فاصلة

مقالات

«شيوخ الطريقة»: كيف ظهر سائقو الأماكن المتحركة في الأفلام؟

Reading Time: 8 minutes

 مادام هناك وسائل مواصلات، فهناك طريق، ولكل طريق طريقة لعبوره، ولكل طريقة “شيخ” وسائقو هذه الوسائل هم “شيوخ الطريقة”.

زخرت السينما بالعديد من شيوخ الطريقة، كلهم رجال تقريبًا، هؤلاء السائقين، رغم مهارتهم العالية، لكنّهم فاشلين في حياتهم الشخصية، غير قادرين على التحرك شبرًا في قرار صحيح رغم الأميال التي يقطعونها، كلما كان السائق متمكنًا من الآلة كلما عجز أكثر في واقعه، إنّهم وحيدون رغم الازدحام حولهم، لكنّ ذلك الاكتظاظ بالذات، فارغ، لحظي، لا يعمل شيء سوى تعميق معاني الوحدة.

The Phantom Carriage (1921)
The Phantom Carriage (1921)

واحد من أغرب السائقين، وأكثرهم غموضًا وسحرًا، الفيلم السويدي “العربة الشبح” عام 1921، لفيكتور سيوستروم عن رواية للكاتبة السويدية الحائزة على نوبل سِلما لاغرلوف، وأحد كلاسيكيات السينما الصامتة، عن العربة التي يجرها حصان، ذات العربة وذات الحصان لكن الشخص الذي يقودها دومًا يتغير، إذ يكون آخر شخص يموت في 31 ديسمبر من كل عام.

يبدأ الفيلم باحتضار الراهبة إديت (أستريد هولم) تطالب قبل موتها لمقابلة شخص يدعى ديفيد هولم (فيكتور سيوستروم) الذي نراه سكيرًا مع شخصين آخرين يحكي لهم عن صديق عابر قابله مرة وحكى له عن العربة الشبح، يستعرض الفيلم حياة ديفيد هولم فنجده زوجًا مهملًا، وقاسيًا، وأبًا لا يفي بمهام الأبوة، فلماذا كانت الأخت إيديت تريد مقابلته يا ترى؟ فيلم عن أزمات الضمير، والأخلاق، والندم، والحب المكتوم، يجدر الذكر أنّ فيكتور سيوستروم قد أدى دور البطولة في فيلم السويدي إنغمار برغمان “التوت البرّي”، لقد أثر هذا الفيلم بفكرته الغريبة على المستوى البصري والفكري في أفلام أخرى تجده له أثرًا في أفلام عظيمة مثل “الختم السابع” عن الفارس الذي يقابل الموت شخصيًا في زمن الطاعون، وفيلم و”البريق” لستانلي كيوبريك في مشهد جاك (جاك نيكلسون) وهو يحطّم الباب بالفأس.

في فيلم “قواعد اللعبة” لرينوار، نرى السيد أندريه قادرًا على عبور الأطلسي، لكنّه عاجز عن الظفر بحبيبته، ويقول لها السيد أوكتاف، الذي لعب دوره رينوار نفسه: إنه “مأزق كل الأبطال اليوم، إنهم رائعون في الجو، لكن حين عودتهم إلى الأرض يصبحون ضعفاء، ومساكين، وقليلي الحيلة، وتصرفاتهم خرقاء كالأطفال، يُمكنهم عبور الأ”لسي، لكن ليس الشانزليزيه خارج ممر المشاه، هذه هي حقيقتهم”.

روبرت دي نيرو
Taxi Driver (1976)

سائق آخر بمشاكل نفسية أخرى من “سائق التاكسي” لمارتِن سكورسيزي، إنه جوهرة هذا المخرج البارع الأكثر لماعًا، رجل وحيد، عاد من الحرب ولم يتلقَ الاهتمام الكافي، ترافيس (روبرت دينيرو) غارق في وحدته، في ليل نيويورك، صوته نصف الغافي، مع الألوان الحارقة، وموسيقى الجاز، تتلقفنا قصة ترافيس من محاولاته للتقرب من فتاة يحبها، إلى المشاركة في حملة انتخابية، وحتى ارتكابه جريمة قتل من أجل الطفلة إيريس (جودي فوستر) لينقذها من دعارة الأطفال، إنّ التيمة في هذا الفيلم “هي الوحدة، لذا نجد في الفيلم استعارة تجسد هذه التيمة وتعبر عنها. لقد كان السائق الذي يقود سيارة الأجرة في فيلم سائق التاكسي هو التعبير الكامل عن الشعور بالوحدة”[2]

أبو صدّام
أبو صدّام (2021)

في 2021 قدم الممثل الموهوب محمد ممدوح الشهير بـ”تايسون” فيلم “أبو صدّام” عن سائق الشاحنة الماهر في الطرقات، رجل كبير الحجم مثل العربة التي يقودها، لكنه محبط، عصبي، تجرحه النساء لأسباب يقولها الفيلم همسًا فهناك زوجته التي لا تطيعه وتذهب للاستنجاد بوالدها (سيد رجب)، والعابرة التي تستفزه بملابسها المكشوفة (هديل حسين)، والراقصة (غادة منصور) التي يحضرها لشاحنته كي يمارسان الجنس لكن أداؤه لم يرق لها، أبو صدام رجل ممتلئ بالمحبطات فيخرج ذلك على شكل سباب، وعصيبة، وعداوة لامرأة عابرة لا يعرفها.

إحباط آخر كان من نصيب “عفاريت الأسفلت” لأسامة فوزي، رغم تمكّن سيّد ورينجو (محمود حميدة وعبد الله محمود) من سواقة الميكروباصات في الشوارع القاهرية المزدحمة، إلا أنّهما عاجزين في حياتهما الشخصية، كوميديا شعبية تخلط هم المال بهموم الجسد الجائع، فكلامهما عاجز عن الزواج بحبيبته وعاجز عن حماية نفسه أو من يحب.  

"سواق الأتوبيس" (1982)
سواق الأتوبيس (1982)

لعاطف الطيب سائقان شهيران هما حسن وسيد في “سواق الأتوبيس” (1982) و”ليلة ساخنة” (1996) وكلا الفيلمين من بطولة نور الشريف، وكلا السائقين أيضًا محبط وعاجز، في “سواق الأتوبيس” “الشاب الذي أنضجته أربع حروب خاضها بالتوالي، حرب اليمن، وحرب 67، ثم حرب الاستنزاف وحرب 73. وبالتالي فهو شاب عاش أجمل سنوات عمره بين البارود والنار يواجه الخطر في كل لحظة”[3]

والثاني حسن الذي يصادف حورية (لبلبة) المومس التي تتعرض للنصب، ويخوضان ليلة ساخنة بالفعل في ليلة رأس السنة، “ينتقل الفيلم من الخاص جدًا، وهو محاولة اثنين من الغلابة للحصول على بضعة جنيهات، إلى العام جدًا: وصف مذهل لحال مجتمع التسعينيات، غلابة وأثرياء، وسلطة متأففة لا تهتم إلا بتقفيل عملها، تفكك وسفاهة، وتطرف وتشدد، الفقراء يتحايلون لكسب المال، وقد ينهش بعضهم بعضًا أيضًا، وأثرياء كسبوا أموالهم بطريقة غير شرعية، أو بطريقة لا نعرفها أصلًا”[4]

شيوخ الطريقة
المخدوعون (1972)

في “المخدوعون” (1972) أبو قيس، أسعد، مروان (محمد خير حلواني، بسام لطفي، صالح خلقي) ثلاثة فلسطينيين من ثلاثة أجيال مختلفة، يلتقون في البصرة بعد نكبة 1948، وهناك يقابلون أبا الخيزران (عبد الرحمن آل رشي)، “الكل بيعرفه إنه سواق تمام، وخصوصًا السيارات الكبيرة” هكذا يصفه أبو قيس لباقي الشباب، رغم ذكاء أبو خيزران ووسامته، لكنّه يبدو خائفًا مزعزعًا أمام رب عمله، يتفق الرجال الثلاثة على أن يهربهم أبي خيزران إلى الكويت كي يشقوا طريقًا ويجدون فرصًا للقمة العيش، أثناء الفيلم نعرف أن أبي الخيزران يعاني من عجز جنسي بسبب التعذيب، يبدو الخزان الحديدي للشاحنة وكأنه تابوت، يصل أبو الخيزران إلى الحدود العراقية الكويتية، وهناك يستوقفونه أكثر من اللازم، ضحك ومزاح مع الموظفين في الحجرات المكيفة، والرجال الثلاثة ينتظرون في خزان السيارة، ثم تأتي نهاية الفيلم، النهاية الأليمة التي يعرفها كل من قرأوا رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، يعود أبو الخيزران إلى الشاحنة فيجد أنّهم قد توفوا، يتخلص أبي الخيزران من الجثث الثلاثة في الصحراء الحارقة، تعبير جديد عن خنوع الرجال الذي يأتي أولًا في صورة عجز جنسي، ثم في عجز الإنسانية ككل، في الرواية يطرح غسان كنفاني السؤال:” لماذا لم تطرقوا جدران الخزان؟” أما في الفيلم، فتتوقف الكاميرا عند يد أبي قيس وقد تقوست في شكل طرقة أبدية على جدران الخزان.

Drive My Car (2021)
Drive My Car (2021)

في 2022 وصل إلى القائمة القصيرة في مهرجان “الأوسكار” لأفضل فيلم، الياباني “قودي سيّارتي”، إنّها من المرات القلائل التي نرى فيها فيلمًا في الـ”أوسكار” يدور فصلٌ منه في هيروشيما بعيدا عن القنبلة الذريّة، رغم أنّ للأبطال هُنا حروبهم الصغيرة أيضًا، تبدو العلاقة مكتملة بين الزوجين لكن اكتشافٍ بسبب عودةٍ مُفاجئةٍ إلى البيتِ، أفسد هذه العلاقة، ووضع المخرج المسرحي كافوكو في تساؤلات ضخمة صبغت ما تبقى من الفيلم، فالتقطت تلك النقطة شديدة الخصوصية والعمق سائقته الجديدة ميساكي (توكو ميورا)، التي تعلّمت السواقة الهادئة والرصينة بأقسى الطرق، ما زالت تحمل ذكريات الامتهان.

الفيلم مأخوذ من قصة قصيرة بنفس العنوان للكاتب الياباني الأشهر هاروكي موراكامي، ومن إخراج ريوسوكي هاماغوتشي، في فيلم “ذا ميول” الذي يعني حرفيًا “البغل”، إيرل ستون (كليبنت إيستوود) عن الجندي الأمريكي المتقاعد أحد المشاركين في الحرب الكورية، وسيم، وصامت، بمشاكل مع ابنته وزوجته اللتين فقدتا فيه الثقة، وفشل تمامًا زوجًا وأبًا، يتحول في سنوات عمره المديد إلى مهرب مخدرات بين الولايات المتحدة والمكسيك، بصلافة، مستغلًا بأن لن يشك أحدًا في الأمريكي، الوسيم، الأشيب، الذي يُشبه كلينت إيستوود!

فيلم مندوب الليل (2023)
مندوب الليل (2024)

أما “ليل خارجي” (2018)، لأحمد عبد الله، فيدور في ليلة واحدة، لذا من المسلم به أن نقابل كائنات الليل المعروفة: خائبي الأمل، بائعات الهوى، وسائقي التاكسي (كريم قاسم، ومنى هلّا، وشريف الدسوقي) الصدفة تجمع الشخصيات الثلاث في تاكسي في ليلة من ليالي القاهرة، ومنذ بداية المساء القاهري ذلك حتى طلوع الصباح، ندوخ مع محمد وتوتو ومصطفى في تاكسي الأخير، مجسّم حديدي يطوف المدينة بالشخوص الثلاثة في تلك اللحظة الساحرة حين يتحد الزمان والمكان والأشخاص والأغاني، يعمل محمد مخرجًا لكن مشروعه متعسر، تُظهر توتو ميلًا إلى محمد الذي عاملها بلطف ويشتعل بينهما شيء ما، يتعامل مصطفى مع توتو باحتقار حتى أنّه يصفعها في أحد المطاعم، أمام الناس، إنه رجل مأزوم ووحيد وجائع عاطفيًا، حتى أنّه يتقدم لخطبة توتو في آخر الليلة، والغريب أنّها توافق، لكن لا شيء يتم، لا شيء يدوم مع المومسات وسائقي التاكسي، أما في الفيلم السعودي “مندوب الليل” لعلي الكثلمي، وقد تاولته سابقًا بمقال منفرد[5] ، ليل، ومدينة، وسيارة، ثلاثي يقترح دراميّته بلا مجهود؛ إذ تقول المدن في ليلها كل شيء، خصوصًا لمن يملك أذنًا مُرهقة وسيارة لا تتوقف. أمَّا ملصق فيلم «مندوب الليل»، فيقول إنّ هناك رجلًا باللباس التقليدي «الثوب والشماغ والعقال»، وبعينين حمراوين يحدّق فيمن يراه، وقد كُتب في الأسفل اسم الفيلم باللون الأخضر، والأخضر يعني العطاء والازدهار، لكنه قد يحيلنا إلى أشياء أخرى، متضادة ومتنافرة أحيانًا؛ إشارة السماح بالمرور، وموائد القمار، والبلغم، والمستنقعات، والكدمات التي قاربت على الشفاء، وكتاب معمر القذافي، كما يعني مصطلح «عين خضراء» بالإنجليزية الحقد والحسد، يحكي الفيلم قصة فهد القضعاني (محمد الدوخي)، يعمل مندوب توصيل في الفترة الليلية في الرياض. فهد شاب فقير، من السهل تمييز معاناته، فهو غير متزوج وغير مرتبط، ومسؤول عن والده المريض «محمد الطويان»، وأخت مطلقة مع طفلتها «هاجر الشمري، أماني السامي»، وقد وصل إلى عمرٍ من الصعب فيه إتقان الأمل والبدء من جديد. رجل هشّ على أكثر من طريقة، يفصل من عمله في عملية تجنٍ واضحة، يعجز فهد عن القيام بدوره كرجل يتزوج ويكون أسرة، أو حتى ينفق على والده وأخته المطلقة وابنتها، ويستمر ليل الرياض في استدراج تلك الهشاشة برويّةٍ حتى يتورط في أمر مشبوه وجريمة كُبرى تجمعه هاربًا في حافلة لمجموعة من “مناديب” الليل.

Wild Tales (2014)
Wild Tales (2014)

وأخيرًا فإنّ أظرف “شيوخ الطريقة” وأغربهم وأكثرهم “اختلالًا” فهو غابرييل باسترناك، لم يقم بدوره ممثل معروف أو غير معروف لأننا ببساطة لا نراه، بل نرى فعلته المهولة، فيلم الكوميديا السوداء الأرجنتيني “وايلد تيلز” (2014)، لداميان زيفورن، حيث نرى في مشاهده الأولى عددًا من الغرباء يلتقون لأول مرة على متن طائرة، محادثة بسيطة بين رجل وامرأة يكتشفان أنّهما يعرفان شخصًا اسمه غابرييل باسترناك، يلتقط الحديث شخص ثالث ثم رابع ثم خامس وهكذا يكتشف الموجودون أنّهما يعرفون باسترناك صديقًا، أو حبيبًا سابقًا، أو طالبًا في مدرسة، أو مريضًا نفسيًا، وهكذا وهم معلقون في الجو، يُدركون خطورة أنّ باسترناك قد ساقهم إلى الطائرة بحيلة خارقة الذكاء في رحلة “ولا في الأحلام”.

وكما رأينا في حافلة الأطفال غير العاديين، فإنّ سحر الأماكن المتحركة  أنّها تحقق حركة مزدوجة، لها ولمن تحمله، الطائرة هنا على نهج معظم الطائرات السينمائية، فهي إما لا تصل، أو تتعرض في رحلتها لما يهدد ذلك الوصول، تخبرهم المضيفة في فزع أنّ قائد الطائرة هو غابريل باسترناك شخصيًا، يدخل الجميع في حالة هلع، ويتجه الطبيب النفسي إلى البوابة الفاصلة بين باقي المركبة وقمرة القيادة المغلقة دون الركاب ويقول لباسترناك بأنّه ضحية، وأنّ والديه هما السبب،  تنتقل الكاميرا إلى حديقة منزلية هادئة ووارفة، بحمام سباحة وكرسيين، ويجلس فيها والدين مسنين،  تهبط الطائرة نحوهما بسرعة جنونية، وتقف الكاميرا قبل الارتطام الكامل، لكنه كافٍ لجعلنا نعرف أنّ باسترناك انتقم من كل الذين أذوه مضحيًا بنفسه كي يضمن أن يموت الجميع، إنّ غابرييل باسترناك الذي لم نره، هو أكثر السائقين تأزمًا، وجنونًا، واختلالًا لذلك فهو “شيخ الطريقة” بلا منازع. 

[1]   قسم من فصل “أماكن متحركة” من كتاب “ماذا حدث في مطبخ جون سافوكا؟ قراءة في المكان السينمائي” لهدى جعفر، منشورات حياة، أكتوبر 2025.
[2] تريفور وايتوك، “الاستعارة في لغة السينما”، ترجمة: إيمان عبد العزيز، مراجعة: سمير فريد، المشروع القومي للترجمة، ط1، 2005، ص 8.
[3] حسن حداد، “سينما الثمانينات..طريق مفتون بالواقع رؤية في مفهوم سينما الطريق، سلسلة آفاق السينما، كتاب إلكتروني، ص 22.
[4] محمود عبد الشكور، “سينما مصر: زيارة جديدة لأفلام قديمة”، تنمية، ط 1، 2021، ص 495.
[5] هدى جعفر، “مندوب الليل: الندب حرفًا ومجازًا في ليل الرياض”، موقع “سوليوود”، 24 إبريل 2024.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق