في اليوم الثاني من حضوري مهرجان برلين السينمائي الدولي، في دورته السادسة والسبعين، خرجت من منطقتي الآمنة داخل قصر المهرجان في بوتسدامر بلاتز، وتوجّهت إلى قاعة «أورانيا» في برلين لمشاهدة العرض العالمي الأول لفيلم «خروج آمن». وهي قاعة وقعتُ في حبها منذ اللحظة الأولى، إذ تمنح شعورًا بحميمية نادرة، ربما لأنّ صالات السينما القائمة بذاتها تمتلك دائمًا سحرًا خاصًا.

«خروج آمن» هو الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج محمد حمّاد، بعد سنوات من فيلمه الأول «أخضر يابس»، الذي تناول حكايات نسائية حميمة. هنا، يقدم حمّاد قصة مختلفة، شديدة الخصوصية، تدور حول سمعان، الشاب البالغ ثلاثة وعشرين عامًا، الذي يحمل صدمات عميقة مرتبطة برؤيته مقتل والده. يعمل سمعان فرد أمن في إحدى عمارات وسط البلد، وقد أشار المخرج إلى أنهم استخدموا أربع بنايات مختلفة لخلق هذا الفضاء السينمائي، الذي يستلهم ملامحه من عمارات باب اللوق في القاهرة.
نراه جالسًا يؤدّي عمله، من دون أي ملامح تدل على استمتاعه أو ارتباطه بما يفعل. يمضي وقته بين الاستماع إلى الإذاعة، وقراءة الروايات، وكتابة نصه الشخصي الذي يحمل عنوانًا دالًا: «من أنا؟».

يبدو سمعان وحيدًا إلى حد بعيد. يسكن سطح العمارة التي يحرسها، مثل أبطال أفلام الواقعية الجديدة، يعيش على هامش المكان وسكانه. يخبرنا، عبر صوت مُصاحب مقتطع من كتاباته، أنّ والده علَّمه أنّ رجل الأمن الناجح يجب أن يتحلّى بالطاعة والانضباط، لكنه أضاف إلى هذه القاعدة عنصرين آخرين: الخوف والخضوع. إنها رؤية صادمة، تكشف عن شخصية ممتثلة بطبيعتها، تدرك ما يحدث حولها، لكنها لا تقاوم الشر، حتى عندما تمسّه مباشرة. لا يردّ على الإهانات، ولا يرفض الأوامر، بل يواصل الانسياق مع التيار، حتى عندما يقوده نحو فنائه.
يذكّر ذلك بنظرية «الضفدع المغلي»، وهي استعارة تشير إلى أن الضفدع، إذا وُضع مباشرة في ماء مغلي، سيقفز فورًا لينجو، لكن إذا وُضع في ماء فاتر ثم رُفعت حرارته تدريجيًا، فإنه لن ينتبه إلى الخطر، وسيبقى حتى يغلي الماء، ويفقد القدرة على الهروب. هذه النظرية تمثّل مجازًا للتغيرات السلبية التدريجية التي نتقبّلها بصمت، حتى تصبح قاتلة. هذا هو وضع سمعان تحديدًا: سلسلة من محاولات التأقلم مع بيئة تزداد قسوة وسُمّية تدريجيًا، من دون اتخاذ ردّ فعل حاسم.

هل يجعل ذلك من سمعان بطلًا سلبيًا؟ ليس تمامًا. يتمثّل تمرّده في الكتابة، التي تبدو متنفَّسه الوحيد ووسيلته للبقاء. يكتب لكي لا يختنق، ولكي يوثق ما يمرّ به. ينقسم الفيلم إلى ثلاثة فصول: «قال لي أبي»، و«قالت لي فاطمة»، و«قال لي عبد الله»، في إشارة إلى ثلاث شخصيات محورية في حياته: الأب، المسيحي المتديّن الذي كان يعمل في ليبيا؛ وفاطمة، المرأة الثلاثينية الشعبية، المريضة جسديًا لكنها قوية الحضور؛ وعبد الله، الشاب الإسلامي المتطرّف الذي يسكن العمارة نفسها. إلى جانبهم، هناك «عم عربي»، الحارس الآخر، الذي يُشكل حضورًا إضافيًا في محيطه.
على المستوى البصري، يُقدم حمّاد صورة متقشّفة، خالية من الإبهار الزائف. تُهيمن الألوان الباردة، مثل الأزرق والرمادي والأخضر، بما يعكس الحالة النفسية للبطل. يُصوّر القاهرة من منظور سمعان: مدخل العمارة في باب اللوق، سطحها وغرفها المهجورة، شوارع وسط البلد التي تُرى من الأعلى، مكتب الطبيب، شقة عبد الله، دار النشر، ومكتب المحامي. نادرًا ما يخرج الفيلم من هذه المساحات المُغلقة، لكنّ تصميمها البصري والسمعي يمنح كلًا منها طابعًا مميزًا.
تظهر غرفة شقيق سمعان، المحاطة بالأيقونات القبطية، ودار النشر المكتظة بالكتب، ومكتب الحراسة الصغير، بما يحتويه من غلاية كهربائية معطلة، وراديو، وكتب متناثرة، بوصفها تفاصيل تنتمي إلى عالم مصري خالص. كما يتكرّر حضور لوحة «الملاك الساقط» لألكسندر كابانيل، التي تعكس بدقة حالة البطل: تمرُّد داخلي يقابله امتثال خارجي.
أما على مستوى الصوت، فيتعامل حمّاد مع ضجيج وسط القاهرة بوصفه عنصرًا دراميًا أساسيًا. في بعض اللحظات، يرتفع الضجيج إلى حدّ يجعل التفكير مستحيلًا: أصوات محرّكات المياه، وصفارات الإنذار، وضوضاء البشر، كلّها تُشكّل طبقة إضافية من الاختناق. وفي لحظات أخرى، حين يدخل سمعان في حالة تأمُّل أو سلام مؤقت، تختفي هذه الأصوات، لتحلّ محلها أخرى أكثر حميمية، مثل صوت فاطمة وهي تغنّي لحسن الأسمر، أو صوت الراديو. اللافت أنّ الفيلم يتجنَّب استخدام الموسيقى التصويرية التقليدية، مُعتمدًا فقط على الأصوات المنتمية إلى عالمه الواقعي.

يُحسب لحمّاد أيضًا اختياره الدقيق للممثلين. يقدم مروان وليد أداءً استثنائيًا، هادئًا وداخليًا، في دور سمعان، يعتمد على الاقتصاد في التعبير. وجهه، الصامت في معظم الأحيان، يعكس بدقة تعقيد الشخصية. إلى جانبه، تبرز نهى فؤاد في دور فاطمة، مقدِّمة أداءً متناقضًا ومركبًا، يجمع بين الصلابة والهشاشة، وبين الجرأة والانكسار.
في مُجمله، يقدّم محمد حمّاد، في فيلمه الروائي الطويل الثاني، عملًا متماسكًا، متعدّد الطبقات، يجمع بين البُعد الفلسفي والوضوح الإنساني، بلغة بصرية متقشّفة، وتصميم صوتي يعكس الحالة النفسية للبطل. إنه فيلم يمكن وصفه بأنه غارق في «مصريته»، وهو ما قد يمنحه القدرة على تحقيق معادلة نادرة: أن يكون عملًا فنيًا صادقًا، وقابلًا للتواصل مع الجمهور في الوقت نفسه.
اقرأ أيضا: «لمن يجرؤ»… دانيال عربيد تُفكّك الحبّ خارج القواعد