ضمن سلسلة «Directors on Directors» التي تُنظّمها مجلة Variety، جمع لقاءٌ بين المخرج المكسيكي الحائز على الأوسكار غييرمو ديل تورو، والمخرج والممثل برادلي كوبر، في حوار غاص في أعماق العملية الإبداعية وفلسفة الإخراج السينمائي. تناول اللقاء رؤى مشتركة حول اعتبار السينما شكلًا من أشكال السيرة الذاتية لصنّاعها، كما ناقش المفهوم الجدلي القائل إنّ «اختيار الممثلين هو الحبكة»، في مكاشفة فنية استعرضت التحدّيات التقنية والنفسية التي واجهتهما في أحدث أفلامهما «Frankenstein» و«Maestro».
في مستهلّ اللقاء، وصف غييرمو ديل تورو عملية الإخراج بأنها أشبه بـ«مفاوضات رهائن مع الواقع»، مؤكدًا أنّ جوهر العمل السينمائي يكمن في الحبّ العميق لكلّ تفاصيله. واتفق المخرجان على أنّ الأفلام العظيمة تتحوّل في النهاية إلى سيرة ذاتية لمبدعيها، إذ لا يقتصر الأمر على التعاطف مع الشخصيات، بل يمتدّ ليعكس مشاعر المخرج وتجربته الشخصية، وهو ما يمنح العمل طابعًا صادقًا وعفويًا، مهما بلغت دقّة التنفيذ.
اختيار الممثلين هو الحبكة
ناقش الثنائي مقولة الممثل والمخرج الأميركي وارن بيتي بأنّ «اختيار الممثلين هو الحبكة». (Casting is Plot) وأوضح ديل تورو أنّ أي تغيير في عِرق الممثل أو عمره أو خلفيته يُفضي إلى تبدُّل جذري في القصة نفسها. واستعاد نقاشًا سابقًا جمعه بالنجم آل باتشينو حول مسرحيات شكسبير، إذ إنّ إسناد دور «هاملت» إلى ممثل في الخمسينات بدلًا من شاب في العشرينيات يحوّل المسرحية من قصة طيش وانتقام شاب إلى حكاية أزمة منتصف العمر والحسرة على زمن ضائع. هنا، لا يعود النصّ هو المحدِّد الأساسي للحبكة، وإنما الممثل نفسه.
وأشار ديل تورو إلى أنّ شخصيات فيلمه الأحدث «Frankenstein» كُتبت خصيصًا لممثلين بعينهم، مثل أوسكار آيزاك، إذ تتناغم سماتهم الشخصية مع أبعاد الأدوار. من جهته، أكّد كوبر أنه اعتمد هذه الفلسفة في كتابة أدوار «Maestro»، معتبرًا أنّ وجود الممثل على الورق خلال الكتابة يمنح المخرج قدرة أدقّ على ضبط الإحساس والنتائج الدرامية.
وأوضح كوبر فكرته بالقول إنّ اختيار الممثلين في مرحلة مبكرة يُغيّر تجربة الكتابة نفسها. فحين يكتب المخرج وهو يعرف مَن سيؤدّي الدور، لا يعود يكتب لشخصية مُتخيَّلة، بل لشخص حقيقي يدرك حدوده وإمكاناته. هذا الحضور يسمح بإجراء ضبط دقيق للمشاعر والنبرة والحركة الفيزيائية، بما يخدم البناء الدرامي.

وعن فكرة أنّ الشخصيات «تولد داخل المخرج» قبل أن يتبنّاها الممثل، أوضح ديل تورو أنّ اختيار أوسكار آيزاك وميا غوث في «Frankenstein» كان قرارًا بنيويًا في بناء الحبكة. ففي الرواية الأصلية، فيكتور
فرانكشتاين طالب شاب، لكن اختيار آيزاك، بصفته رجلًا ناضجًا، أضاف بُعدًا جديدًا للشخصية، يتمثّل في توقّف نموّها العاطفي منذ وفاة والدته. تعمَّد ديل تورو ألا يبدو آيزاك منسجمًا تمامًا مع عائلته الأرستقراطية (التي يُجسّدها تشارلز دانس)، فجاء شعره الجامح وبشرته الداكنة جزءًا من حبكة تُفسّر انجذابه إلى المخلوق أكثر من البشر.
في «Maestro»، كان كوبر واعيًا لدور الصوت وطول القامة في تحريك الحبكة، فتعاملت الكاميرا مع الجسد بوصفه جزءًا من جغرافية المكان. أما في «A Star Is Born»، فقد وصف كوبر طاقة الممثل بـ«السلاح النووي»، معتبرًا أنّ ليدي غاغا لم تكن مجرّد بطلة، بل المحرّك الموسيقي الذي جعل قصة الحب ممكنة ومقنعة.
من دون هذه «الآلة الموسيقية البشرية» التي يمتلكها الممثل -صوته، أنفاسه، نظرته- تبقى الحبكة مجرّد هيكل. الممثل هو مَن يمنحها اللحم والدم، ويضفي عليها ما وصفه ديل تورو بـ«التناغم الحركي».
وخلُصَ المخرجان إلى أنّ مفهوم «اختيار الممثلين كحبكة» يعني بلوغ مرحلة يتخلّى فيها المخرج والممثل عن أدوارهما التقليدية، ليظهرا بوصفهما بشرًا معيبين. الحبكة هنا لا تُبنى على تسلسل الأحداث، بل على مدى استعداد الممثل، سواء كان جاكوب إلوردي أو أوسكار آيزاك، لكشف جروحه الشخصية أمام الكاميرا. هذا الانكشاف هو ما يصنع المنعطفات الدرامية الحقيقية، لا التصعيد السردي التقليدي.
الإخراج لعبة شطرنج مع الواقع
شبَّه ديل تورو العلاقة بين المخرج وموقع التصوير بحالة شدّ وجذب، محذّرًا من محاولة «لعب الشطرنج» مع الواقع بصرامة زائدة، لأنّ الواقع سينتصر في النهاية. المخرج الناجح، وفق قوله، هو مَن يستعد لأشهر طويلة، لكنه يظلّ منفتحًا على «هدايا الواقع» غير المتوقَّعة. واستشهد بمشكلة العدسات اللاصقة لجاكوب إلوردي، التي تحوّلت من عائق تقني إلى أداة سردية تُعبّر عن غضب الوحش. بدوره، أكّد كوبر أنّ هذه المرونة هي ما يمنح الفيلم روحه، مشيرًا إلى قدرة جيمس كاميرون على الارتجال رغم ضخامة عوالمه الافتراضية.

على المستوى التقني، تحدَّث كوبر عن تجربة تصوير «Maestro» بكاميرا محمولة في أماكن ضيّقة لخلق إحساس بالحرّية والواقعية، موضحًا أنّ هذا الخيار نابع من علاقته الشخصية بمدينة نيويورك ورغبته في أن يكون الفيلم انعكاسًا لتجربته الذاتية.
في المقابل، كشف ديل تورو عن شغفه بالدقّة الأوبرالية وتصميم الديكورات الضخمة بوصفها امتدادًا للشخصيات. وأكّد أهمية العمل بعدسة واحدة في معظم الفيلم، مشيرًا إلى أنّ استخدام عدسة 24mm يمنح الصورة مساحة للتنفُّس، ويجعل الكاميرا تتحدَّث بلغة عاطفية متفرّدة.
وأوضح ديل تورو أنّ 99% من ديكورات «Frankenstein» كانت عملية وحقيقية، بما فيها بناء سفينة عملاقة بمحرّكات فعلية. بالنسبة إليه، الإخراج هو تصميم «أوبرا سينمائية» تُدخل الجمهور تدريجيًا إلى عالم الشخصية، فلا تُكتشف العناصر بصريًا بوصفها موضوعات محايدة، بل من خلال وجهة نظر الأبطال أنفسهم. حتى الخيارات المعمارية، مثل الغرف المستطيلة الشبيهة بالكاتدرائيات، أدوات لسرد حالات العزلة والبذخ التي تعيشها الشخصيات.
الفنّ والتطهير الذاتي
في ختام اللقاء، اتفق المخرجان على أنّ الأفلام هي التي تختار صنّاعها، لا العكس، نظرًا إلى الطاقة الهائلة التي يتطلّبها كلّ مشروع. فكشف ديل تورو أنه لم يكن قادرًا على إخراج «Frankenstein» لولا وصوله إلى حالة من السلام النفسي مع ذكرى والده، مُستحضرًا مقولة ستانيسلافسكي التي ترى أنّ الفنان يحتاج إلى سبع سنوات لتجاوز التجربة المؤلمة وتحويلها إلى فنّ.
من جهته، أكّد كوبر أنّ تجاربه الشخصية، بما فيها صراعاته السابقة، هي ما مكّنه من تقديم أفلام تحمل قدرًا من الأمل والتصالح مع الذات. وخلص الاثنان إلى أنّ السينما، بالنسبة إليهما، ليست سوى وسيلة للاعتراف بالهشاشة الإنسانية والبحث عن النور وسط قسوة العالم عبر شاشة العرض.