ورجعيين. كان يُنظر الينا نحن الخليجيين كرجعيين. وآنذاك لم يكن مسموحًا لأي كان بأن ينجز فيلمًا سياسيًا خالصًا في هذه المنطقة كلها. السينما السياسية كانت نادرة. فكّرتُ كيف في إمكاني أن أصوغ ردًا وسط كلّ هذه القيود السياسية من الجهات كلّها، فلجأتُ إلى التحريك كوسيلة لأموضع الفكرة الأساسية، ثم أظهر نتائجها في الفيلم. كان نوعاً من الالتفاف على القيود، ومحاولة قول ما لا يمكن قوله بلغة مباشرة. كان هذا تحديًا كبيرًا آنذاك.

استلام جائزة نفرتيتي من وزيرالثقافة يوسف السباعي وبجواره تريفور هوارد رئيس لجنة التحكيم
المخرج عبد الله المحيسن يتسلم جائزة نفرتيتي- مهرجان القاهرة السينمائي (1977)

* عادةً، يحتاج المخرج الذي يتناول واقعة معينة إلى مسافة زمنية. لكن أنتَ بدأتَ العمل سريعًا…

– صوّرتُ الفيلم عام 1975، تقريبًا مع بداية الأحداث. لم أنتظر. كنت قد أنهيتُ دراستي وعدتُ إلى لبنان، وكانت الأحداث تتصاعد. شعرُت أن المسألة تمسّني شخصيًا، وتمس كثيرين أعرفهم. رأيتُ عائلات لبنانية كانت تعيش في بحبوحة وقد تحوّل أفرادها فجأةً إلى لاجئين. شعرتُ بواجب أن أرد، إعلاميًا وإنسانيًا. باشرتُ التصوير من دون انتظار تمويل أو دعم من أحد، ثم تقدّمتُ به إلى مهرجان القاهرة الذي كان آنذاك في دورته الثانية، فتصرف بجرأة وعرضه في الافتتاح. نال جائزة «نفرتيتي» لأفضل فيلم قصير.

* كيف جرى التصوير؟ وهل تعرضتَ لخطر؟

– عملنا مع فريق من مصر والسعودية، وصوّرنا في مواقع مختلفة داخل لبنان. مدير الإنتاج محمّد البرجاوي استحصل على تصاريح، وكان معنا عدد من المتعاونين، من بينهم الراحل مارون بغدادي الذي كان يعمل يومها في «القناة التاسعة» (تلفزيون لبنان). ساعدني مارون في بعض الجوانب ومدّني بمواد كانت صُوِّرت أثناء المعارك. كان هناك خطر بلا شك. البلد كان مدجّجاً بالألغام. لكن عندما يكون لديك هدف، لا تفكّر كثيرًا في المخاطر، مثلما عندما سافرتُ إلى أفغانستان وصوّرت فيها المجاهدين وهم يقاتلون الروس. الفكرة هي التي تقود خطى السينمائي.

كواليس فيلم اغتيال مدينة (1977)
المخرج عبد الله المحيسن

* عندما شاهدتُ الفيلم مجددًا، ومع الأثر الذي تركه الزمن فيه، وجدته أقرب إلى القصيدة البصرية منها إلى وثائقي تقليدي.

– هو بالفعل ملحمة. كان هذا الأسلوب التسجيلي جديدًا في تلك الفترة. وظّفتُ الدراما. الناقد سمير فريد قال لي آنذاك أنه شعر بأنه أمام فيلم درامي لا وثائقي. فكان متحمّسًا أن يراني أنجز فيلمًا روائيًا. إني أرتدي ما يحتاجه الموضوع من رداء. لستُ مخرجًا ينجز وفق ما تملي عليه مواصفات الصورة. أنا لا أبدأ من النصّ، بل من الصورة. أكتب بالصورة وكلّ لقطة عندي هي حرف. اللقطات تكوّن جملة ثم يتكوّن المشهد. الموسيقى تضيف بُعدًا، والصوت في الخلفية يخلق عُمقًا إضافيًا. كلّ تفصيل في الفيلم يحمل معنى. حتى التفاصيل الصغيرة، مثل شخص يضرب حذاءه في التراب، هي رموز لحالة اجتماعية أو نفسية.

* ماذا عن التعليق الصوتي؟ هل هو بصوتك؟

– لا، الصوت هو للراحل غانم دجّاني، إذاعي لبناني كبير كان بمثابة مدرسة. أما التعليق فهو من تأليفي.

فيلم "اغتيال مدينة" الوثائقي القصير الذي صدر عام 1977
كواليس فيلم اغتيال مدينة (1977)

* يحمل النصّ طابعًا شعريًا.

– إني أصف الصورة، والصورة تتولّى قول المعنى. مثل: «بيروت، من الذي عبث في ثغرك؟». النصّ كلّه تساؤلات ويعبّر عن الأحداث التي جرت في لبنان والمنطقة. انه محاولة لفهم ما يجري، من دون تقديم إجابات جاهزة. نحن اليوم نفهم ماذا حدث في ذلك الوقت، وربما لم نفهمه في حينه.

* بعد خمسين عامًا، يبدو الفيلم وكأنه لا يزال عن الراهن.

– اليوم، ربما يُفهَم أكثر، وذلك بسبب التساؤلات التي يحملها. في ذلك الوقت، لم يكن الجميع يرى الصورة كاملةً.

* هل تعتبره فيلمًا رؤيويًا؟

– هذا الحكم أتركه للمُشاهد.

* أعُرِض في بيروت آنذاك؟

– لا، عُرض في مهرجانات. طُلب إليّ من قبل «يونايتد أرتستس» حذف المقدّمة ليُتاح عرضه تجاريًا، لكني رفضتُ رفضًا قاطعًا، لأن ذلك كان سيغيّر معنى الفيلم. لو وافقتُ كان تحوّل إلى الرؤية التي نراها في الأخبار، بينما أنا وددتُ القول أن الاجرام مصدره الصراع على المنطقة. ولا يزال إلى اليوم الصراع على المنطقة.

* ما رد فعلك عندما ترى اليوم مشاهد الدمار المُستعَاد في بيروت؟

– ما رأيته في الماضي لا يُنسى. رائحة الموت، مَشاهد القتل، هذا كله يبقى في الذاكرة، فيتحوّل إلى هاجس. لكن رسالتي لم تكن فقط تصوير الدمار، بل التأكيد على أن هناك هدم لبنان كقيمة ومجتمع وبيئة وإنسانية. هذا التدمير نراه اليوم يحدث مجددًا للأسف. آنذاك، كنتُ من المحذّرين: ما يحدث ليس الخاتمة، بل بداية لسلسلة من الكوارث. وكان هذا مصير بلدان كثيرة، من سوريا إلى ليبيا والعراق مرورًا بأوكرانيا. لعلنا لا نكون بعيدين عن انفجار نووي بين قوتين. رسالتي كانت: احذروا! ربما كان ذلك نتيجة قراءة حيادية مبكرة للأحداث، علمًا أنني لم أكن مسيّسًا. لبنان هو الذي كشف لي جانبًا جعلني أتعمّق فيه أكثر فأكثر.

اقرأ أيضا: مهرجان مالمو يحتفي بعبد الله المحيسن عن مجمل أعماله

شارك هذا المنشور

أضف تعليق