قبل أيام، تساءلتُ عن معنى الخلود الأخروي، تحديدًا في الجنة. قادني هذا إلى سؤال يصعب وضع نهاية له، لأنه يتجاوز حدود الاستيعاب البشري. وإن كان سيتوقف، فسيتوقف لأنّ الإجابة تتعذَّر علينا، لا لأنها غير موجودة.
السؤال كان: إذا انتقلنا بأجسادنا إلى الجنة، فهل سيبقى وعينا الدنيوي حاضرًا هناك، أم سنكتسب وعيًا جديدًا مختلفًا تمامًا؟ بدا لي أنّ بقاء الوعي كما هو قد يكون معضلة، وربما يكون نقيضًا لفكرة الجنّة ذاتها. فنحن نتحدَّث عن نعيم أبدي لا متناهٍ، أو عذاب سرمدي لا ينقطع. والمفارقة أنّ النعيم الأبدي قد يبدو أحيانًا أكثر رهبةً من الجحيم.
النعيم يضمّ جميع الملذات التي لا تخطر على البال، لكن إلى متى؟ بعد مليون سنة؟ مليار؟ مليارات السنوات؟ هل الوعي بهذه الأبدية سيجعل التجربة أخفّ أم أثقل؟ وهل يوجد هذا الوعي أصلًا داخل إطار لا يخضع للزمن؟
افترضت أننا قد نتذكر حياتنا كاملة، من لحظة الميلاد إلى لحظة خروج الروح من الجسد. نعيم البرزخ محدود بزمن إلى قيام الساعة، أما نعيم الجنة فغير منوط بمدّة. الدنيا مقيّدة بالزمن تقيدًا كاملًا، بينما الجنة والنار، في نطاق الأبدية، لا تخضعان له بالمعنى الذي نعرفه.
ربما يكمن الخلل في تصوّري للأبدية نفسها. تعاملت معها على أنها امتداد كمّي للزمن، وسنوات تتراكم بلا نهاية، بينما قد تكون خروجًا من نظام الزمن ذاته. الملل، الرهبة، الانتظار، وحتى الشعور بالاستمرار، مفاهيم مشروطة بالزمن. فإذا انتفى الزمن، فهل تبقى هذه الأحاسيس قابلة للتصوُّر؟ أم أنّ وعينا الحالي غير صالح للعمل في نطاق لا يخضع للتعاقُب؟

وإذا كان تصوُّر الأبدية على أنها امتداد لا نهائي يُربكني، فلأنني أبحث عن شكل آخر من الخلود، لا يقوم على الامتداد الكمّي، بل على الكثافة الشعورية. وهنا عدتُ إلى «قصة طوكيو»، ليس بكونه فيلمًا عن الشيخوخة فقط، بل بوصفه تأمّلًا صامتًا في الزمن حين يفقد حدّته ويقترب من التلاشي.
عند الحديث عن «قصة طوكيو» يحضر اسم ياسوجيرو أوزو، الذي صوَّر الحياة اليابانية في بساطتها الشكلية وعمقها الإنساني. عناصر الفيلم تنفذ إلى اللاوعي، وتعيد خلق مشاعر مألوفة بصورة تتجاوز السطح.
على النقيض، تعتمد سينما ألفريد هيتشكوك على بناء توتّر يتصاعد عبر البنية الدرامية والتحوّلات المفاجئة، بينما يصنع أوزو أثره عبر الزمن والهدوء والفراغ. أفلام أوزو تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف تدريجيًا عن طبقات إنسانية عميقة تقوم على التراكم لا الانقلاب. عند هيتشكوك يُضغط الزمن ويُسرَّع، ويظلّ الإحساس بأنّ شيئًا سيحدث حاضرًا. أما عند أوزو فالزمن يُترك ليتمدَّد حتى يكاد يخلو من الدراما الظاهرة. الأول يجعلنا نشعر بأنّ الزمن يلاحقنا، والثاني يجعلنا نعي مروره. وبين الإحساسين يتحدَّد تصوران للحياة، فهل هي سلسلة أحداث متلاحقة، أم تراكم صامت للحظات لا تبدو مهمّة إلا بعد انقضائها؟

يرجع الفضل في تصوير ذلك الوجه من اليابان، البسيط أحيانًا والمفعم أحيانًا أخرى، إلى صناع الحقبة الذهبية للسينما اليابانية: أكيرا كوروساوا، وياسوجيرو أوزو، وكينجي ميزوغوتشي. جميعهم وسَّعوا مفهوم السينما على أنها لغة قابلة لإعادة التشكيل ومتعدّدة المسارات ضمن العصر الذهبي للسينما اليابانية.
في التكوين البصري لـ«قصة طوكيو» كاميرا ثابتة، ساكنة، كأنها تقدَّمت في العمر مع شخصياتها. وإذا تحرَّكت، تحرَّكت ببطء يتماهى مع إيقاع الشيخوخة. الشخصيات تلتصق بالمكان وتتكيَّف معه بسلاسة، خصوصًا في المَشاهد الخارجية. يبدو هذا التماهي نتيجة عمر طويل وتجارب متراكمة تجعل الإنسان أكثر قابلية للتصالح مع البيئات المختلفة.

صمت الأب والأم ليس صمتًا عقابيًا، ولا مجرّد تحمّل، بل دهشة خافتة عند اكتشاف المسافة التي تفصل بينهما وبين أبنائهما. من الصعب تخيُّل أننا قد نصل يومًا إلى مرحلة يستجدي فيها الوالدان الرأفة والتواصل الإنساني بوصفه أثمن ما يملكان.
كنتُ في أيام سابقة أسأل أمي عن شعور الوالدين تجاه أبنائهم، وأستشعر عظمة هذا الارتباط. قالت لي: «عندما تحصل على واحد لك، ستعلم». إلى هذه الدرجة تبلغ محبة الوالدين. وهنا يبرز السؤال: لماذا كانت نوريكو، التي لا تربطها بهما صلة دم مباشرة، أحنّ عليهما من أبنائهما؟

نوريكو ليست ابنة في البيت، ولا زوجة حاضرة، ولا فردًا كامل الانتماء وفق التعريف الاجتماعي، ومع ذلك تبدو الأكثر رسوخًا. أرملة شابة فقدت زوجها مبكرًا، لكنها لم تفقد قدرتها على الإصغاء ولا استعدادها للبقاء. حضورها لا يملأ فراغًا، بل يكشفه، فهي لا تنافس أحدًا على القرب، ولا تدّعي حقًا لا تملكه، لكنها تمنح الوالدين ما عجز عنه الأبناء؛ وقتًا واهتمامًا واعترافًا صامتًا بأنّ الشيخوخة تحتاج من يجلس معها أكثر مما تحتاج حلولًا.
وجودها يطرح سؤالًا: هل القرابة فعل أم دم؟ ليس لإدانة أحد، بل للتفكير في كيفية تشكُّل الروابط الحقيقية. ربما لا يكون الأبناء أقل حبًا، لكنهم أكثر انغماسًا في إيقاع الحياة الحديثة. أما نوريكو، بحكم مسافتها، فتملك مساحة للإصغاء. هل يحتاج القرب الحقيقي أحيانًا إلى مسافة؟ قد يقلّ الحضور لا لقلة المحبة، بل لأنّ القرب الدائم يجعل العلاقة مفروغًا منها، بينما مَن يقف على الحافة يدرك هشاشتها ويتمسَّك بها بوعي أكبر. المسألة ليست مفاضلة أخلاقية، بل اختلاف في زاوية الإدراك.
نعود إلى افتراضنا الأول: الخلود. كيف سيكون في الجنة؟ لا أعلم، وربما أرغب في أن أكتشف. لكنني أعرف شكلًا آخر من الخلود، خلودًا دنيويًا.

الخلود في هذه الدنيا يكمن في اللحظات الأكثر اطمئنانًا: جمعات الأهل يوم الجمعة، حضن مَن تحب، هدية من شخص عزيز، كلمة جميلة تشق طريقها إلى القلب، إصغاء صادق، أو إسعاد مَن يتماهى وجوده مع وجودك. تلك اللحظات، رغم قابليتها للفقد، تمتلك كثافة تجعلها تبدو ممتدّة بلا زمن.
الامتلاء لا يلغي الزمن، لكنه يعيد تشكيل إدراكنا له. في لحظة مكتملة شعوريًا يتراجع الإحساس بالتعاقُب، ونتوقّف عن عدّ الدقائق. لسنا خارج الزمن، لكننا لسنا أسرى له تمامًا.
ربما لا يكون الخلود امتدادًا لا نهائيًا للوقت، بل لحظة تبلغ من الامتلاء حدًا يجعلها أكبر من الزمن نفسه.
اقرأ أيضا: «شيوخ الطريقة»: كيف ظهر سائقو الأماكن المتحركة في الأفلام؟