فاصلة

حوارات

مديرة مهرجان برلين ترد على الانتقادات في حوار خاص مع «فاصلة»

Reading Time: 4 minutes

في لقاء خاص مع «فاصلة»، تحدَّثت مديرة مهرجان برلين السينمائي الدولي، تريشيا توتل، عن العاصفة السياسية التي أحاطت بالدورة الحالية، وعن الجدل الذي بدأ قبل أيام وتصاعد مع صدور بيانات ومواقف وإعلانات انسحاب.

وقالت توتل إنّ التساؤلات المطروحة حول «حرّية التعبير» داخل «برليناله» تثير دهشتها، مؤكدةً أنّ المهرجان قائم على هذا المبدأ منذ ستة وسبعين عامًا، ولم يكن يومًا مساحة مغلقة. وأضافت أنّ ما يحدث اليوم لا يرتبط بقرار إداري داخل المهرجان، بل يعكس حالة استقطاب حاد يشهدها العالم، موضحةً: «نحن نعيش أكثر الأوقات انقسامًا. فقضية إسرائيل – غزة كانت شديدة الاستقطاب داخل ألمانيا، كما في مختلف مجالات الحياة، بما في ذلك الثقافة والمهرجانات».

وأوضحت أنّ المشكلة الأساسية تكمن في غياب أرضية مشتركة، في ظلّ وجود أطراف متعارضة بشدّة «لا ترى واقع بعضها البعض»، ممّا يجعل أي مساحة عامة، بما في ذلك المهرجان، ساحة لتقاطع هذه الصراعات. وأكدت أنّ «برليناله» وجد نفسه في «مرمى نيران» جدل سياسي لا يتعلّق بالمهرجان نفسه بقدر ما يعكس انقسامًا مجتمعيًا أوسع، مشيرةً إلى أنها تتعاطف مع «جميع الأطراف»، وتسعى إلى «الحفاظ على مساحة للجميع»، لكنها أقرَّت بأنّ «إدارة هذا التوازن في ظلّ مناخ مشحون ليست مهمّة سهلة».

وفي تعليقها على ملاحظات بعض النقاد بشأن تصاعد حضور الأفلام ذات الطابع السياسي في المهرجانات الكبرى، قالت توتل إنّ السينما كانت دائمًا انعكاسًا لتجارب الناس ووجهات نظرهم، منذ ستينات القرن الماضي، إن لم يكن قبل ذلك، مؤكدةً أنّ هذا البُعد جزء من تاريخ «برليناله»، كما هي الحال في مهرجانات كبرى مثل البندقية وكان السينمائي. وأضافت أن هذه الأفلام ليست «متطرّفة»، بل تُعبّر عن تجارب معيشة حقيقية، وأنّ المهرجانات لطالما عكست تحولات العالم.

تريشا توتل
تريشا توتل

وأشارت إلى أنّ التحدّي الحالي لا يكمن في وجود أفلام سياسية، بل في صعوبة الحديث عن السينما نفسها، إذ يتحوَّل النقاش سريعًا إلى القضايا العالمية التي تعكسها هذه الأفلام. وأكدت أنّ الدورة الحالية تضمّ صنَّاع أفلام فلسطينيين وإسرائيليين، بعضهم يقدّم أعمالًا سياسية مباشرة، فيما يقدّم آخرون أفلامًا عائلية أو إنسانية، مشدّدةً على أنّ الطيف واسع ومتعدّد، وأنها، رغم الحساسية العاطفية المُحيطة بالموضوع، لا ترى جدلًا كبيرًا حول هذه الأفلام هذا العام.

وعند سؤالها عن توقّعاتها عند تولّي المنصب، قالت توتل إنها كانت تدرك حجم التعقيد منذ البداية، نظرًا إلى أنّ «برليناله» مهرجان كبير جدًا، وأكثر دولية وتعقيدًا في حاجاته مقارنةً بمهرجانات أخرى. وأوضحت أنّ طبيعة المهرجان، بوصفه منصّة للعروض العالمية الأولى، تمنحه دورًا مختلفًا عن مهرجانات تعتمد على أفلام سبق عرضها، مشيرةً إلى أنّ مهمّته الأساسية تتمثَّل في تقديم أفلام «لم يسمع بها أحد بعد»، ومنحها فرصة الوصول إلى جمهور أوسع وأسواق توزيع مختلفة، سواء عبر موزّعين مستقلين، أو عروض مهرجانية، أو إصدارات تجارية.

وأضافت أنّ إدارة مهرجان بهذا الحجم تعني التعامل مع بنية تحتية واسعة، ومسؤوليات مالية كبيرة، وتوازنات سياسية معقَّدة، إلى جانب الشغف بالأفلام نفسها. وقالت إنّ الشعور يتأرجح بين كونه «أفضل وظيفة في العالم» وبين لحظات ضغط شديد قد تدفع الشخص إلى «شَدّ شعره»، وفق تعبيرها، معتبرةً أنّ ذلك طبيعي في وظيفة بهذا الحجم.

وعن هوية «برليناله»، والنقاش المتكرّر حول فقدانه «بوصلته» بين النجوم والسينما المستقلّة، أوضحت أنّ هذا الجدل قديم ومتجدّد، مشيرةً إلى أنّ هناك مَن يطالب بمهرجان أكثر حضورًا للنجوم والسجادة الحمراء، فيما يدعو آخرون إلى التركيز على السينما المستقلّة والأفلام السياسية. وأكدت أنّ هذا التوتر كان دائمًا جزءًا من طبيعة «برليناله»، مضيفةً أن برنامج هذا العام يتمتَّع بدرجة أكبر من التماسك والترابط بين أقسامه المختلفة، من المسابقة الرسمية إلى «بانوراما» و«فوروم»، مع إدراك أنّ لكلّ قسم جمهوره الخاص.

وفي ما يتعلق بحضور المرأة في البرنامج، قالت توتل إن إدارة المهرجان لم تلاحظ ذلك إلا بعد انتهاء عملية الاختيار، لكن الدورة الحالية تضم نسبة واحد وأربعين في المائة من المخرجات، مؤكدةً أنّ هذا الأمر لم يكن نتيجة نظام حصص أو «كوتا»، بل جاء نتيجة قوة الأعمال المقدَّمة. وأضافت أنّ صناعة الفيلم الثاني والثالث في السينما المستقلّة أكثر صعوبة من الفيلم الأول، وأنّ رؤية هذا العدد من المُخرجات في مراحل متقدّمة من مسيرتهن أمر يبعث على التفاؤل.

كارت أزرق
كارت أزرق

وتطرَّقت توتل أيضًا إلى أزمة الفيلم السوداني «كارت أزرق»، الذي سُحب من سوق المهرجان بعد رفض السفارة الألمانية في القاهرة منح فريقه تأشيرات الدخول، ووصفت الأمر بأنه «محبط جدًا» بالنسبة إلى إدارة المهرجان أيضًا. وأوضحت أنّ المدّة الزمنية بين إبلاغ الفريق بقرار الرفض وقرارهم سحب الفيلم كانت قصيرة جدًا، ممّا لم يترك مجالًا كافيًا لتدخُّل المهرجان.

وأضافت أنها علمت بالخبر عبر وسائل الإعلام، وأنّ الأمر حدث مؤخرًا، مؤكدةً أنها لم تتواصل بعد رسميًا بشأن التفاصيل، لكنها أعربت عن استيائها من رفض التأشيرات «على هذا الأساس»، وفق ما ورد في بيان صنَّاع الفيلم.

وعن الانتقادات المتعلّقة بحضور السينما الألمانية في البرنامج، ردَّت أنها ليست على علم بوجود انتقادات من هذا النوع، مشيرةً إلى أنّ عدد الإنتاجات الألمانية، أو المشتركة مع ألمانيا، كان مرتفعًا تاريخيًا، وهو ما ينطبق على هذه الدورة أيضًا، إذ يضمّ البرنامج واحدًا وخمسين إنتاجًا ألمانيًا، إلى جانب عدد أكبر من الإنتاجات المشتركة.

تريشيا توتل

وأكدت أنّ «برليناله» مهرجان دولي في جوهره، لكنه، مثل أي مهرجان وطني، يحرص أيضًا على دعم المواهب المحلّية، بما في ذلك صنَّاع الأفلام من خلفيات ثقافية متنوّعة وأجيال مهاجرة.

وفي ما يتعلق بالمنصات الرقمية، أوضحت أنّ المهرجان لا يتّخذ موقفًا مبدئيًا ضدّ أي شركة بعينها، بل يقيّم كلّ فيلم وصانعه على حدة. وأضافت أنهم لا يفرضون قواعد صارمة تمنع مشاركة أفلام مرتبطة بمنصّات رقمية، لكنهم يمنحون الأولوية للأعمال المُصمَّمة للعرض على الشاشة الكبيرة، ويعملون داخل المهرجان وسوقه على دعم هذه الأفلام في العثور على موزّعين وعروض سينمائية حول العالم، مؤكدةً أنهم لا يسعون إلى الإفراط في برمجة أفلام مخصَّصة حصريًا للبثّ الرقمي.

اقرأ أيضا: برليناله تحت النار… أزمات أشعلت عاصفة من الانتقادات

شارك هذا المنشور

أضف تعليق