هل من المصادفة أن تتقدّم السيارة إلى قلب الصورة، وإلى صدارة عدد من أبرز الأفلام السعودية في السنوات الأخيرة؟ في أفلام مثل «مندوب الليل» لعلي الكلثمي و«سكّة طويلة» لعمر نعيم و«هجرة» لشهد أمين، و«مدينة الملاهي» لوائل أبو منصور، و«آخر سهرة في طريق ر» لمحمود الصبّاغ و«آخر زيارة» لعبد المحسن الضبعان، و«ناقة» لمشعل الجاسر، تتحرر وسيلة النقل الحديثة من وظيفتها عنصرًا من عناصر «فيلم الطريق»، لتصبح فضاءً دراميًا قائمًا في ذاته، يجيز البوح والقول والتواصل بين المسافرين على متنها. السيارة كما بدت في السينما السعودية، فضاء رمزي مكثّف يختزل صراع الفرد مع المدينة والعائلة والقيم. هي المكان الذي تتحرك فيه الشخصيات بحرية أكثر، لكنها أيضًا الحيز الذي تصبح عرضة فيه للامتحان. جماليًا، السيارة تضبط الإيقاع وتفرض القرب الجسدي وتلقي نظرة من الداخل إلى الخارج، كما أنها تمنع الهروب البصري تاركةً الشخصيات أمام خيار واحد وحيد: التفاعل في ما بينها.

إذا عدنا إلى بدايات السينما، رأينا أن السيارة كانت أداة فوضى وعبث وكوميديا. لا يُحصى عدد المرات حيث يصطدم سائق بعابر سبيل في كوميديات بورلسكية. لكن يبدو أن السيارة، تحديدًا في السياق الشرق أوسطي، قد أصبحت ملاذًا للحديث عن تحولات مجتمعية أعمق، بعيدًا من سلطة المكان. فهي عثرت، من دون إعلان نظري مسبق، وكما فعلت السينما الإيرانية قبل السعودية، على مساحة مثالية وآمنة للتعبير: مساحة لا هي داخل مغلق تمامًا، ولا هي خارج مفتوح محكوم بألف اعتبار واعتبار. السينما السعودية نفسها، أسّستها أفلام تعطي السيارة دورًا محوريًا. ففي «السينما 500 كم» لعبد الله آل عياف (2006)، رحلة بالسيارة تقود شابًا سعوديًا إلى البحرين ليدخل فردوس السينما لأول مرة في حياته، في زمن كانت الصالات لا تزال محظورة في بلاده!
والحق أن السيارة تقع في المنتصف، في المنطقة الضبابية بين الخاص والعام، وهي تبدو في العديد من النصوص السينمائية امتدادًا للجسد والوعي، بحيث أن الشخصية التي تتولّى قيادتها تمارس سُلطتها وصلاحياتها من خلالها.

في «مندوب الليل»، أحد أجمل الأفلام السعودية في تاريخها الفني، يمضي فهد ساعات طويلة خلف مقود سيارته، متنقّلًا من طلب إلى آخر، ومن اختبار أخلاقي إلى امتحان وجودي. داخل هذا الصندوق المتحرك، يتكثّف الليل، وتتراكم الهواجس، وتصبح الرياض أكثر قربًا وأشد قسوةً. العلاقة الملتبسة بين فهد ومدينته، تمر عبر السيارة: هو أسيرها و«مالكها»، يعبر شوارع العاصمة ويخضع لها في الحين نفسه. الكاميرا تتماهى مع حركة السيارة، مع انعطافاتها وتوقّفها وانطلاقها. السيارة تمنح فهد وهمًا بالسيطرة، ليصبح التنقّل شكلًا من أشكال الدوران في المكان، لا يقود إلى خلاص، بقدر ما يوفّر احتكاكًا بهامش المدينة.

في «سكّة طويلة»، يبدو الانتماء إلى «سينما الطريق» أوضح من حيث البنية، فيما السيارة تظلّ العنصر الأكثر مركزية. الرحلة من الرياض إلى أبو ظبي مسار جغرافي، لكنه أيضًا مسرح مغلق يرغم الشقيقين على المواجهة، وعلى إعادة فتح الجراح. المطاردة التي تشكّل العمود الفقري للفيلم، لا يمكن تصوّرها من دون السيارة. التوتّر، الخوف، التشويق، كلها عناصر تتولّد من الاحتكاك المستمر بين سيارتين، بين داخلين مغلقين يندفعان نحو الأفق. السيارة هنا تتحوّل وعاء للذاكرة المشتركة. كلّ حوار بين مريم وناصر يحدث تحت ضغط السرعة والخطر، ذلك أن الطريق نفسه لا يسمح بالمراوغة أو التأجيل. في الصحراء حيث الامتداد اللانهائي، تصبح السيارة مكانًا للاختناق، مكثفةً العلاقة الإنسانية بدلًا من تشتيتها.

في «هجرة»، تأخذ السيارة بُعدًا مختلفًا، في ضوء المزيد من الالتصاق بالبنية الاجتماعية والدينية. الرحلة هنا مشروطة منذ البداية: النساء لا يتحركن إلا بوجود سائق، والسيارة تصبح تجسيدًا ماديًا لفكرة «المحرم»، وللقيود التي كانت تحكم الحركة في السعودية في زمن مضى. لكنها في الوقت نفسه، وبمفارقة لافتة، تتيح التحوّل الداخلي، فتشرّع الباب أمام وعي جديد، خصوصًا لدى الطفلة جنة، التي تراقب العالم من نافذة السيارة. هنا تفرض السيارة نفسها كشرط وجودي وقيد اجتماعي. الطريق الطويلة، الوعرة، التي تعبرها الشخصيات، تجعل من السيارة مكاناً للتعايش القسري. ومع تقدّم الرحلة، يفقد الهدف المعلن، البحث عن سارا، مركزيته، لتصبح السيارة نفسها مختبرًا للتحولات النفسية، ومساحة يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الإيمان والخوف والتحرر.

في «آخر زيارة» لعبد المحسن الضبعان، تحتلّ السيارة موقعًا مركزيًا باعتبارها الحيّز الذي تبدأ فيه العلاقة بين الأب والابن وتساهم في ردم الهوة بينهما، قبل أن تتشظّى على امتداد الفيلم. داخل السيارة، يجلس المجتمع على المقعد الخلفي، ويخفت ضغط العائلة، ويصبح الكلام أو الصمت ممكنًا. السيارة هذه المرة مساحة للبوح المؤجَّل، للقلق غير المصوغ، وللعلاقة المعلّقة بين جيلين لا يعرفان كيف يتخاطبان خارج هذا القفص المتحرّك. هذا كله في مجتمع محافظ، حيث تُراقَب الكلمات وتُقاس الإيماءات.

في «آخر سهرة في طريق ر» لمحمود الصبّاغ، السيارة أو الشاحنة التي يقودها متعهّد الحفلات نجم تأتي بالانفتاح إلى السعودية، ذلك أنها تحمل في داخلها كلّ المعدّات والآلات الموسيقية للغناء. على متنها سيتنقل كلّ من نجم والمغنية كولا وموسيقيان من مكان إلى آخر. إنها استوديو متنقّل أو «كاتمة الأسرار». مرة أخرى، تتعلّق المسألة برحلة تكوينية، مع كلّ ما تنطوي عليه من لحظات مصارحة وغضب وخلاف يتمخّض منها فجر سعودي جديد.
ما يجمع هذه الأفلام، على اختلاف أساليبها وخطاباتها وأنماطها، هو إدراك ضمني (قد لا يعيه السينمائيون أنفسهم) بأن السيارة تمثّل أحد أهم فضاءات القول في المجتمع السعودي المعاصر. هذا ما يجعل الربط مع ظاهرة تسجيل فيديوهات لوسائط التواصل الاجتماعي داخل السيارة ربطًا مشروعًا ودالًا. الكاميرا الأمامية، الوجه القريب، وضوح الكلام الموجَّه للمُشاهد، الإحساس بالخصوصية الموقّتة… كلها عناصر تعطي السيارة شرعية في هذا المجال. هناك آلاف الفيديوهات المصوَّرة داخل السيارة، حيث نرى أصحابها يتكلّمون بحرية أكبر، كما لو أن هذا الحيز الصغير المتحرك يمنحهم فرصة للصراحة.

غير أن هذا «الاكتشاف» السعودي لا يمكن التقاطه كعنصر معزول عن سياق سينمائي أوسع. فالسينما الإيرانية، منذ تسعينات القرن الماضي، كانت سبّاقة في تحويل السيارة إلى حيز بديل، وإلى مساحة سينمائية مثالية للالتفاف على القيود، أكانت رقابية، اجتماعية أو أخلاقية. عند عباس كيارستمي، تحتل السيارة موقعًا يكاد يكون فلسفيًا. في «طعم الكرز»، لا نغادر السيارة إلا عندما تنتهي حلول الأرض كلها. «البطل» يقود سيارته في ضواحي طهران بحثًا عمّن يساعده على تنفيذ قراره الوجودي. الحوارات تُمسرح السيارة، جاعلةً منها خشبة محايدة ظاهريًا، تسمح بطرح أسئلة كبرى عن الحياة والموت. هذا التحليل ينسحب على عدد من أفلام كيارستمي: من «عشرة» إلى «عشرة على عشرة» مرورًا بـ«ستحملنا الرياح». في «عشرة على عشرة»، المؤلَّف من عشرة فصول، يموضع المخرج الإيراني كاميراه على «التابلو»، موثّقًا نقاشات سيدة مع شخصيات مختلفة تصعد إلى السيارة، من بينها ابنها وصديقة. من خلال هذه الحوارات التي تبدو عادية في ظاهرها، طوّر كيارستمي حسًّا نقديًا عند المتلقّي تجاه قضايا المرأة والدين وغيرهما، مركّزاً على صعوبة الكائن في التعريف عن أفكاره بوضوح. كان كيارستمي مشغولًا، على الدوام، بتلك التفاصيل الصغيرة التي تقرّب البشر بعضهم من بعض. ويتجلّى ذلك بوضوح في خياره الجمالي للتصوير داخل السيارة، ذلك الفضاء الحميمي الذي لم يكتفِ باعتماده، بل ارتقى به، معزّزًا إياه باللقطة الطويلة المؤلَّفة من مشهد واحد، حيث الزمن يتكشّف بلا مقاطعة. خلال لقاء صحافي، سألته عن إصراره على التصوير داخل السيارة، وكان معروفًا أن الدافع ليس اقتصاديًا. ابتسم وأجاب بنبرة تختصر فلسفته: «أعتقد أن السيارة أفضل مكان لاستقبال أحدهم. لستَ مضطرًا إلى فتح الباب للضيف عند قدومه، ولا إلى مرافقته إلى الباب عند رحيله». وفي يوم رحيله، عنونتُ المقال: «كيارستمي؟ انه الطريق!». وكلّ طريق تحتاج إلى سيارة. أما الأهم فليس الطريق نفسها بل ما يحدث عليها.

في «تاكسي»، ذهب زميله جعفر بناهي أبعد من ذلك، محوّلًا السيارة إلى بلاتو سينمائي متنقّل. قاد السيارة بنفسه في خطوة رمزية. الكاميرا مثبّتة، الشخصيات تتبدّل، والمدينة تمرّ عبر الزجاج كخلفية متغيّرة. داخل هذا الحيز الصغير، تُقال أشياء لا يمكن قولها في الفضاء العام. السيارة تصبح حيلة جمالية وسياسية في آن واحد: منصّة لتبادل الأفكار، للمقاومة الناعمة، لعرض تناقضات المجتمع الإيراني من دون ادعاء البطولة. حتى ابن بناهي، باناه باناهي، يوم أنجز فيلمه الأول، «هيت ذا رود»، حوّل السيارة ميكروكوزمًا يحتضن رحلة عائلية تعبر الحدود في اتجاه تركيا. «في إيران»، قال باناه يومها، «تمثّل السيارة معنى الحرية: حرية السفر، لكن أيضًا حرية الحديث، من دون رقابة». هذا من دون أن ننسى أن فيلم والده الأحدث، «حادث بسيط»، يفتتح بمشهد اصطدام بالسيارة فتتولّد جراءه أحداث تخرج عن السيطرة.

لعل ما جمع كيارستمي وبناهي هو إدراكهما المبكر أن السيارة، في مجتمع محكوم بالقيود، تشكّل منطقة وسطى، حيث من المسموح للكاميرا أن تقترب من الوجوه، من دون أن تبدو متطفّلة أو مفتعلة، ملتقطةً اياها من المسافة الوحيدة الممكنة. باختصار، من «مبارزة» لسبيلرغ إلى «سائق تاكسي» لسكورسيزي فـ«أشياء الحياة» لكلود سوتيه، تتغيّر وظائف السيارة ومدلولاتها في السينما، لكن أغلب الظنّ إن الحرية تبدأ أحيانًا من مقعد السائق ومن خلف المقود.
اقرأ أيضا: «آخر سهرة في طريق ر».. ليل أبي معجب وحربه العبثية ضد الزمن