فاصلة

مقالات

«شاهد» و«شاشا» و«ثمانية»… سباق جديد في سوق المنصات العربية

Reading Time: 7 minutes

مع التنافس الدرامي الرمضاني الدرامي المعتاد هذا العام، وبعد سنوات من السيطرة شبه الكاملة لمنصة «شاهد»، دخل منافس جديد استطاع أن ينتزع جزءًا من كعكة المُشاهدة. أتحدَّث هنا عن المنصة الكويتية «شاشا»، التي قدَّمت عملين لافتين هما «جناية حب» و«عرس الجن». ورغم أنّ المسلسلَيْن لا يتجاوزان عشر حلقات، فإنهما حقّقا حضورًا ملحوظًا ونسب مشاهدة مرتفعة، ممّا يعكس قدرة المنصة على لفت الانتباه عبر محتوى مختلف وإنتاج مركز.

ما يحدث اليوم يشير إلى أنّ المشهد الإعلامي العربي، أو السعودي تحديدًا، يعيش مرحلة مختلفة وجديدة. نحن أمام دخول منصات متعدّدة إلى ساحة الإنتاج الدرامي والسينمائي، بعد سنوات اعتدنا فيها على سيطرة «شاهد» على السوق العربية، وهي سيطرة تعزَّزت بشكل واضح منذ عام 2020. ورغم وجود منافسة عالمية كمنصة «نتفليكس» مثلًا، فإن حضور هذه المنافسة عربيًا بقي محدودًا مقارنة بتأثير «شاهد». أما منصات مثل «يانغو» فمحجوبة في السعودية، بينما تبقى «WATCH IT» موجَّهة بالدرجة الأولى إلى السوق المصرية.

في المقابل، ظهرت  منصة «شاشا» بهدوء خلال العامين الماضيين، لكنها بدأت تبني حضورها تدريجيًا عبر محتوى نوعي يعتمد على قصص مختلفة وتسويق ذكي. ومع إعلان الرئيس التنفيذي لمنصة «ثمانية»، عبد الرحمن أبو مالح، أنها «تتّجه نحو إنتاج المسلسلات والأفلام»، يبدو أننا على أعتاب دخول لاعب جديد إلى هذا السباق.

عبدالرحمن أبومالح: “ثمانية” منافس شديد لـ”شاهد”، والرهان على “الأصالة” pic.twitter.com/h5G3p0n8EN

كلّ ذلك يجعلنا أمام لحظة تنافُس غير مسبوقة في سوق الدراما والسينما العربية، قد تعيد رسم خريطة الإنتاج الدرامي وتفتح الباب أمام تنوّع أكبر في القصص، وتدفع الجميع إلى رفع سقف الجودة.

«MBC شاهد»… اللاعب الأكبر والأقوى

السوق التي تضمّ لاعبًا واحدًا فقط لا تتطوَّر سريعًا، وغالبًا ما تتيح مجالًا أكبر للاحتكار و«الشللية». أما حين تتعدَّد الرؤى والاستراتيجيات، فتُجبر المنافسة الجميع على رفع مستوى الجودة وتحسين التجربة.

تجربة منصة «MBC شاهد» تبقى الأكبر والأكثر تأثيرًا عربيًا. وهي مبنية على إرث إعلامي ضخم لمجموعة «إم بي سي»، إضافة إلى ميزة قيادية مهمّة تتمثَّل في وجود شخصية إعلامية ذات رؤية واضحة وخبرة طويلة في الصناعة مثل الشيخ وليد الإبراهيم. قوة «شاهد» الحقيقية تكمن في قدرتها على الإنتاج بكثافة، والانتشار الكبير جدًا على امتداد الوطن العربي، وتحمُّل الخسارة أحيانًا، واستيعاب الضغط والحملات الجماهيرية التي تصاحب أي منصة جماهيرية بهذا الحجم.

لكن في المقابل، ثمة نقاط ضعف واضحة عبر السنوات، خصوصًا فيما يتعلّق بالمحتوى السعودي. قد يقول البعض إنّ المسلسلات السعودية على «MBC شاهد» هي الأكثر مشاهدة داخل المملكة، لكن السؤال الأهم: مَن ينتج باستمرار غير «MBC شاهد»؟ حين تكون المنصة نفسها هي المنتج الأكبر، فمن الطبيعي أن تتصدَّر أعمالها المشهد.

الملاحظة الأخرى تتعلّق بالهوية التسويقية،  فمثلاً في المسلسلات المصرية نشعر بوضوح بـ«النَفَس المصري»، وفي الأعمال اللبنانية أو السورية نجد هوية تسويقية واضحة أيضًا. أما في بعض الأعمال السعودية فنجد أحيانًا مزيجًا هجيناً غير واضح الهوية؛ ليس سعوديًا بالكامل ولا عربيًا بملامح محدّدة. قد تشاهد تغريدات أو مواد تسويقية على منصة «إكس» أو «إنستغرام» بلهجة غير محلّية لعمل سعودي، وهو أمر نادر أن يحدث مع عمل غير سعودي.

مثال ما حدث في تسويق مسلسل «شارع الأعشى»، مثل أغنية الراب العربية التي بدت بعيدة عن روح العمل وبيئته. أتخيّل فقط لو جرى استخدام أغنية شعبية سعودية لمسلسل مصري، كيف سيكون ردّ الفعل؟

كما يُلاحظ في أحيان كثيرة الاعتماد على حسابات مجهولة أو معروفة  في وسائل التواصل للترويج للأعمال. وقد أثبتت التجارب أنّ هذا الأسلوب لا يصنع تأثيرًا حقيقيًا، وقد يأتي بنتائج عكسية. وللإنصاف، يحدث أحيانًا أن تكون هذه الحسابات مدفوعة أو موجَّهة من بعض الفنانين أنفسهم اجتهادًا منهم، وليس من القناة مباشرة.

الأمر نفسه يمكن ملاحظته في تسويق بعض الأفلام. فيلم «صوت هند رجب»، أحد أهم الأفلام العربية التي عُرضت هذا العام، ومع أنه أحد إنتاجات استوديو mbc  مرَّ على منصة «MBC شاهد» بتسويق بارد رغم أهمية الفيلم الكبيرة هذا العام،  مثال آخر «هوبال»، أنجح فيلم سعودي جماهيري في 2025، لم يحظَ بالحملة التسويقية التي تعكس حجم نجاحه في شباك التذاكر السعودي.

ولن أتطرق هنا إلى إنتاجات «إم بي سي استوديوز» السينمائية، لأنها موضوع يستحق مقالًا مستقلًا.

في النهاية، لا يزال الجميع ينتظر الكثير من «MBC شاهد»، تبقى المنصة السعودية الأهم على مستوى المسلسلات أو الأفلام، واللاعب الأكبر والأقوى في السوق. لكن المرحلة المقبلة تتطلب جرأة أكبر، ليس فقط في تقديم وجوه جديدة أمام الكاميرا، بل في ضخ أسماء سعودية جديدة على مستوى الكتابة والإخراج والرؤية الإبداعية وبناء تسويق سعودي حقيقي للأعمال السعودية، فكسب الجمهور المحلّي شرط أساسي للاستمرار في الصدارة.

«شاشا» اقتسمت جزءًا من الكعكة

مسلسل عرس الجن
مسلسل عرس الجن

بخطوات هادئة وذكية، تُواصل منصة «شاشا» ترسيخ حضورها في سوق الدراما الخليجية. بدأت العام الماضي بمسلسل «وحوش»، وتعود هذا الموسم بأكثر من عمل لافت، إلى جانب حضور نجوم بارزين، مثل إلهام علي في رمضان، ويعقوب الفرحان بعد رمضان، في إشارة واضحة إلى رغبة المنصة في المنافسة الجادّة.

من نقاط قوتها اعتمادها على قصص حقيقية قريبة من الجمهور، وهو خيار يمنح الأعمال صدقًا واهتمامًا أكبر، إلى جانب تسويق ذكي قريب من المُشاهد، يعرف كيف يخلق الحديث حول العمل قبل عرضه، ويحوّل المسلسل إلى موضوع نقاش في وسائل التواصل.

كما أنّ اختيارها أعمالًا قصيرة بعدد حلقات محدود جعل الإيقاع أكثر تركيزًا، وقلَّل من مشكلة المطّ والتكرار التي تعانيها كثير من الأعمال الرمضانية.

لكن في هذا الموسم الرمضاني تحديدًا بدا التسويق أحيانًا مبالغًا فيه، عبر استخدام حسابات لا علاقة لها بالفن أو الصناعة، ثم يتضح لاحقًا أنها حسابات إعلانية تحمل رقم الإعلان في البايو!! هذا الأسلوب يبدو مسيئًا للمنصة أكثر مما يفيدها، خصوصًا أنّ أعمالها تمتلك في الأصل ما يكفي من الجاذبية ولا تحتاج إلى مثل هذه الطرق.

المنصة تبدو قوية في حضورها الكويتي، وبدأت بالفعل التوسّع نحو السوق السعودية، لكنها لا تزال بحاجة إلى أعمال سعودية جماهيرية تعزّز هذا الحضور. وإذا دخلت «شاشا» هذه المساحة بذكاء عبر التعاون مع أسماء سعودية مؤثرة في السينما والدراما مثل مفرج المجفل، مالك نجر، علي الكلثمي، مشعل الجاسر، وعبد العزيز الشلاحي، قد تكسب جولة مهمّة في سباق المنصات وتصبح لاعبًا حقيقيًا في المشهد الدرامي الخليجي.

هل تُغيّر «ثمانية» قواعد اللعبة؟

دخول منصة «ثمانية» إلى عالم الإنتاج السينمائي والدرامي، وعالم المنصات عمومًا، مؤشّر مهم وإيجابي للجمهور وصنّاع الأفلام والمسلسلات. فوجود لاعب جديد بحجم «ثمانية» يعني مزيدًا من الفرص والتنافس في سوق لا تزال في طور التشكُّل. لكن، بكوني متابعًا للمشهد، وأزعم أنني أتابعه بدقة بحكم التخصُّص، لديَّ تساؤلاتي.

لنبدأ بالمثال الأقرب: أداء «ثمانية» في نقل الدوري السعودي هذا العام. فقد جاء أقلّ من الطموحات مقارنة بالناقلين السابقين. والحديث المتكرّر عن ضرورة الصبر والدعم لأنها «جديدة في السوق» ليس ذريعة قوية. فالوقائع تُخبرنا أنّ قنوات الجزيرة الرياضية (بي إن سبورت لاحقًا)، عندما دخلت السوق عام 2004، قدَّمت تجربة مشاهدة متفوّقة منذ البداية مقارنة بمنافستها آنذاك «آي آر تي». ولا شك أنّ أسباب تعثُّر التجربة متعدّدة، لكن ثمة ملاحظات جعلت المتابعين يتعاملون مع المنصة بقدر أكبر من الترصُّد. أولها لهجة «ثمانية» الإعلامية في التقليل من تجارب الناقلين السابقين، وثانيها الوعود الكبيرة بتقديم تجربة مختلفة ومميّزة. وبالفعل كانت التجربة مختلفة عن سابقيها، لكنها لم تشقّ بعد طريقها الحقيقي إلى التميُّز.

المشكلة هنا أن دخول «ثمانية» إلى سوق جديدة تحقَّق وكأنه دخول من دون استعداد كافٍ، أو من دون اتصال حقيقي بالتجارب السابقة. بل بدا أحيانًا أنّ هناك نوعًا من الاستغناء عن التجارب الموازية. وهذه نقطة قد تتكرَّر إذا دخلت المنصة مجال المسلسلات والأفلام بالطريقة عينها.

خالد الشيخ: بين أشواك الفن والسياسة
خالد الشيخ: بين أشواك الفن والسياسة (2022)

فالإنتاج الدرامي والسينمائي منطقة مختلفة تمامًا، لها تعقيداتها وشبكاتها المهنية وتجاربها المتراكمة. وحتى في مجال الوثائقيات –وهو المجال الأقرب إلى تجربة «ثمانية»– لم تكن جميع التجارب على المستوى المتوقَّع. شاهدنا أعمالًا سينمائية خرجت إلى النور، مثل فيلم «خالد الشيخ» وفيلم «مركب فرسان»، لكنها لم تترك أثرًا كبيرًا، كما أنّ هناك مشاريع أُعلن عنها ثم توقَّفت أو لم تكتمل.

ثمة أيضًا تساؤلات حسَّاسة تتعلَّق بطبيعة المحتوى نفسه. عند إطلاق تطبيق «ثمانية» قبل أكثر من عامين، ظهر في الفيديو الترويجي مقطع طويل نسبيًا يشرح كيفية إزالة الموسيقى من برامج البودكاست. نحن هنا لا نتحدَّث عن حفلات غنائية، بل عن مؤثّرات صوتية خفيفة بالكاد تُلحظ في أيّ برنامج حواري. أن يُبذَل جهد تقني كامل لإلغائها، يفتح تساؤلات حول التوجُّه الثقافي والمحافظ للمنصة، خصوصًا إذا كانت تخطّط للدخول بقوة إلى عالمَي السينما والفنّ.

من النقاط الأخرى الجديرة بالتوقّف عندها، مسألة الحضور النسائي في «ثمانية». فعند متابعة برامج المنصة ومحتواها نلاحظ غيابًا شبه كامل للمرأة ضيفةً أو مُشاركةً في البودكاستات أو الوثائقيات، رغم أنّ المنصة تنشر مقالات لعدد من الكاتبات وتعمل نساء ضمن فريقها التحريري. مع ذلك، يبقى السؤال: أين حضورهن أمام الجمهور؟

ويصبح الأمر أكثر غرابة عندما ننظر إلى برامج مرتبطة بالسينما تحديدًا. فمثلًا في «بودكاست النشرة السينمائية»، وهو برنامج متخصّص في الحديث عن الفنّ السابع، لا نكاد نرى حضورًا نسائيًا بين الضيوف، رغم وجود مخرجات وصانعات أفلام سعوديات وعربيات يضاهي حضورهن حضور الرجال بشكل كبير.

ولا أطرح هذه الملاحظة من باب «الكوتا» الجندرية أو تحت شعار تمكين المرأة فقط فأنا لست من هذا الفريق، لكنها تبدو سؤالًا مشروعًا أكثر من كونها مُطالبة شكلية بالتوازن.

ومع كلّ هذه الملاحظات والتي قد تبدو كثيرة، لكنها نابعة من حجم الطموح الكبير تجاه المنصة  يبقى نجاح «ثمانية» شبه مضمون لمجموعة أسباب؛ أولها القاعدة الجماهيرية الواسعة التي بنتها خلال السنوات الماضية، وثانيها الفراغ الذي تعيشه السوق بانتظار لاعب جديد قادر على تقديم محتوى مختلف.

كما أنّ «ثمانية» لا تحمل إرثًا إعلاميًا ثقيلًا مثل «إم بي سي»، وهو إرث يصعب تغييره أحيانًا، ممّا يمنحها مساحة أوسع للابتكار والتجريب، ويتيح لها أن تبدأ من نقاط ضعف المنافسين لا من نقاط قوتهم.

أما السبب الأهم فهو ما يمكن تسميته «قوة ثمانية الحقيقية»: التسويق.

فـ«ثمانية» تعرف جيدًا كيف تصنع الزخم وتحوّل فكرة عادية إلى حدث كبير. وقد رأينا كيف استطاعت أن تمنح أعمالًا متوسطة حضورًا لافتًا عبر تسويق ذكي ومكثَّف. بل إنّ ضيوفًا عاديين تحوّلوا إلى أسماء مؤثرة بعد ظهورهم على كرسي «فنجان» في بودكاست عبد الرحمن أبو مالح.

فيلم (هوبال- 2024)
فيلم (هوبال- 2024)

ولكن، ماذا سيحدث لو شمل هذا التسويق أعمالًا سينمائية ودرامية قوية فعلًا؟ كيف كان سيبدو تسويق أفلام مهمّة مثل «صوت هند رجب» أو «هوبال» أو «الست»، أو أفلام ذات طابع سياسي وتاريخي مثل «كعكة الرئيس صدام حسين» أو «بابا والقذافي»؟

يجدر أيضًا بـ«ثمانية» أن تستوعب صنّاع الأفلام والدراما السعوديين الموهوبين القادرين على إضافة حقيقية للمشهد، وتفتح المجال في الوقت نفسه للتعاون مع أسماء عربية ذات خبرة. فالتجربة الكويتية تقدّم مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ إنّ بعض المسلسلات الكويتية اللافتة والناجحة هذا العام  مثل «عرس الجن» و«جناية حب» و«أعوام الظلام»، أخرجها مخرجون عرب من خارج الكويت، ومع ذلك احتفظت الأعمال بهويتها المحلّية.

والأهم، ألا ترضخ «ثمانية» لفكرة «سَعْودة» كلّ شيء بشكل إلزامي. فالهوية تُبنى بروح العمل نفسه، يمكن لعمل أن يبدو سعوديًا في شكله وروحه، حتى لو شارك في صناعته فريق عربي أو دولي متنوّع.

ربما لا يزال الوقت مبكرًا للحكم على التجربة، لكن المؤكد أن دخول «ثمانية» إلى هذا المجال سيرفع حدّة المنافسة. وإن كان الحديث أن هناك منافسة لـ«شاهد» فلاشك أنها ليست سهلة إطلاقًا؛ فالمنصة تمتلك خبرة طويلة في الإنتاج، خصوصًا في الأعمال العربية والمصرية، وهي مناطق رسخت فيها حضورًا قويًا عبر السنوات. وفي سوق لا تزال تتشكّل ملامحها، تبقى المنافسة الحقيقية هي الطريق الأفضل لتطوّر صناعة الدراما والسينما السعودية.

اقرأ أيضا: لماذا لا نذهب إلى السينما؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق