في الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي، حضرت الممثّلة الفلسطينية هيام عباس بعملين مختلفين يلتقيان عند سؤال الحرّية. فقد شاركت في المسابقة الرسمية من خلال الفيلم التونسي «بيت الحس»، كما حضرت في برنامج «البانوراما» عبر الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ». وقدَّمت من خلالهما مقاربتين مختلفتين، إحداهما ذات طابع عائلي داخلي، والأخرى سياسية وإنسانية أوسع.
وعن «بيت الحس» للمخرجة ليلى بوزيد، قالت هيام عباس لـ«فاصلة» إنّ الشخصية التي تؤدّيها هي امرأة مثقفة، طبيبة، ورئيسة قسم، وفاعلة في مجتمعها، وليست أمًا تقليدية تصطدم باكتشاف ميول ابنتها، بل امرأة صنعت اختياراتها في الحياة وتحمَّلت نتائجها.

وأضافت أنّ هذه المرأة، مثل كثيرات في مجتمعات مختلفة، تعيش مفارقة بين إنجازها المهني واستقلالها الشخصي من جهة، وبين تقاليد ثقافية تضغط عليها من جهة أخرى. وأشارت إلى أنّ «السرّ» داخل العائلة ليس ظاهرة عربية فقط، بل جزء من بنية إنسانية عامة، إذ كثيرًا ما يظنّ الأهل أنهم يحمون أبناءهم بالصمت، بينما يؤجّلون المواجهة فقط.
وأوضحت أنّ الشخصية كانت شاهدة على مأساة شقيقها، الذي لم يتمكّن من عيش حياته كما أراد بسبب القيود الاجتماعية، مشيرة إلى أنها حاولت مساعدته على التحرُّر، لكنه لم يحتمّل الضغوط، ودفع حياته ثمنًا لذلك، وهو ما ترك فيها أثرًا عميقًا من الحزن والندم.
وأكدت عباس أنّ لحظة مواجهة ابنتها لها بحقيقتها جاءت مثل «قنبلة» في توقيت حسّاس، إذ كانت الأم لا تزال تعيش حزنها على أخيها، وتستعيد ما عجز عن تحقيقه. وأوضحت أنّ صدمة الشخصية لم تكن رفضًا لميول ابنتها، إذ كانت خوفًا عليها من تكرار المصير نفسه.

وقالت إنّ الأم تتجمَّد للحظة، لأنها تحتاج إلى حماية داخلية كي تستوعب ما يحدث، لكنها تدرك لاحقًا أنّ الأمر ليس مرضًا ولا اختيارًا عابرًا، فهو جزء من هوية ابنتها. وأضافت أنّ تعقيدًا إضافيًا يظهر عندما تكتشف أن الأب كان يعلم قبلها، ممّا يثير داخلها مشاعر إنسانية مركّبة، خصوصًا في ظلّ فشل علاقتها الزوجية، رغم اعتقادها أنّ ابنتها كانت الأقرب إليها.
وأكدت عباس أنّ الفيلم يعتمد على النظرات والصمت بقدر اعتماده على الحوار، مشيرة إلى أنها تُفضّل أحيانًا التعبير من دون كلمات، وإن كانت ترى أنّ لكل مرحلة في مسيرتها أدواتها الخاصة.

وعن العمل مع الممثلة الشابة التي أدّت دور الابنة، قالت إن التجربة كانت مميّزة، ولاحظت لديها تركيزًا عاليًا ووعيًا بالشخصية. وأشارت إلى مفارقة طريفة حين لاحظت شبهًا كبيرًا بينها وبين زميلتها، حتى إنها ظنَّت، في أحد المَشاهد، أنّ صورة قديمة في الديكور تعود إليها، قبل أن تدرك أنها صورة للممثلة الشابة.
وتناولت مشاركتها بفيلمين في المهرجان، فأوضحت أنها لا تختار أعمالها بناء على الانتماء الوطني، بل بناء على إيمانها بالقصة وموضوعها. وأشارت إلى وجود حركة نسوية إبداعية واضحة في عدد من البلدان العربية، من بينها تونس ولبنان وفلسطين والجزائر والمغرب، مؤكّدة أن الحضور النسائي بات يمثّل قوة فنية مهمّة.

أما عن الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ»، الذي افتتح عروض برنامج «البانوراما»، فرأت أنه يطرح سؤال الجرأة على كسر القيود، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، مؤكّدة أنّ السينما مساحة للبحث عن معنى أعمق.
وقالت إنها لا تميل إلى الواقعية المباشرة، بل تبحث عن مستوى آخر من التعبير يتجاوز الحدث. وأضافت أنها لم تتردَّد في العمل مع مخرجتَي الفيلمين، نظرًا إلى إقامتهما في باريس، وإعجابها بالنصوص التي قدّمتاها.
واستعادت عباس بداياتها الفنية، مشيرة إلى أنها بدأت في المسرح في سنّ الثانية والعشرين، بعدما درست التصوير الفوتوغرافي هروبًا من مسار فرضته عليها عائلتها. وأوضحت أن انتقالها إلى التمثيل جاء بالمصادفة، عندما طُلب منها أن تحلَّ محل ممثلة قبل أسبوعين من عرض مسرحي في فرنسا، فخاضت التجربة ووجدت نفسها على خشبة المسرح.

وأضافت أنّ أول تجربة لها مع السينما كانت عام 1986 من خلال فيلم «عرس الجليل» للمخرج ميشيل خليفي، إذ بدأت بالعمل ضمن فريق الإنتاج قبل أن تحصل على دور صغير أمام الكاميرا. وأشارت إلى أن تلك اللحظة كانت نقطة تحوّل في علاقتها بالسينما.
وعن هويتها الفلسطينية، أكدت أنّ فلسطين جزء لا ينفصل عن تكوينها الإنساني، وأنها تحمل ذاكرتها معها أينما ذهبت. وقالت إنّ هويتها علَّمتها ألّا تكره لأنّ ذلك يعوق التقدّم. وأضافت أنّ السينما منحتها وسيلة لربط فلسطين بالعالم من خلال الحكايات التي تقدّمها.
وعلَّقت هيام عباس على الجدل الذي شهده مهرجان برلين حول غزة، فقالت إنها لم تسمع بنفسها التصريحات التي نُسبت إلى رئيس لجنة التحكيم، لذلك لا تريد التعليق على كلام لم تسمعه مباشرة. وأوضحت أنها سمعت أن رئيس لجنة التحكيم تحدَّث عن فكرة أنّ السينما لا يجب أن تكون سياسية، لكنها لا تعرف السياق الكامل.
وأضافت أنها استمعت إليه قبل عام في الأكاديمية الأوروبية للسينما، وكان حديثه سياسيًا بوضوح، مؤكّدة أنه مخرج تناول موضوعات سياسية في أعماله، لذلك لا تريد تقديم تفسير غير مكتمل لما قيل.
وأكدت أنّ هناك واقعًا معروفًا في ألمانيا يتعلَّق بإسكات بعض الأصوات الفلسطينية، خوفًا من اتّهامها بمعاداة السامية أو بمعاداة دولة إسرائيل، مشيرة إلى أنّ هذا الأمر متداول علنًا وليس رأيًا شخصيًا.
وأضافت: «كيف يمكن أن نقول إنه لا يجب أن نكون سياسيين؟ يجب أن نتحدَّث عمّا نفكّر فيه، وإذا اختلفنا في الرأي، يجب أن نتحاور. النقاش ضروري من أجل التقدُّم، ولا يمكن الاستمرار في الصمت بحجّة تجنُّب هذا الموضوع».
وختمت عبّاس حديثها بالتأكيد على أنّ أمنيتها الأساسية هي إيجاد حلّ عادل لفلسطين، وإنهاء الصراعات في العالم، من السودان إلى أوكرانيا، مؤكّدة أنّ هويتها الفلسطينية جزء من حضورها العالمي.
اقرأ أيضا: «لمن يجرؤ»… دانيال عربيد تُفكّك الحبّ خارج القواعد