تزخر دفاتر المحاكم الأوروبية من القرون الماضية بحكايات لا تُحصى عن أناس تجرّدوا من هوياتهم الأصلية، وانتحلوا هويات أخرى. ففي عوالم سبقت بطاقات التعريف الإلكترونية والصور الفوتوغرافية، لم تكن الهوية معطى ثابتًا بقدر ما كانت كيانًا قابلًا للتشكّل والتبدّل، يمكن التحايل عليه بقدر من الجرأة والدهاء.
لكن ماذا لو كانت الهوية التي تنتحلها تعود إلى الجنس الآخر؟ ماذا لو كانت المُنتحِلة امرأة تتخفَّى في زيّ رجل، وتسعى إلى إقناع العالم بأنها هو لا هي؟ هنا تُضاف طبقات أخرى من التعقيد للحكاية، طبقات يسعى الكاتب والمخرج ماركوس شلاينسر إلى تفكيكها في فيلمه الروائي الطويل الأحدث «روز»، الذي شهد عرضه الأول في مهرجان برلين السينمائي في دورته السادسة والسبعين.

تهبط روز التي تؤدي دورها ساندرا هولر إلى عالم لا يرحم في قرية صغيرة بقلب البرّية في ألمانيا القرن الثامن عشر، آتية من حرب كانت أحد جنودها. تنتحل شخصية أحد أبناء القرية الذي رحل عنها منذ سنوات طويلة، مُخلّفًا وراءه قطعة أرض صغيرة. تدَّعي روز أنّ الأرض لها، مُثبتةً أحقيتها تلك بأوراق ثبوتية لم يكن ليحوز عليها سوى المالك الأصلي. وما إن يقبلها أهل القرية، على مضض، واحدًا منهم، حتى تعمل روز بجهد صامت لتثبت جدارتها بذلك.
لعلّ أحدًا لا يُضطر إلى إتقان قواعد مجتمع ما أكثر من ذاك الذي يتظاهر بالانتماء إليه. يدخل اللعبة في منتصفها، وعليه أن يقرأ قوانينها سريعًا، أن يلعب وفقها، وأن يفوز. لا مجال هنا للخسارة، فحياته نفسها على المحك.
وفي عالم قرية صغيرة خاضعة على الدوام لنزوات الطبيعة، تصبح القدرة على ترويض تلك الطبيعة ضرورة، ويصير العمل الشاق أقصر الطرق إلى نيل الاحترام وثقة الآخرين. وهو بالضبط ما تفعله روز. تُزهر الأرض التي أتت إليها بعد أن كانت خرابًا، وتُعيّن بعض أبناء القرية للعمل فيها تحت أمرتها. لكن الثقة التي تنالها هشّة وعُرضة للسحب في أي لحظة، لذلك، عندما يعرض أحد رجال القرية ومُلّاك الأراضي المجاورة على روز ابنته للزواج، لا تجد مناصًا من القبول. وهنا تذهب الحكاية إلى مستوى آخر من التعقيد، فإن كانت الهويات في ذلك الزمن سهلة التبدُّل، فالأدوار الجندرية كانت أبعد ما تكون عن ذلك.

يتجسّد التفاوت بين عالمَي الجنسين في المسافة الشاسعة بين حياة روز وحياة «زوجتها» سوزانا. فالحياة التي هربت منها روز، وفضّلت الذهاب إلى جبهة الحرب بدل أن تعيشها، هي نفسها الحياة التي لم تُمنح سوزانا خيارًا سواها. تُقدَّم سوزانا للزواج مقابل الأرض؛ مقايضة صريحة تُعاملها كما لو كانت تُباع وتُشترى. وداخل البيت، لا يختلف موقعها كثيرًا عن موقع كبيرة الخدم؛ وجود دائم وسلطة لا تُفرَض إلا عند الحاجة. روز، بهيئة الرجل، تعبر الحقول والطرقات، تتفاوض، وتأمر وتنهى. أما سوزانا فلا عالم لها خارج حدَّين ثابتين: البيت والكنيسة. هناك تُقاس حياتها، وهناك تنتهي.
وليس عبور الحدود بين الجندر موضوعًا طارئًا على الأدب أو السينما؛ فقد شُغل به الخيال طويلًا، ووجد أحد أكثر تجلياته ذكاءً في رواية «أورلاندو» لفرجينيا وولف، حيث يتنقّل بطل/بطلة الحكاية عبر القرون ويتحوّل من رجل إلى امرأة دون أن يفقد استمرارية ذاته، وكأنّ الجندر ليس إلا رداء يمكن للمرء أن يُبدّله ويرتديه مرة أخرى بسهولة.
غير أن ما كان عند وولف تأمّلًا شاعريًا في سيولة النوع، يصبح هنا تجربةً وجودية محفوفة بالخطر؛ فعبور روز ليس رحلة اكتشاف، بل حيلة بقاء. هي لا تعبر لتعرف نفسها، بل لتشق لنفسها مسارات أوسع في الحياة. «السروال يمنح المرء حرّية أكبر»، كما تعبّر روز نفسها في أحد المَشاهد. وإذا كان عالم «أورلاندو» يسمح للجندر أن يبدو مثل أداء يمكن تعلّمه وإتقانه، فإنّ عالم «روز» يُذكّرنا بأنّ لكلّ أداء جمهورًا، وأنّ هذا الجمهور لا يكتفي بالمُشاهدة، بل يراقب ويمتحن ويُحاسب. فالمجتمع لا يرضى بإجادة الدور وحدها؛ إنه يطالب بتطابق صارم بين الوجه والقناع، بين الكائن وما يدّعيه. وأيّ ارتخاء في هذا التطابق يُقرأ خيانة وليس اختلافًا. وبينما سمحت عوالم «أورلاندو» للتحوّل أن يكون لعبة زمن وهوية، يضع «روز» هذا التحوّل تحت مجهر الواقع الاجتماعي الصارم، حيث لا يُنظر إلى تبدُّل الجندر بوصفه احتمالًا فلسفيًا، بل على أنه خرق لنظام كامل لا يتسامح مع من يعبر حدوده، حتى لو كان عبوره السبيل الوحيد لحياة أكثر حرّية.
على غرار «الشريط الأبيض» لمايكل هانيكه، بنى شلاينسر هنا صورته السينمائية لتتحلّى بجماليات متقشّفة بالأبيض والأسود. ولم يأت هذا التأثُّر مصادفة، فقد عمل شلاينسر مع هانيكه مدير اختيار ممثلين. تناسب الصورة العالم الذي تُصوّره، فهذا مجتمع يضع أفراده في ثنائيات صارمة لا سبيل للهروب منها.

وبمثل هذا التقشُّف يأتي السرد. فالفيلم لا يستمر أكثر من ساعة ونصف ساعة، ومن ثم لا يقضي وقتًا في استكشاف عوالم روز الداخلية وتجربتها الوجودية بكونها امرأة في زيّ رجل، بل يمنح الأولوية لتعقيدات الحبكة، خصوصًا بعد أن يُفرَض عليها الزواج من امرأة مثلها. لا نلمح من داخلها إلا قبسات عابرة، عبر تعليق صوتي أنيق يُضيء على روحها أكثر مما يروي قصتها، تاركًا ما تبقّى لذروة ثقيلة في الفصل الأخير.
ومن هنا، يقع العبء الأكبر في تجسيد روح روز على أداء ساندرا هولر، التي تتفوَّق في تلك المهمّة، فيغدو تمثيلها درّة التاج في الفيلم. الممثلة المخضرمة التي لعبت أدوار البطولة في «تشريح سقوط» و«منطقة الاهتمام» تُجسّد روز بتحفّظ يليق بالشخصية. سلوكها في الغالب هادئ، وصوتها يتيّخذ نبرة آمرة تعكس ما تؤمن به روز وما يسلّم به أهل البلدة: أن تصبح رجلًا في ذلك الزمن يعني أن تصبح سيّدًا يُطاع. ومع تقدّمها في سلّم المكانة داخل القرية، تمضي بخطوة واثقة وطموحة. وحدهما عيناها تفضحان ثقل سرّها؛ فالقامة التي تبدو في العلن مستقيمة وممتلئة بذاتها، تلين وتنحني في عزلة غرفتها. هناك، خلف باب الحجرة الصغيرة التي تأوي إليها، يسكن الجسد الهشّ حيث يقيم سرّها.
في النهاية، لا يُقدّم «روز» قصة تنكُّر بقدر ما يقدّم حكاية نجاة. ثمن أن تعيش في عالم لا يعترف إلا بما يفهمه، ولا يصدّق إلا ما يشبهه. ليس فيلمًا عن الخداع، بل عن النظام الذي يجعل الخداع ضرورة. وحين نغادره، لا يبقى في الذهن سؤال إن كانت روز قد نجحت في أداء دورها، بل سؤال أعمق: كم من الأدوار نؤدّيها نحن أيضًا كي يسمح لنا العالم بأن نبقى؟ ففي عالم مثل هذا، لا يكون القناع دائمًا علامة زيف، بل أحيانًا يكون شرطًا وحيدًا للنجاة.