من بين الكم الوفير من الأفلام المعروضة هذا العام ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثامنة والأربعين من مهرجان كليرمون فيران السينمائي (30 يناير – 7 فبراير)، برز فيلم «كنتاكي غزة» لعمر رمّال كأحد أكثر الأعمال نضجًا وحنكةً. حضور الفيلم في كليرمون ليس معزولًا عن سياق المهرجان الذي لطالما رحّب بالسردية الفلسطينية في تماهٍ واضح مع موقف الإدارة وجزء من الجمهور، بل ومع جزء من سكّان المدينة الفرنسية التي تقف إلى جانب الضحايا، لا منذ الأحداث الأخيرة فحسب، وإنما منذ تأسيس هذا الحدث الثقافي.
لا يأخذنا الفيلم إلى غزة ليرينا إياها بقعة سُوِّيت بالأرض كما نعرفها اليوم، لكنه يعيدنا إلى المدينة قبل أن تُختزَل في صورتها المأسوية الأبشع. إلى غزة عندما كانت مأهولة بالحياة، مزنّرة بإيقاعها اليومي وصخبها. وربما تكمن «الصدمة» الأشد في هذا الاختيار الجمالي، في أن الفيلم لا يقيم أي علاقة مباشرة بما جرى بعد السابع من أكتوبر المشؤوم، ولا يستثمر في راهنية الدم والدمار، وإنما يقرر الإبحار بهدوء على أمواج زمن سابق، مستعيدًا شكل الحياة كما كانت، بكلّ ما تحمله من بساطة ودفء وجهد جماعي في تجاوز العوائق، كنوع من شهادة مؤجّلة على ما فُقد لاحقاً.
أقل ما يمكن القول عن الفيلم إنه أخّاذ وساحر، مشغول بإتقان، حد أنه يترك أثرًا في نفْس المُشاهد، ويدفعه إلى حافة الدموع مع صعود جنريك النهاية، بعد عشرين دقيقة مكثّفة من تجربة سينمائية لا تمنحنا لحظة واحدة لالتقاط أنفاسنا. فمن السيناريو إلى المونتاج، مرورًا بالتصوير وأداء الممثّلين، كلّ عنصر يبدو في مكانه، متماسكًا ومضبوط الوتيرة، كأن الفيلم تُخُيِّل وكُتِب وأُنجِز بنَفَس واحد.

يتحقّق هذا كله من دون أي خطاب مباشر عمّا يعاني منه سكّان غزة عشية «طوفان الأقصى». فما نراه هو تفاصيل الحياة اليومية ودورانها المعتاد، كما لو كنّا في ساو باولو أو مانيلا، مع تلميحات كافية لنفهم الوضع. مجرد أناس يحاولون تدبير شؤونهم كيفما استطاعوا، في ظلّ حصار يخنق التفاصيل الصغيرة قبل أن يطال المصائر الكبرى. لا مكان هنا للخطابية، ولا لإعلان المواقف أو إصدار البيانات. فالفيلم، بقوة إيحائه الداخلي واكتماله الفنّي، لا يحتاج إلى شيء من ذلك، إذ يكتفي بأن يكون، وأن يترك للصورة واللحظة الإنسانية مهمّة قول ما عجزت عنه الشعارات.
يستقي الفيلم مادته من الواقع المعيش، غير أن براعته الحقيقية تكمن في قدرته على الارتقاء بهذا الواقع إلى مستويات أخرى. فالحكاية في جوهرها واقعية، لكن التفاصيل هي ما يصنع الفارق الجوهري، محوّلة العمل من مادة توثيقية جافة إلى تجربة سينمائية تضرب مباشرة على الوتر الحسّاس.
يكفي أن نعود إلى الإنترنت ونبحث عن عبارة «كنتاكي غزة» حتى نكتشف خلفيتها الواقعية: أخبار وتقارير تروي إمكان حصول الغزاويين بدءًا من عام 2013، عبر اتصال هاتفي ومقابل مادي عال نسبيًا، على وجبة دجاج من سلسلة «كي أف سي»، تُجلَب من مصر عبر شبكة الأنفاق. وقد نشأت، مع ازدياد الطلب، شركات — أو مبادرات تجارية صغيرة — لتقديم هذه الخدمة تحديدًا. في ظلّ العزل شبه الكامل الذي يفرضه الحصار الإسرائيلي على القطاع، تحوّلت الأنفاق إلى شرايين حياة بديلة، لا تنقل السلع الأساسية فحسب، بل تمتد لتشمل حتى تفاصيل تبدو للوهلة الأولى هامشية، مثل وجبة دجاج سريعة، لكنها في الواقع تختزن دلالات أعمق عن الرغبة في حياة طبيعية.
ينطلق عمر رمّال من هذه الفكرة، مموضعًا أحداث فيلمه في الأيام التي سبقت «طوفان الأقصى»، ناقلًا القصّة من حيّزها العام إلى فضاء حميمي خاص، ومضفيًا عليها نكهات وبهارات سردية تُكسبها فرادتها. وهكذا نتعرّف إلى أبو أنور، صاحب مطعم متواضع للدجاج المقلي في غزة. إنه رجل أنهكه العمر، يغلّفه الملل والتعب، ويبدو مكتفيًا بما يدرّه عليه عمله من ربح محدود. في المقابل، يقف الابن أنور: شاب ما عاد يتحمّل بخل والده، وسطوته، وغياب أي أفق أو طموح يتجاوز حدود اليومي في مستقبله.
بعد خلاف محتوم بين الأب والابن، يغادر الأخير مطعم والده ليجد نفسه منخرطًا في مغامرة غير متوقّعة: تهريب كميات من دجاج الكنتاكي برفقة أقاربه. ما يبدأ كمحاولة فردية، سرعان ما يتحوّل إلى ظاهرة اجتماعية، قابلة لقراءات متعدّدة، تنطلق كتعبير عن حاجة أهل غزة إلى التواصل مع العالم الخارجي بأي وسيلة كانت، حتى لو جاءت عبر وجبة دجاج.

سرعان ما يغدو الدجاج نفسه استعارة تحمل دلالات، تختزن معاني التجديد والانفتاح والرغبة في الاستقلالية، لا سيما أن الفيلم يشتبك أيضًا مع صراع الأجيال، المتجسّد في العلاقة المتوتّرة بين الأب والابن. هنا يتجلّى ثراء العمل، إذ لا يكتفي بتصوير الحصار باعتباره حدثًا سياسيًا مجردًا وظالمًا، وإنما يغوص في أثره العميق على الناس وعلاقاتهم بعضهم ببعض. السيناريو شديد الوعي بالسياسة، حتى وإن كنا لا نرى من إسرائيل سوى هدير طيرانها الاستطلاعي في السماء، فحضورها في حياة أهل غزة أكثر تجذّرًا من أن يُختزَل في صورة مباشرة.
أتقن عمر رمّال فنّ عدم إهمال التفاصيل الجانبية التي تسحقها الأفلام النضالية، مدركًا أن الحرب والظروف القاسية والحصار لا تُلغي حاجات الإنسان ورغباته الأساسية. لذلك يبتعد عن الطرح المباشر، لمصلحة معالجة تضع أنور وسعيه إلى التحرّر من السلطة الأبوية في صلب المسألة. هذا الخيار يمنح الفيلم صدقه، فلا نشعر في أي لحظة أننا أمام ابتزاز عاطفي أو استدرار التعاطف السهل.
الأسلوب هو ما يحكم الفيلم. إذ يختار عمر رمّال ألّا يقدّم بكائيات، رغم أن الأحداث تقع على مرمى حجر من الحقبة السوداء التي ستدخلها غزة في أكتوبر 2023. وفي هذا الخيار وعي عميق بالسينما وبسيكولوجيا الجماهير، التي يمكن استمالتها عبر الشؤون الصغيرة والتجارب اليومية، ممّا يعزّز التفاعل مع الشخصيات ويكرّس شعور التماهي معها بعيدًا من الشفقة.
نعم، هذا فيلم يحمل سخرية، فنضحك فيه بلا أي شعور بالذنب، بل وننسى للحظات أننا في غزة. لكن هذا النسيان الموقّت هو في ذاته ذروة إنسانية، لأن الشخصيات تُقدَّم لنا بعيدًا من كونها نماذج رمزية ذات وظيفة محدّدة. إنه استرداد حقيقي لضعفهم وجبروتهم عبر الشاشة. من سينما إيليا سليمان، وصولًا إلى ما قدّمه الأخوان ناصر في فيلمهما «كان يا ما كان في غزة»، مرورًا بباسل خليل، مخرج «أسبوع غزاوي»، لم تغب عن السينما الفلسطينية محاولات مقاربة العيش المأزوم بخفّة ولامبالاة، وبشيء من الطرافة التي تمرّر المعنى الثقيل بأدوات خفيفة.
اقرأ أيضا: صوت هند رجب… أنفاس ما قبل الموت