في كتابه «ما وراء مبدأ اللذة»، يخبرنا سيغموند فرويد عن الجنس، لا بوصفه فعلًا بيولوجيًا فحسب، ولكن بكونه طاقة ومحركًا رئيسيًا يُشكّل الشخصية والعلاقات. ويمضي فرويد في تحليله ليؤكد وجود دافعَيْن رئيسيَيْن يحرّكان الإنسان: إيروس، «دافع الحياة»، المرتبط بالجنس، وثاناتوس، «دافع الموت»، المرتبط بالعنف والتدمير.
في فيلم «Rosebush Pruning»، للمخرج البرازيلي الجزائري كريم عينوز، ومن تأليف اليوناني إفثيمس فيليبو، يبرز تساؤل مركزي حول إمكان امتزاج دافعَي الحياة والموت، في عالم غرائبي يبدو كأنه نتاج تعاون غير مُعلن بين سيغموند فرويد ويورغوس لانثيموس.

استعادة لعائلة غير محترمة جدًا
تدور أحداث الفيلم، الذي ينافس ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي 2026، حول عائلة أميركية مهووسة بالأزياء والموضة، تعيش في منزل يقع على الساحل الإسباني. الأم متوفاة، ويعيش الأب الأعمى مع ثلاثة أبناء وابنة. ومع ظهور حبيبة الابن الأكبر، تتكشَّف تدريجيًا حقيقة مقلقة: العائلة بأكملها تحمل هوسًا جنسيًا غريبًا تجاه الابن الأكبر.
الفيلم مقتبس عن الفيلم الإيطالي «Fists in the Pocket»، وهو العمل الأول للمخرج الإيطالي ماركو بيلوكيو، الذي شكَّل انطلاقته الفنية عام 1965. في النسخة الأصلية، كانت الأم هي العمياء بدلًا من الأب، وكان الهوس الجنسي قائمًا بين الأخ والأخت. وإنما العنصر الثابت في العملَيْن هو تقديم أسرة ذات طابع غريب وشهواني، يحتلّ فيها الابن الأكبر موقع الشخصية الأكثر «طبيعية»، والقادرة على تحقيق نوع من الانفصال أو الخلاص، وإن كان الحلّ، في الحالتين، يمرّ عبر العنف.

كل شيء يشير إلى لانثيموس
رغم أنّ الفيلم من إخراج كريم عينوز، فهو يبدو كأنه امتداد لعالم المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس. فالعمل ينتمي بوضوح إلى عالم الكاتب إفثيمس فيليبو، أكثر مما ينتمي إلى بصمة عينوز الإخراجية، ويمكن اعتباره جزءًا من مشروع فنّي أوسع يستكشف غرابة الطبيعة البشرية، إلى جانب أعمال مثل «Dogtooth»، و«Kinds of Kindness»، و«The Killing of a Sacred Deer».
وكما في أعمال فيليبو السابقة، ينشغل الفيلم بالأفكار الغريبة التي تحكم السلوك الإنساني، وبالانغماس في عالم مادي فاقد للمعنى، وبالانهيار الأخلاقي. ولا يقتصر التأثر هنا على عالم لانثيموس وفيليبو، بل يمتدّ بوضوح إلى عالم التحليل النفسي الفرويدي.

فرويد والهوس بالجنس والدماء
يرى فرويد أنّ الرغبات الجنسية غير المتحقِّقة تؤدّي إلى توتر نفسي، يتحوّل بدوره إلى مَيْل متزايد نحو العنف والتدمير. بمعنى آخر، فإنّ فشل تحقيق دافع إيروس يؤدّي إلى تصاعد دافع ثاناتوس، ومع الوقت، يمتزج الدافعان.
يبدو هذا التحليل مناسبًا لفهم سلوك أبناء هذه العائلة. فالابن الثاني، إد، الذي يؤدّي دوره كالوم تيرنر، يروي الحكاية، ويصف نفسه وإخوته بأنهم محدودو الموهبة. لكنه يكرّر نقطة أساسية: أنه هو، وأخته آنا، وأخاه روبرت، لم يخوضوا أي تجارب جنسية من قبل.
وعندما يخوض إد تجربته الجنسية الأولى، تصبح هذه التجربة دافعًا للهرب من العائلة، لكنها تسبق أيضًا انخراطه في العنف. أما آنا، التي تؤدّي دورها رايلي كيو، وروبرت، الذي يؤدّي دوره لوكاس غيج، فيقودهما الكبت الجنسي إلى أفعال عنيفة وغريبة، تتراوح بين المُمكن والمتخيل.
قد يبدو الفيلم، عند قراءة ملخّصه، وكأنه عمل قاتم وعنيف ومنفّر، لكن ما يفعله كريم عينوز بهذه المادة يختلف عن هذا الانطباع الأولي.

متعة وتسلية… وروح غائبة
ينجح عينوز في تقديم فيلم ممتع ومسلٍّ، يمكن تصنيفه ضمن الكوميديا الغرائبية. كما يوظّف اهتمامه بالموسيقى، مُستخدمًا مقاطع إلكترونية تمنح بعض أجزاء الفيلم طابعًا أقرب إلى فيديو كليب ممتدّ.
يدخل عينوز عالم إفثيمس فيليبو، لكنه يضيف إليه قدرًا من الحميمية، بدلًا من البرودة الميكانيكية المرتبطة بأعمال لانثيموس. ومع ذلك، فإنّ المشكلة الأساسية في الفيلم تكمن في غياب الروح. فلا ينجح العمل في خلق ارتباط عاطفي بين المُشاهد والشخصيات، بسبب المبالغة في غرابتها.

حتى شخصية مارثا، حبيبة الابن الأكبر جاك، التي تؤدّي دورها إيل فانينغ، تبدو في البداية شخصية طبيعية، لكنها تتحوّل لاحقًا إلى شخصية مادية، مدفوعة بالطموح الطبقي، وهو ما يعزّز الإحساس بالمسافة العاطفية بين الشخصيات والمُشاهد.
في النهاية، يبدو «Rosebush Pruning» عملًا غرائبيًا مصمّمًا لإرضاء جمهور المهرجانات، وتأكيد صورة السينما بوصفها مساحة حرة للتجريب. وإنما هذه الغرابة، رغم تطرّفها الظاهري، تبقى ضمن حدود محسوبة، ممّا يجعل الفيلم تجربة مثيرة فكريًا، لكنها محدودة التأثير العاطفي.
اقرأ أيضا: كريم عينوز: الثروة قد تصنع الفاشية… و«Rosebush Pruning» يكشف الثمن