قبل تسع سنوات، قدمت المخرجة الجورجية الشابة آنا أوروشادزى نفسها للعالم بأفضل صورة ممكنة، عندما حصل فيلمها الأول «أم مرعبة Scary Mother» على جائزة أحسن عمل أول من مهرجان لوكارنو، بحكايته الشيقة عن ربة منزل خمسينية تقرر أن تكتب روايتها الأولى عن امرأة تشبهها تتحول تدريجيًا إلى وحش، لتنزلق في حالة بين العقل والجنون، وتبدأ في تخيل العالم بصورة مغايرة للحياة الاعتيادية التي عاشتها طيلة عمرها. فيلم مزج الدراما بقدرٍ من الرعب النابع من تشابه متاعب بطلته مع ملايين البشر حول العالم.
طال انتظار عمل أوروشادزي التالي، لتعود المخرجة الموهوبة بعد تسعة أعوام كاملة بفيلمها الثاني «دور داعم Supporting Role»، الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان روتردام السينمائي الدولي، ليجمع في نهاية المهرجان بين جائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسى)، ليُعبر اجتماع اللجنتين على العودة القوية للمخرجة، التي تفعل مجددًا ما أتقنته في فيلمها الأول: الإبحار في نفسية شخص يعيش على الحافة، لكن بمعطيات مختلفة كليًا عن بطلتها القديمة.

فبينما كانت البطلة في «أم مرعبة» امرأة عادية، عاشت حياة غير ملحوظة حتى قررت في فصلها الأخير أن تبحث لنفسها عن مكان في العالم، فإن بطل «دور داعم» على النقيض: رجل عاش كل أشكال التحقق والنجومية، غير أن حاضره يختلف كثيرًا عن الماضي. نياز نينوا نجم سينمائي كبير، اعتادت صورته أن تملأ الشاشات والصحف وأن يسعى لودّه الجميع، بل لا يزال يحتفظ بمكانه في قلوب من يقابلهم من جمهوره القديم، والذين لا يتورعون عن عرض توصيلة مجانية أو رفض تقاضي أجر سلعة اشتراها.
لكن نياز ابتعد عن الأضواء لأكثر من خمسة عشر عامًا، لا يكشف الفيلم كثيرًا عما إذا كان الابتعاد اختياريًا أم لأنه ببساطة لم يعد مطلوبًا، لكنه يلمح أن السبب في الأغلب مزيج بين الأمرين. الفيلم يبدأ بمقابلة نياز لمخرجة شابة لعمل أول «كاستنغ» في حياته المهنية. الرجل الذي اعتاد أن يمتلك حق اختيار الأفلام التي يلعبها، والذي امتلك شخصية درامية تُنسج الأفلام كي تناسبها، يوافق لأول مرة أن يجلس أمام مخرجة في عمر أبنائه تحدثه عن تخيلاتها للفيلم الذي لا يفهم منه شيئًا. فيلم يبدو سورياليًا لا يتفق مع ما يعرفه عن فن هو أحد أقطابه في البلاد، غير أن العالم لم يعد كما كان.

في ظروف أخرى، كان نياز لينهي المقابلة طالبًا مهلة للتفكير كوسيلة مهذبة لرفض الدور، وهو ما ينوي فعله، لكن تطورات الساعات التالية لتلك المقابلة، تجعل النجم القديم يعيد النظر لكل شيء في حياته، لنجاحاته السابقة وانزواءه الحالي، للفن وعلاقته به، وللأسرة التي كان عليه أن يهجرها ـ أو يُجبرها أن تهجره – حتي يتمكن من استكمال مسيرة لا يبدو أنها قد أتت له في النهاية بما يستحق عناء الوحدة.
رحلة تتأرجح بين الواقع والخيال، بين ما يمكن أن يعانيه نجم قديم ابتعد عن الأضواء يُفكر في دور ينتمي إلى سينما جديدة لا يعرف عنها شيئًا، وبين منطق الحلم أو للدقة الكابوس، الذي يأخذ نياز فيفقد القدرة على إدراك الوقت الذي مر به، بينما يتنقل من موقف إلى آخر، بين مجموعات متباينة من البشر يحمل كل منهم انعكاسًا لشيء ما داخله. نعم، ما يكتشف نياز في رحلته المتأخرة نحو الاستنارة أن النجومية جعلته يعيش حياته وفقًا لأعين الآخرين، سواء كانت أعين مُحبة، كارهة، أو ساخرة.

الدور الذي كان رفضه منطقيًا يغدو هدفًا عليه مطاردته، والعالم لم يعد كما كان عليه لحظة دخوله للقاء تلك المخرجة الشابة الممتلئة بذاتها، وعلى النجم العجوز أن يُقابل ماضيه كي يُحرر حاضره الذي هو كل ما يملكه في ظل كون المستقبل – منطقيًا – لا يحمل الكثير.
بين عائلات مُعجبي الماضي الذين يمزجون الإعجاب باستحقاق التعدي على خصوصية النجوم، والمهاجرين المندهشين من تقدير الناس لعجوز لا يعرفون هويته، لزملاء المهنة القدامى الذين يعيش كل منهم أزمته الخاصة من الأفول الجسدي والمعنوي، تكرر آنا أوروشادزى ما فهلته بإجادة في فيلمها الأول: التعبير عن كابوسية الحياة المعاصرة، ومداعبة الحدود الهشّة بين الحقيقة والوهم.
«دور داعم» الذي يفتتح العام السينمائي بقوة ليس فيلمًا عن صناعة السينما وإن كان يحمل تعليقًا على أشكالها المُعاصرة، لكنه بالأساس فيلم عن التيه المحكوم على البشر السير فيه، مهما بلغوا من شعور بالتحقق والاكتفاء بالذات سُرعان ما يُثبت الزمن إنه كان مجرد وهم.
اقرأ أيضا: «من قتل أليكس عودة؟»… صورة مثالية للسينما الاستقصائية