فاصلة

مقالات

ما الذي يصنع العنف؟ تأمُّل في عالم مراد مصطفى السينمائي

Reading Time: 9 minutes

في الآونة الأخيرة، وتحديدًا عندما أُتيح الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجه «عائشة لا تستطيع الطيران» للمشاهدة مقرصنًا، أثار اسم مراد مصطفى الجلبة من جديد، وهي جلبة تحدث في كلّ مرة عقب صدور فيلم جديد له، كما أنها جلبة مفهومة، خصوصًا أنّ أفلام مراد لا تشبه غيرها، من ناحية الفكرة والموضوع وحتى طريقة التنفيذ. لا تشبه غيرها لا تعني بالضرورة أنها أسوأ أو أفضل، بل تعني كونها مغايرة فقط. وكونها مغايرة يجعل من الصعب قراءتها والحكم الفوري أو الأولي عليها؛ فهي أفلام تنتمي إلى سينما لا يمكن الحكم عليها إلا بعد زمن، وهو كفيل دومًا إما بأن ينصف وإما بأن يفضح. تلك المرة كانت الجلبة أكبر من المعتاد، لأنّ الفيلم الطويل دائمًا ما يتحلّى برواج يفوق القصير بمراحل، بجانب حساسية موضوع الفيلم ومشاركة نجم غنائي صاعد مثل زياد ظاظا به، ممّا أثار فضولًا زائدًا تجاه الفيلم عند الغالبية.

عائشة لا تستطيع الطيران (2025)
عائشة لا تستطيع الطيران (2025)

وانطلاقًا من نظرية نقد المؤلف التي بدأها ألكسندر أستروك بمقاله «كاميرا القلم» عام 1948، ومرورًا بتطورها على يد بازان وتروفو، وانتهاءً ببلورة أندرو سايرس لها –وحتى نقد النظرية من خلال بولين كايل– نحاول قراءة تجربة ومشروع مراد مصطفى، وهي قراءة لا تحكم بقدر ما تتأمَّل وتشير إلى السمات المتشابهة في أفلام مراد، وتهتم برصد خطاب واضح يتطوّر في كلّ فيلم، وشخصيات تكتسب أبعادًا جديدة في كلّ مرة، وهي في النهاية بالطبع لديها ما تقوله وما تعبّر عنه.

تعصّب وجهل يؤطران المشكلة الحقيقية

في فيلمه الأول «حنة ورد»، يختار مراد مصطفى الجنسية السودانية لبطلته حليمة، التي تعمل على تجهيز العرائس، إذ تضع لهن الحنّة والعطور قبل زفافهن. وبينما تجهّز حليمة العروس، تتعرَّض للعنصرية إذ توصف بـ«ساحرة أفريقية». من تلك النقطة تشعر بالنبذ، حتى تُتَّهم في النهاية بإيذاء العروس، لتتعرَّض للاعتداء من ذكر المنزل، والذي تضربه ورد بزجاجة بيرة على رأسه، وهي ابنة حليمة ذات السبع سنوات، التي كانت تتجوّل في المنزل، لينتهي الأمر وكأنها تنتقم لأمها المظلومة.

حنة ورد (2020)
حنة ورد (2020)

من الوهلة الأولى يبدو اختيار مراد لجنسية بطلته اختيارًا إشكاليًا، فالسؤال الأول –البديهي في نظر البعض– هو: لماذا لا تكون البطلة مصرية ببساطة؟

يجيب مراد في أحد اللقاءات الصحافية بقوله إنه تربّى في عين شمس منذ طفولته، وهي منطقة معروفة بأنها مليئة بالمهاجرين، وخصوصًا أهل السودان.

كون تلك الإجابة مقنعة أم لا، أعدّه أمرًا لا يعنيني صراحة، المهم في نظري هو لماذا، وكيف، وهو ما أتناوله هنا تحديدًا والمرتبط بسياق سينما المؤلف.

حنة ورد للمخرج مراد مصطفى
حنة ورد (2020)

وفي «حنة ورد» يبدو التعصّب ضد حليمة هنا محرّكًا لاثنين: الأول هو الذكر حسن، المستعد مسبقًا للتحامل على حليمة بسبب لونها، والثانية هي العروس، التي تتهم بخبث حليمة بصنع شيء ما شرير لشعورها ببساطة بأنه سيجري تصديقها دون تشكيك. هنا نجد سببين رئيسيين يصلان بنا إلى السبب الحقيقي للاعتداء على حليمة: الأول هو العنصرية بسبب اللون والجنس، فهي سودانية وامرأة، مما يسهّل التعدّي عليها، والثاني هو الإيمان بالسحر النابع من الجهل.

إذن فالأمر هنا لا يعدّ متعلقًا بحليمة نفسها، جنسيتها أو لونها، إنما يدور أكثر حول التعصّب المبدئي لكلّ ما هو مختلف ومستضعف، يسهل التعدّي عليه، بالإضافة إلى الجهل والإيمان بخرافة مثل السحر. كلّ تلك العناصر هي ما تودي بالأبطال إلى العنف بوصفه حلًا ونتيجة نهائية.

عيسى (2023) للمخرج مراد مصطفى
عيسى (2023)

يمكن تعميم ذلك على تجارب مراد الأخرى، والتي كان أبطالها من المهاجرين أيضًا. فكما نرى في «عيسى» مثلًا، وهو الفيلم القصير الصادر عام 2023، فإنّ الأزمة الأكبر ليست بخصوص عيسى، جنسيته أو لونه، وإنما كامنة في الجهل والتعصّب أيضًا، بسبب الكشف عن طبيعة علاقة عيسى بفتاة مسلمة فيما هو مسيحي الديانة. وهنا إشارة ثانية وصورة مختلفة لكلّ من الجهل والعنصرية. فإن كان العنف في «حنة ورد» موجَّهًا إلى حليمة بسبب كونها سودانية مستضعفة بسبب الإيمان بالسحر، فهو هنا موجَّه إلى عيسى لكونه صوماليًا مسيحيًا.

إذن فالأمر غير متعلّق على الجنسية وليس مقتصرًا عليها، إذ إنه متجاوز لها تمامًا، ومتّجهًا لإدانة كلّ من الجهل والتعصّب الديني.

عائشة لا تستطيع الطيران (2025) 
للمخرج مراد مصطفى
عائشة لا تستطيع الطيران (2025)

ينطبق الأمر على فيلم مراد الروائي الطويل «عائشة لا تستطيع الطيران» أيضًا، فليست الأزمة مقتصرة على كون عائشة مهاجرة سودانية مثلها مثل مئات غيرها، بل الأزمة في «الفقر» نفسه، والحاجة إلى المال، وهي الأسباب التي تودي بعائشة إلى تحمّل الظلم المتكرّر الواقع عليها. بالتالي فهناك دومًا ما هو متجاوز الجنسية، مثل الفقر والجهل والتعصّب الديني، وهي مشكلات مجتمعية حقيقية، ليست مقتصرة على المهاجرين، بل تشمل كلّ مَن يقبع تحت الطبقة الاجتماعية الوسطى. الأزمة اجتماعية بحتة، وهو ما تؤكده تجارب مراد الأخرى.

بالتالي يصبح العنف الموجّه ضد الآخر –الأضعف– وهو الموتيفة الأساسية في سينما مراد، كما أنه عنف نابع من عجز في الأساس عن مجابهة قوى أكبر: مجتمعية، سياسية، وحتى دينية.

المرأة متجاوزة دور الضحية… فاعلة ومتمرّدة وشريرة أحيانًا

في فيلمه الأول «حنة ورد» تظهر حليمة في دور المستضعفة، الخاضعة والراضخة للمنظومة الذكورية، وهو بُعد أحادي لشخصيتها، تقليدي في إظهاره للمرأة ضدّ سلطة المجتمع وقوانينه. يكسر تلك النظرة الميلودرامية وجود شخصية ورد قليلًا، وهي الطفلة المتمرّدة التي تُحطّم القيود بدورها. على جانب آخر تظهر ورد وهي مصابة بالسرطان، مما يُعيدنا إلى خطاب ميلودرامي مرة أخرى، خصوصًا أنّ إصابة ورد بالسرطان أمر ليس مهمًا إطلاقًا في سياق الفيلم.

لذلك لم يكن «حنة ورد» مجدّدًا كثيرًا في خطابه أو على مستوى موضوعه، وإنما أقرب إلى التقليدي، فيما أعدّه –رغم ذلك– «فيلمًا نابغًا» في أسلوبيته، وهو ما سنتطرَّق إليه في موضع لاحق في المقال.

تطوّر واضح على مستوى الخطاب نراه ملحوظًا في الأفلام القصيرة التي تلت «عائشة»، فيبدو كلّ من «ما لا نعرفه عن مريم» و«خديجة»، اللذين صدرا في العام نفسه 2021، أفلامًا متبنّية للخطاب نفسه، وأكثر تمرّدًا بالطبع عن «حنة ورد».

فيلم خديجة 2021 للمخرج مراد مصطفى
خديجة (2021)

نتتبع خديجة ذات الثمانية عشر عامًا في يومها المشؤوم، إذ نراها متّجهة بطفلها عبر الشوارع، لينتهي الأمر بفاجعة، حين تلقي به من أعلى كوبري. على جانب آخر نرى مريم المتزوّجة تعاني آلامًا في المعدة بينما لا تعرف السبب هي أو زوجها. وتبدأ الفاجعة حين يتمّ إخبار الزوج بأنّ مريم حامل، فيتعدّى زوجها عليها ويتّهمها في شرفها، حتى يتبيّن في الأخير أنّ الأمر ليس أكثر من مجرّد حمل كاذب، لينتهي الأمر بقرار من مريم في ترك كلّ شيء، فنراها في المشهد الأخير تتخلّى عن طفلتها في الشارع وتغادر إلى مكان لا نعرفه.

عائشة لا تستطيع الطيران (2025)
عائشة لا تستطيع الطيران (2025)

تطوّر الخطاب نلمسه أيضًا في عائشة، فنراها بينما تحاول «التواؤم» مع محيطها، فلا هي مستضعفة مثل حليمة، ولا هي بجرأة خديجة ومريم. إحداهما تقرّر المضي من دون ابنتها، والأخرى تتخلّص من طفلها، أما عائشة فتحاول الاتساق مع واقعها المشؤوم. هذا ما نراه في التواطؤ مع بلطجي المنطقة «زياد ظاظا» على السرقة، وخضوعها جنسيًا للعجوز «الأبيض» الذي تعمل خادمة لديه، حتى إن انتقامها منه وتمرّدها المتطرّف والدموي ليسا أكثر من مجرّد فكرة في خيالها.

ومرورًا بالثلاث تجارب، نلحظ أنّ مراد يبتعد عن التناول التقليدي لوضع المرأة في المجتمع. فهو لا ينفي قهرها أو كونها مستضعفة، لكنه في المقابل يُظهر فاعليتها وقدرتها على التمرّد ومجابهة تلك القوى، مرة بالتخلّي كما نرى في فعلَي خديجة ومريم، مما يظهرهما على أنهما شريرتان أو أنانيتان في لحظة ما، ومرة بالمواءمة كما نرى في أفعال عائشة في حياتها اليومية.

ما لا نعرفه عن مريم
ما لا نعرفه عن مريم (2021)

إنّ كلًا من مريم وخديجة يصعب الحكم عليهما بالأنانية والشر، فمريم تتعرّض للتعنيف والضرب على يد زوجها الذي يتّهمها في شرفها من دون تراجع، وخديجة نراها أمًا قاصرًا لطفلة لا تستطيع تحمّل مسؤوليتها وحدها ضمن سياق مجتمعي ضاغط. وكما لا يمكن الحكم على أيٍّ منهما حكمًا قاطعًا بالإدانة، فلا يمكن تبرئتهما أيضًا. وهنا يكمن نبوغ تلك الأفلام، وابتعادها عن التناول التقليدي –الميلودرامي– الذي يشجب ويدين أو يبرّئ. هنا مراد يشير، يكون مراقبًا لا يحكم، مما يجعل هذين الفيلمين من أكثر أفلامه حيرة في رأيي.

تطوّر أكبر نلحظه في عائشة، ربما نتيجة وعي أكبر يتنامى داخل نفسية المستضعف. ففي الفيلم لا يحبّذ مراد هرب عائشة، ببساطة لأنّ قراراتها محدودة، كما يبدو أنّ الهرب ليس حلًا في النهاية. الحلّ يتجلّى في المعايشة والسير مع الرياح، لا مجابهتها أو محاولة التصدّي لها، وهو ما تتقنه عائشة يومًا بعد يوم رغم شعورها بالأذى، وهو أيضًا ما يطول جسدها في نهاية الأمر، حين تتسق مع صورة النعامة الشهيرة بدفن رأسها في الرمال.

نلحظ أيضًا وجود «نمط» واحد من أسماء الشخصيات النسائية في أفلام مراد: حليمة في «حنة ورد»، مريم، خديجة، عائشة. كلها أسماء لها دلالة وسياق وخلفية دينية، وهو ما يقول كثيرًا ويتسق مع صور المرأة المقهورة المتكرّرة بأشكال مختلفة في كلّ فيلم. كذلك لا يتخلّى مراد عن ثنائيته التي بدأها، فنلمس صداها في كلّ فيلم. فكلّ شخصية نسائية مقهورة هي نتاج الجهل والتعصّب، كما أنها ضحية للظروف المجتمعية التي تضيّق عليها الخيارات.

عائشة لا تستطيع الطيران (2025)
عائشة لا تستطيع الطيران (2025)

في عائشة يتطوّر خطاب مراد على هذا المستوى أيضًا، فالضحية في مجتمع ذكوري وقمعي ليست المرأة فحسب، بل تشمل الذكر المستضعف أيضًا، وهو ما نراه في شخصية عبدون، حبيب عائشة، التي يؤدّيها عماد غنيم. وللمفارقة، فإنّ عماد غنيم الذي نراه سابقًا في «حنة ورد» متعدّيًا على حليمة، وفي مريم متعصّبًا تجاه زوجته، نراه هنا منصاعًا لسلطة تفوقه. ودلالة الاسم واضحة؛ عبدون من العبد، أي المنساق الذي لا يملك حرّيته.

وإن اعتبرنا أفلام مراد من أولها إلى آخرها مُعبّرة عن عالم واحد، فإن الأمر يشير ببساطة إلى الظلم المستشري في المجتمع، عبر هيراركية سلطوية لا ترحم حلقاتها الأضعف، والتي تطول الجميع في نهاية الأمر.

جيل قادم بلا مستقبل: آباء وأمهات يحبّذون الهرب

منذ فيلمه الأول يتكرّر توظيف الأطفال في سينما مراد مصطفى، كلّ مرة بشكل مختلف. ورد في «حنة ورد» التي تعتدي على حسن، طفلة مريم التي تُترك وحيدة ومهجورة، طفل خديجة المُلقى من أعلى كوبري، طفل عيسى الذي يحبّذ عيسى مغادرته مع أمه في هجرة غير شرعية للخارج.

رؤية تبدو متشائمة جدًا للوهلة الأولى، حيث آباء يتخلّون عن أطفالهم، وأطفال لا تظهر لمستقبلهم أيّ ملامح. وتبدو تلك الحلول «واقعية» في سياق سينما مراد، ففي عالمه ثمة دومًا خلل متأصّل في منظومة الأسرة والمجتمع. وللخلل إما أصل مجتمعي، وإما ديني مترسّخ في الوعي/الفكر الجمعي، وبالتالي فلا مهرب لشخصياته من حتمية المعاناة.

في تلك اللحظة تنفد حلول الشخصيات، فهي أصلًا لا تجد متنفسًا لذواتها، فماذا عن جيل قادم؟ حتمًا، في نظرهم، سيكرّر المعاناة وبشكل أكثر تطرفًا. بالتالي فلا سبيل إلا الهرب من كلّ ذلك، وهو ما نراه في مريم وخديجة.

عيسى (2023) للمخرج مراد مصطفى
عيسى (2023)

أما عيسى –والاسم له دلالة بالطبع– فهو يضحّي بنفسه مقابل هجرة حبيبته وطفلها للخارج. هنا يؤكّد مراد، عبر قراءة لطبيعة مجتمع مكبوت، أنه لا أمل في الشفاء ولا سبيل للتعايش، وهو ما يشير بدوره إلى هزيمة كبرى لجيلين، جيل من الشباب لا يستطيع مجابهة واقعه، وجيل قادم مهزوم مسبقًا.

وهي رؤية سوداوية غير منفصلة عن المعاناة التي يعيشها أبناء الطبقة تحت المتوسطة والفقيرة، والتي يندرج تحتها كلّ أبطال أفلام مراد. يتضح هنا سبب آخر للجوء مراد إلى نقد البنية المجتمعية وتفكيكها عبر أبطال مهاجرين، في تعبير عن مجتمع ككلّ، وهو سبب راجع إلى العادة المصرية القديمة المتمرّسة في إنكار الجروح ورفض الاعتراف بها. وهو أيضًا ما نلمحه دومًا في جمل مثل: «هذا ليس واقعنا، تلك الشخصيات الشريرة وغير الأخلاقية ليست نحن، تلك الأمور لا تحدث في مجتمعنا».

وذلك ما يصل بنا إلى سؤال مهم وجوهري: ما هو تعريف «الواقع/الواقعي» في السينما؟ وهل هو شيء يمكن الإمساك به وتحديده، خصوصًا في السينما المصرية ذات الحالة الخاصة والمتفرّدة؟ هل سينما صلاح أبو سيف في الخمسينات والستينات واقعية، فيما سينما يوسف شاهين وكمال الشيخ ليست كذلك؟ هل سينما عاطف الطيب أكثر واقعية من سينما داود عبد السيد مثلًا؟ هنا جدير بنا العودة إلى ما قاله فرانسوا تروفو في مقاله «نزعة مؤكدة في السينما الفرنسية» بخصوص تحديد ما هو «الواقعي».

التوغّل في معدة المدينة… العنف نتيجة حتمية

«معدة المدينة» هو تعبير قاله صديقي حين وصفه لمترو القاهرة. ولما سألته لماذا المعدة بالذات، أجاب بأنها تقبع في المنتصف، وفيها تجد كلّ شيء، حيث الطعام يختلط بالفضلات، ومنها تبدأ معظم الأمراض.

يمكن وصف الأماكن التي تقبع فيها شخصيات مراد بذلك. فهم يقبعون في المعدة مباشرة، حيث لا سبيل للهرب. لذلك نراهم دومًا في حالة حصار وخوف، والخطر محدق بهم في كلّ مكان. من على الأطراف يأمن، وهو أكثر شعورًا بالراحة مقارنة بالقابع في المنتصف. تلك هي العلاقة الطبيعية المتبادلة بين البشر والأماكن، فهي تؤثر فيهم وتُحدّد سلوكياتهم.

ولأنّ أبطال مراد قابعون في معدة القاهرة وأماكن شعبية متفرقة فيها، فهم مستعدّون دومًا للصدام. نلمح ذلك في أسلوبية مراد المكرّرة في أفلامه، والتي تبدأ بكاميرا مهزوزة فوق العادة، متلصّصة ومتتبّعة لأبطاله دومًا من الخلف. وهي «كاميرا مستكشفة» تؤكّد الشعور بالخوف والمفاجأة. شريط صوت مزعج جدًا وفوضوي، مناسب لطبيعة تلك الأماكن.

حنة ورد للمخرج مراد مصطفى
حنة ورد (2020)

لذلك، فإنّ التجربة الأقرب لي في أفلام مراد هي فيلمه الأول «حنة ورد». ذلك الصخب في شريط الصوت، والكاميرا الهاند هيلد المتأرجحة، رفقة منظومة ألوان غير متناسقة كليًا، ربما كل ذلك هو ما يشكّل في نظري مفهوم «الفيلم المصري» الذي لم يجد ضالته في لغة سينمائية واضحة حتى يومنا هذا.

وللسبب نفسه، «اللغة»، لم أحب مطلقًا فيلم «عيسى»، ولم أحب مثلًا ظهور النعامة في «عائشة»، فظهور النعامة هو بمثابة «تشبيه تصريحي». أما لغة السينما فهي قائمة في تطوّرها على المجازات والاستعارات أكثر. في النهاية تظل تلك هي الكيفية التي اختارها مراد للتعبير عن هواجسه وتصوراته، والتي يتّضح أنه يميل فيها إلى «الصدام» أكثر، مما يجعل الأمر مفهومًا داخل حيز التجربة والاستكشاف.

تُكمل أسلوبية مراد أيضًا اهتمامه باللقطات الثابتة الطويلة زمنيًا على الشاشة، والتي تتجلّى في «عيسى» و«عائشة» أكثر. وملاحظة مهمة: لقطات ثابتة وطويلة لا تعني إيقاعًا بطيئًا، وهي إشكالية يطول الحديث عنها. اللقطات الثابتة عند مراد هي لقطات متأمّلة لبؤس وموت تلك الشخصيات، بينما لا تزال على قيد الحياة، فتبدو مثل شخصيات شبحية بلا روح.

كل ذلك ينتهي بنا إلى رؤية شخصيات لا تجد إلا العنف حلًا نهائيًا، مما يحتم عليها اللجوء إلى حلول متطرفة في الغالب، وهو ما نلحظه في نهايات جميع أفلام مراد مهما بدت هادئة. فهو هدوء يواري خلفه كثيرًا من الكبت والعنف الكامنين، مثل قنبلة موقوتة مستعدة للانفجار في أيّ لحظة. ولكل ذلك يبدو ما نراه في نهاية فيلم «عائشة»، وهو حرب أهلية، ممكنًا بوصفه استشرافًا لمجتمع قارب على الانفجار، ولا سبيل لردعه.

اقرأ أيضا: «عائشة لا تستطيع الطيران».. ليس لذوي المعدة الرقيقة

شارك هذا المنشور