مع مطلع عام 2024، صدر الجزء الأول من فيلم «جرس إنذار»، ليضعنا أمام حالة إنتاجية تستدعي التوقف والتأمُّل في خريطة السينما السعودية. فعند تتبُّع الأفلام المحلّية التي قُدِّر لها أن تتجاوز حاجز الفيلم الواحد لتصنع سلاسل أو أجزاء ثانية، لن نجد القائمة تتّسع لأكثر من عنوانين إلى جانب هذا الفيلم، هما «شباب البومب» و«مسامير».

وإنما المفارقة تكمن في الجذور. فبينما يرتكز الأخيران على إرث جماهيري وتاريخ طويل تجاوز عشرة أعوام مهَّد لانتقالهما إلى السينما، تبدو الحالة الشاذة والفريدة هي «جرس إنذار»، الذي قفز مباشرة إلى جزء ثانٍ من دون هذا التراكم. وهو ما يؤكد أنّ الجزء الأول نجح في تحقيق معادلة رقمية صعبة، متصدرًا قوائم المشاهدة لفترات طويلة في دول عدّة، الأمر الذي شجَّع منصة «نتفليكس» على اتخاذ خطوة تُعد الأولى في أعمالها العربية الأصلية، بإنتاج جزء ثانٍ يستثمر هذا النجاح الجماهيري.
جاء الجزء الأول بتباين فني واضح، أبرز ملامحه الاتكاء على قصة حقيقية مؤلمة، مع خلق استحقاقات درامية كبرى تعثّر الفيلم في الوفاء بها واحدة تلو أخرى. واليوم، نجد أنفسنا أمام تجربة تتكرر؛ إذ يعود الجزء الثاني للاعتماد مرة أخرى على أرشيف الحوادث المدرسية، مُستلهمًا قصة انهيار أرضي في فناء مدرسة. وهنا يستحضر الفيلم تفاصيل حادثة الانهيار التي وقعت في مدرسة متوسطة للبنات بمحافظة عنيزة عام 2014، ليعمد إلى تطويع الحادثة وسحبها إلى مسار قصته الخاصة، جاعلًا منها قدرًا جديدًا يتربص بنفس البطلات، في تقاطع واضح مع منهجية الجزء الأول الذي استند إلى فاجعة حريق مدرسة البنات. بهذا، يُعاد تطويع الذاكرة الواقعية بما يخدم استمرارية السلسلة، ويبقي بطلاتها داخل دائرة الخطر.

ومع تحوّل أداة الكارثة من النار في الجزء الأول إلى الماء والطين في الجزء الثاني، تتبدَّل أيضًا طريقة المعالجة، مثبتة البطلات الثلاث في مغامرة جديدة، في محاولة لتلافي عثرات الماضي، وإن وقعت في عثرات أخرى من نوع مختلف.
يوم عصيب وذاكرة مشتَّتة
أبرز التحولات في الجزء الثاني هو التخلُّص من حالة التشتُّت التي وسمت الجزء الأول. فنحن هنا أمام فيلم أكثر انتظامًا في خطوطه، يسير نحو أزمتين متوازيتين جنبًا إلى جنب، في محاولة لخلق ضغط نفسي ومادي على البطلات. تتمثّل الأزمة الأولى، الخارجية والمادية، في الحفرة العميقة والأمطار المنهمرة بغزارة، بينما تتجسَّد الأزمة الثانية، الداخلية والنفسية، في كوننا أمام الفتيات أنفسهن اللواتي يحملن ندوب الحريق السابق، ويواجهن الآن مصيرًا يهدد مستقبلهن الدراسي والأسري.

يُحسب للفيلم أنه يضعنا داخل إطار زمني ضيّق لا يتجاوز يومًا واحدًا، وتحديدًا في أول أيام الاختبارات النهائية، مما خلق ضغطًا مضاعفًا. فالفتيات لا يواجهن خطر الغرق والموت فحسب، لأنهنّ يواجهن أيضًا، في خلفية المشهد، رعب الرسوب وضياع المستقبل، وهو هاجس حقيقي لا يقل وطأة لدى المراهقين عن المخاطر الجسدية. هذا التكثيف الزمني منح الفيلم إيقاعًا أكثر توازنًا عبر فصوله.
وفي محاولة لتعميق هذا الصراع المزدوج، لجأ الفيلم إلى تقنية «الفلاش باك» أداةً رئيسيةً لكشف ما خفي من حياة الفتيات. ننطلق من عتمة الحفرة لنفتح نافذة على الماضي القريب، بهدف فهم كيفية وصول الأمور إلى هذه الحافة. وإنما توظيف هذه التقنية تفاوت في جودته؛ ففي لحظات، نجح «الفلاش باك» في إضافة معلومة جوهرية تبرر سلوكًا آنيًا أو تكشف عن صدمة نفسية مكبوتة، مما يمنح المشهد اللاحق بُعدًا عاطفيًا أعمق. وفي لحظات أخرى، بدت هذه المشاهد وكأنها تُقحم معلومات كان بإمكان المتلقّي استنتاجها بسهولة، أو جاءت لتكرار ما نعرفه سلفًا، مما تسبَّب في كسر إيقاع التوتر.
حذر المعالجة يُغيّب الأثر
مشكلة فيلم «جرس إنذار: الحفرة» لا تكمن في كونه سيئًا على المستوى التقني. فالعمل شهد تطورًا ملحوظًا مقارنة بجزئه الأول، وهو ما يُحسب لمخرجه عبد الله بامجبور في أولى تجاربه السينمائية، كما لا يمكن تجاهل الجهد الواضح الذي بذلته الممثلات. وإنما الإشكالية الأساسية تتمثَّل في أنّ الفيلم، رغم توفر جميع عناصر النجاح من قصة حقيقية صادمة، ومنصة عرض عالمية، وترقّب جماهيري عالٍ، ظهر بصورة منطفئة.

فقد تناول الحدث، لكنه لم يَغُص فيه. إذ جاءت المعالجة الدرامية مسطّحة، أخذت من الواقعة قشرتها المتمثّلة في الانهيار والغرق، وتركت لبّها الإنساني والشعوري. كما لم يُقدّم أي منظور جديد للحدث، ولم يطرح زاوية رؤية مغايرة تُعيد قراءته أو تفكيكه.
هذا البرود في المعالجة جعل الحدث الضخم يبدو صغيرًا على الشاشة. فالمأساة الحقيقية تحوّلت إلى مجرّد مغامرة بقاء عادية، غاب عنها الثقل النفسي للكارثة، وغابت تلك اللحظات التي تخطف الأنفاس وتُجبر المُشاهد على التعاطف الكامل مع الشخصيات. ونتيجة لذلك، يجد المتلقّي نفسه في حالة حياد غريبة؛ فهو لا يكره الفيلم لأنه ليس رديئًا فعليًا، لكنه لا يحبّه أيضًا لأنه لم يمسّه.
لقد مرَّ الفيلم على الحدث بشكل عابر، لم يستفزّه ولم يستنطقه، بل اكتفى بعرضه. وتلك هي الخسارة الحقيقية؛ أن تملك مادة خامًا ثرية ودرامية بحجم «قصة الحفرة»، ثم تخرج منها بفيلم قابل للمشاهدة، لكنه سريع النسيان.
اقرأ ايضا: الجزء الثاني من «جرس إنذار»… ما المختلف؟