فاصلة

حوارات

إيزابيل أوبير لـ«فاصلة»: الراحة عدوّة الإبداع

Reading Time: 4 minutes

تتحدَّث الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير، في مقابلة مع «فاصلة»، عن علاقتها العميقة بفعل الاختيار وتصفه بأنه المرحلة الأهم في مسيرتها، مُتوقّفةً عن مقاربتها لشخصية الكونتيسة في فيلم «كونتيسة الدم» المعروض ضمن المسابقة الدولية لمهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته السادسة والسبعين. وتتناول أوبير رؤيتها لبناء الشخصية، ودور العناصر البصرية في تشكيل الأداء، وعلاقتها بالنصّ واللغات المتعدّدة، إضافة إلى موقفها من مفهوم النجاح وضغط التوقّعات، مؤكدة أهمية الحفاظ على استقلاليتها الفنية.

وقالت إنّ لحظة اختيار أيّ فيلم في مسيرتها تكاد تكون اللحظة التي يُحسم فيها كل شيء، مؤكدة أنّ قرار الموافقة ليس خطوة عابرة، وإنما فعل جوهري يحدّد مسار العمل بالكامل، وكأنَّ الفيلم يُنجز معنويًا في تلك اللحظة.

وأكدت أن اختيار العمل يكون مُحمّلًا بطاقة كاملة، فحين تقول «نعم» تكون قد قطعت نصف الطريق، لأنّ ما يأتي بعد ذلك يصبح امتدادًا منطقيًا لهذا القرار. وأشارت إلى أنّ امتلاكها حرّية الانتقاء وفق معاييرها الخاصة يُعد امتيازًا كبيرًا، لكنه يفرض عليها التزامًا مضاعفًا، إذ لا يمكنها الدخول في مشروع من دون إيمان كامل به، موضحةً أنّ الثقة شرط أساسي بالنسبة إليها، لأن أيَّ شكّ مهما كان بسيطًا قد يجعل التجربة برمّتها هشّة.

The Blood Countess
The Blood Countess (2026)

جاءت هذه المقابلة على هامش وجودها في برلين لحضور عرض فيلم «كونتيسة الدم». وتحدَّثت أوبير عن تجربتها في أداء شخصية الكونتيسة ذات الطابع الأسطوري، برؤية معاصرة ترتبط بأسئلة الحاضر.

وعن طبيعة الشخصية، قالت إنّ الكونتيسة في الفيلم لا تُقدَّم على أنها مصّاصة دماء بالمعنى التقليدي، بل على هيئة كائن يبحث عن شيء غير محدَّد بوضوح، معتبرة أنها أقرب إلى «رسول» يحمل توقًا غامضًا نحو مصدر الحياة نفسه. وأضافت أنّ هذا البحث عن الحياة يقود بالضرورة إلى الاقتراب من الموت، وهو ما يشكّل التوتر الأساسي في الشخصية.

وأوضحت أنها لم تنشغل كثيرًا بتوصيف ما إذا كانت هذه الرغبة حديثة أو معاصرة، لكنها رأت أنّ اندفاع الكونتيسة نحو تحقيق هدفها يعكس توقًا إنسانيًا عامًا لا يرتبط بزمن محدّد، إذ يُجسّد رغبة مُلحَّة في بلوغ ما يتجاوز التعريفات المباشرة.

وأكدت أنّ بناء الحضور الجسدي للشخصية لم يكن قرارًا منفصلًا عن رؤية المخرجة أولريكه أوتينغر، بل جاء نتيجة اندماج كامل مع اختيارات الأزياء وتسريحات الشَّعر والمكياج التي حدّدت ملامح الكونتيسة منذ البداية. وأضافت أنّ هذه العناصر البصرية لعبت دورًا أساسيًا في تشكيل الشخصية، وأنها وافقت منذ اللحظة الأولى على تصوّر المخرجة، ليصبح الشكل جزءًا من البناء الداخلي.

إيزابيل أوبير
The Blood Countess (2026)

وأيضًا، أشارت أوبير إلى أن كون الشخصية تنتمي إلى سلالة نبيلة تعود إلى قرون مضت فرض ثقلًا خاصًا على الأداء، خصوصًا أنّ الفيلم يتعمَّد اللعب على فكرة الزمن، إذ لا ينتمي إلى حقبة محدَّدة رغم حضور أزياء تعود إلى خمسينات القرن الماضي. ولفتت إلى أنّ الإحساس بالانتماء إلى تاريخ بعيد، مع وجودها في فضاء بلا زمن واضح، جعلها تميل حدسيًا إلى طريقة معينة في الكلام والحركة.

وأوضحت أنّ هذا البناء لم يكن نتيجة جلسات تحليل طويلة أو قرارات عقلانية دقيقة، بل تسلَّل تدريجيًا إلى الأداء من خلال الإحساس العام بالشخصية. وأضافت أنّ الكونتيسة تبدو كأنها غير متجذِّرة في مكان محدَّد، إذ تسافر باستمرار وتبدو مستعدّة للمغادرة في أيّ لحظة، وهو ما انعكس على نبرتها وطريقتها في الوجود داخل المشهد، من دون تخطيط مُسبق.

وعن تعدُّد اللغات في الفيلم، إذ تتنقَّل الشخصية بين الإنجليزية والفرنسية والألمانية، قالت إنّ الأمر لم يكن صعبًا، فقد انسجم مع طبيعة الحكاية. وأوضحت أنّ اللغات لا تفصل بين الشخصيات، بل تقرّبها، حتى لو لم يتحدَّث الجميع اللغة نفسها حرفيًا. وأضافت أنّ الاختلاف اللغوي يمكن أن يكون عنصرًا للتواصل بدلًا من أن يُشكّل حاجزًا، مشيرة إلى أنها عملت قليلًا على اللغة الألمانية لأنها لا تتحدَّثها بطلاقة، لكن ذلك لم يكن عائقًا، فهو جزء من التجربة.

إيزابيل أوبير
The Blood Countess (2026)

وتحدَّثت عن علاقتها بالكاتبة إلفريدي يلينيك، مشيرة إلى أنّ التعاون بينها وبين المخرجة أولريكه أوتينغر أتاح لها فرصة اللقاء مجددًا بالكاتبة بعد سنوات طويلة منذ فيلم «مالينا» مع المخرج فيرنر شروتر. ورغم أنها لم تحدّد بدقة مدى تدخُّل يلينيك في صياغة الحوارات، فإنها رأت أنّ روحها الساخرة وأسلوبها الخاص يظهران بوضوح في نبرة النصّ.

وأضافت أنّ يلينيك، كما في أعمالها السابقة، قادرة على خلق لحظات طريفة داخل سياقات تبدو قاتمة، مستشهدةً بفيلم «معلّمة البيانو»، الذي رأت أنه احتوى على مفارقات ساخرة رغم قتامة موضوعه.

وعن نبرة الفيلم، قالت إنها لم تُفاجأ بكونه يحمل طابعًا ساخرًا أو خفيفًا، لأنّ ذلك كان واضحًا منذ قراءة السيناريو، وكذلك في طريقة حديث المخرجة عن المشروع. وأوضحت أنها لم تتوقَّع مقاربة ميلودرامية أو نفسية تقليدية، بل فهمت أنّ الفيلم يتحرَّك في مساحة أكثر تجريدًا وأقل اهتمامًا بالتفسير وأكثر انشغالًا بالإحساس.

The Blood Countess (2026)
The Blood Countess (2026)

وعن وصف أدائها بأنه «نفسي»، قالت إنها لم تفهم يومًا هذا الوصف بدقة، لأنّ كلّ إنسان يمتلك نفسًا بطبيعته. وأضافت أنه إذا كان المقصود البحث عن تفسير عقلاني دقيق لسلوك الشخصية، فإنّ هذا الفيلم لا يقدّم تفسيرات جاهزة، بل يعتمد على الإحساس والانطباع.

وأشارت إلى أنها شاهدت الفيلم مع الجمهور ولاحظت دهشتهم، كأنهم لا يصدّقون ما يرونه. ورأت في هذا الشعور عنصرًا أساسيًا من تجربة السينما، إذ تنتقَّل الصور من لحظة إلى أخرى من دون تفسير واضح، لكن المُشاهد يظلّ مرتبطًا بها من خلال إحساس داخلي.

وأكدت أنها لا تؤمن بفكرة النجاح بوصفه معيارًا مُسبقًا للاختيار، لأنّ النجاح لا يمكن التنبؤ به ولا يمكن أن يكون هدفًا يُبنى عليه القرار. وأضافت أنه يكفي أن يحب شخص واحد الفيلم ليُعد ذلك نجاحًا، لأن الأذواق تختلف بطبيعتها، ولا يمكن لأي عمل فنّي أن يرضي الجميع. وشدَّدت على أن الأهم بالنسبة إليها هو أن تظل صادقة مع اختياراتها، وألا تخسر نفسها تحت ضغط التوقّعات.

اقرأ أيضا: مديرة مهرجان برلين ترد على الانتقادات في حوار خاص مع «فاصلة»

شارك هذا المنشور

أضف تعليق