فاصلة

مقالات

يحيى والبيت والتفاحة… خواطر نقدية عن عالم داود عبد السيد

Reading Time: 7 minutes

«بعت البيت يا حسني
بعت البيت اللي بنيته أنا وأبوك
بعت البيت اللي كل حجر فيه خد راق من كتفي وكتف أبوك!».
(عم مجاهد معاتبًا الشيخ حسني – «الكيت كات»)

«المعلم فرج باع البيت للحاج هاشم
والحاج هاشم عايز يهدّ البيت»
(العجوز مامينا تتنبأ ليحيى بالنهاية المنتظرة – «رسائل البحر»)

يبدأ «الكيت كات» بلقطة واسعة من مستوى منخفض، تُصوّر بيتًا قديمًا من الأسفل، تمرّ أمامه زوجان من البيادات الشرطية في دورية ليلية خاملة، أمام محل مغلق من الداخل في الواجهة، في حين تنبعث من الداخل أصوات ضحكات مختلطة بسعال الحشيش، ورائحة دخان تسكن الأصوات الخشنة المتنخّمة.

الكيت كات (1991)
الكيت كات (1991)

هكذا يشرع داود عبد السيد في رسم جغرافيا الصراع على مستويين، مكاني وشعري. لا يبدأ من داخل البيت، وإنما من خارجه. البيت هو محور الصراع بين الشيخ حسني وصبحي الفرّارجي؛ الخصم الخفي الذي يقف خلف الهرم، تاجر المخدرات، والذي يرغب في الهدم لبناء عمارة عالية. يبدأ الفيلم من خارج دائرة الأمان، من خارج بيت حسني وأسرته وأصدقائه. لقد باع حسني البيت للهرم قطعة قطعة، وحين يُحاكمه ابنه يوسف فجرًا عقب انتهاء السهرة («ما ترد عليّا يا أبا ولا مكسوف؟»)، لا يجد حسني سوى أن يصفعه، ليُسكت صوت ضميره الموجوع.

في «رسائل البحر»، يخوض الطبيب المتلعثم يحيى معركة غير متكافئة مع الحاج هاشم، الذي يطالبه بإخلاء شقته لبناء مول، بعد هدم البيت ذي الطراز المعماري الرائع، مثل كثير من بيوت المدينة الراحلة. البيت هنا رمز لمدينة يُمارَس عليها الهدم باسم التطوير. يظن يحيى أنّ البيت والإسكندرية بعد وفاة والديه وسفر أخيه سيحتويان رغبته في أن يعمل صيادًا؛ مهنة تستدعي الصمت أكثر من الطب، الذي يتطلَّب منه أن يتلعثم كثيرًا. لكن الهدم الذي كان جريمة صار قانونًا يطارده.

رسائل البحر
رسائل البحر (2010)

يبدو الحاج هاشم معادلًا لصبحي الفرّارجي، بفارق عشرين عامًا بين 1990 و2010. في مقابل العمارة العالية في «الكيت كات»، يظهر المول و«المبنى الإداري» في «رسائل البحر»، بما يحتويه من مكاتب وعيادات.

في «الكيت كات» لا ينجو البيت من الهدم، لا بوصفه حجرًا، وإنما عالم يُمثّله على مستوى المجتمع والناس. لهذا يؤنّب العم مجاهد حسني، ولا يحتمل العيش بعد هذه المكاشفة («بعت البيت بالحشيش… هتدي ابنك مصروفه حشيش!»).

الكيت كات (1991)
الكيت كات (1991)

البيت هو يوسف، الذي يرغب في الهجرة إلى أوروبا لا إلى الخليج، من أجل أن «يعيش»، لا ليجمع المال مثل أصدقائه الصنايعية. الشاب الحالم، المهزوز جنسيًا أمام حبيبته المطلقة الفائرة، والذي ينتظر أن يرهن أبوه بيت الجدّة ليمنحه ثمن السفر، ليكفّ عن الصيد والتحديق في السماء بينما يستلقي على متن قارب خشبي يحمله تيار النهر بلا هدى.

البيت هو روايح التي هجرت سليمان الصائغ رغم العزّ الذي تعيش فيه. وهو الهرم الذي خرج هاربًا، والحشيش يتساقط من سيالته، مذعورًا من منزل زوجة الموظف اللعوب بعد فضيحتهم ليلة عزاء العم مجاهد.

هذا مجتمع متفسّخ، يستطيع حتى أعمى مثل الشيخ حسني أن يسبر غوره، ويفضح عري أخلاقه وفساد نفوسه.

لو انتهى «الكيت كات» عند مشهد فضيحة ميكروفون العزاء، لصار فيلمًا اجتماعيًا خفيف الظلّ بنهاية كوميدية سوداء. لكنّ داود يتجاوز الاجتماعي إلى الشعري. يُحلّق مع الشيخ حسني بأغنية «درغن درغن» و«الجلد اللي مالهوش لون والجلد اللي بألف لون»، ثم يُطلقه على الموتوسيكل، بينما يجلس يوسف خلفه في صداقة تأخرت طويلًا بين الأب والابن. لولا هذه النهاية الشعرية، التي لا ينتصر فيها سوى حسني وحيدًا بمرح، لغادرنا الفيلم مثقلين بكلّ الهزائم التي لحقت بالجميع، وبالبيت أيضًا.

رسائل البحر (2010)
رسائل البحر (2010)

وكما ينتهي «الكيت كات» عند الماء، بسقوط حسني ويوسف بالموتوسيكل في النيل، ينتهي رسائل البحر كذلك عند الماء. بعد أن يسلّط الحاج هاشم صبيانه الأرذال على يحيى الهش لتطفيشه، وبعد هجرة مامينا الإيطالية وابنتها المثلية الجميلة، صديقة طفولة يحيى، وبعد قرار نورا الانتقال أخيرًا إلى البيت بوصفه مجازًا للاكتمال والدفء، تنتقل اللقطة من قدومها مبتسمة بحقيبتها إلى مزج على البحر، كأنّ رسالته وصلت أخيرًا، ثم مزج إلى يحيى مستيقظًا، كأنه يستوعب الرسالة. ومع ذلك، لا يترك الحاج هاشم يحيى والبيت والبحر في حالهم. رمز لكلّ ما هو مبتذل ومادي وأسمنتي وفاجر، مدمر العوالم، الذي بدأ فرّارجيًا في الكيت كات وتوحّش عبر الزمن حتى صار مؤسسة هدم متكاملة، لا للبيوت فقط، بل للحظات الخاصة الجميلة، بسلطة تدين اجتماعي سخيف يسمح لنفسه بالتدخل في فراش الآخرين باسم الأخلاق، من دون أي إحساس بالذنب تجاه البحر الذي يُقتل بالديناميت باسم الصيد.

يفرّ يحيى ونورا إلى الماء الأزرق، بيت العالم وبراح العشّاق، لكن متفجرات الحاج هاشم تطاردهما، تمزّق صوت الأمواج وتفتك بالأسماك. ومع ذلك، يظل «رسائل البحر»، مثل «الكيت كات»، حين يقترب من الماء، نابضًا بشيء حيّ وسط كلّ هذا الهدم: ضحكة يوسف في حجر أبيه صاحب البصيرة النافذة، واقتران يحيى ونورا في لقطة علوية، عين الإله، كأنهما آدم وحواء، وحدة الخلق الأولى، لعلّ ثمة أملًا في إعادة تشييد العالم، أو الإبحار بعيدًا عن الحاج هاشم وصبحي الفرّارجي.

في «الكيت كات» يرغب يوسف في الهجرة، مبررًا رهن البيت بقوله «هاجيب بالدولار». وفي «رسائل البحر» تقرّر مامينا وابنتها الهجرة إلى إيطاليا، رغم أنهما سكندريتان، لكن الإسكندرية لم تعد صالحة للعيش في وجود الحاج هاشم.

هنا تتجلّى الهجرة في سينما داود عبد السيد بوصفها استجابة أخيرة لعالم يضيق حتى الاختناق. ليست وعدًا بالمستقبل، بل إعلان فشل للحاضر، وقرار بمغادرة البيت قبل أن ينهار على ساكنيه.

البحث عن سيد مرزوق (1991)
البحث عن سيد مرزوق (1991)

منى في «الصعاليك» لا تترك صلاح بحثًا عن رفاهية، بل عن حياة أخرى تمامًا، بلا التزامات وبلا أسر وبلا مدينة تشدّها إلى هشاشة رجل ينهار أمامها. هجرة علمية في ظاهرها، لكنها فرار من عالم مغلق.
منى الثانية في «البحث عن السيد مرزوق» أكثر قسوة: امرأة تستعدّ للرحيل بينما تُمنع إداريًا من السفر، كأنّ المدينة نفسها تحتجزها رهينة. وعندما تجلس مع يوسف فجرًا في حديقة البيت، لا يأتي الفيضان من الخارج، وإنما من فيلا سيد مرزوق، قدر يوسف ولعنته، نهاية مبكرة تجمع بين البيت والماء، كما سيعود لاحقًا في «الكيت كات» و«رسائل البحر».

يوسف يتكرّر عند داود كما لو كان اسمًا لعطب مزمن. يوسف «البحث عن السيد مرزوق» يُفتح له باب مدينة أخرى ثم يُغلق في وجهه، ويوسف «الكيت كات» لا يرى في بيع البيت سوى تذكرة خروج، ولو كان الثمن اقتلاع الجذور الأخيرة.

فاتن حمامة
أرض الأحلام (1993)

وحدها نرجس في «أرض الأحلام» لا تريد الرحيل، رغم أنّ الجميع من حولها يتعامل مع السفر على أنه أمر محسوم. ليلة البحث عن جواز السفر، وليلة رؤوف، تعيدان ترتيب رغبتها: البيت ليس عبئًا، والمدينة ليست لعنة، والهجرة ليست خلاصًا بالضرورة. كما غيّرت ليلة يوسف مع سيد مرزوق مصيره، تغيّر هذه الليلة مصير نرجس، لكن في الاتجاه المعاكس.

ديستوبيا الفرح والسرقة

ما بين بيت «الكيت كات» وبيت الإسكندرية، لا يتوقّف داود عبد السيد عند البيوت بوصفها أمكنة فقط، بل يصل إلى محطتين أكثر تجريدًا: بيوت بلا جدران واضحة، أو بجدران تحمل من الماضي أكثر مما تحتمل من الحاضر. هنا يصبح البيت فكرة معلّقة في الهواء.

سارق الفرح
سارق الفرح (1995)

في سارق الفرح لا يوجد بيت بالمعنى التقليدي، بل عشش عشوائية فوق سفح الجبل، مساكن مؤقتة وُلدت وهي تعرف مصيرها. بيوت بلا أساس ولا تاريخ ولا وعد، قابلة للاقتلاع في أي لحظة، كما تُقتلع أحلام ساكنيها. الجبل لا يحميهم، بل يعلّقهم بين السماء والهاوية.

يبدأ الفيلم من عين ركبة القرداتي، عين منحازة للجسد لا للمشهد، ترى الجدران الصفيحية والخشبية مختلطة بأجساد هشَّة. هنا لا تفصل البيوت عن ساكنيها مسافة، ولا تمنحهم سوى وهم الاحتماء. بيوت كثيرة، ولا بيوت في الوقت نفسه. ليست مدينة، بل تجمُّع مؤقت لأجساد تنتظر سقوطها.

ولو مددنا خطًا خياليًا من «الكيت كات» إلى سفح الجبل، لوجدنا أنّ سكان الحي القديم صاروا هم أنفسهم سكان العشش، بعد هدم بيت الشيخ حسني والمنطقة بأكملها على يد صبحي الفرّارجي كمنطق عمراني وأخلاقي واحد.

مواطن ومخبر وحرامي
مواطن ومخبر وحرامي (2001)

في «مواطن ومخبر وحرامي» يعود داود إلى بيت مكتمل الشكل: فيلا كلاسيكية عتيقة، لكن اكتمالها خدعة. البيت هنا لا يُهدَّد بالهدم، بل بالتحلّل البطيء من الداخل. يتحوّل إلى مسرح لاقتحامات متتالية: المخبر بثرثرته السلطوية، والحرامي، ومن قبلهما حياة. يُفرَّغ المواطن من جسده وخياله وبيته، حتى لا يعود قادرًا على الكتابة إلا بوجود حياة، ولا على النشر إلا عبر الحرامي. البيت الذي كان فضاء حرّية، يصير سجنًا، ومفتاحه لم يعد في يد صاحبه.

يحيى والتفاحات الثلاث

للتفاح حضور لافت في سينما داود عبد السيد، لا كرمز تراثي أو ديني مباشر، وإنما كإشارة دقيقة إلى لحظة الاختيار. ثلاث تفاحات، في ثلاثة أفلام، وثلاث لحظات يُختبر فيها الإنسان أمام نفسه.

في «أرض الخوف»، يقضم يحيى أبو دبورة التفاحة ليعلن قبوله المهمة. قضم بلا تردد، كأنّ المعرفة لا تُنال إلا بالدخول إلى الجحيم.

في «رسائل البحر»، يرفض يحيى التفاحة من يد الحاج هاشم. الرفض موقف أخلاقي كامل: رفض البيع، ورفض الخضوع، ورفض المكافأة على هدم البيت.

قدرات غير عادية
قدرات غير عادية (2015)

في «قدرات غير عادية»، تتحوّل التفاحة إلى أداة كشف. لا تُقضم ولا تُرفض، بل تُستخدم لاكتشاف الاستثناء.

بين القضم والرفض والإغواء، يرسم داود ثلاث علاقات مع العالم: الدخول، أو الصمود، أو الكشف. التفاحة ليست سبب السقوط، بل كاشفته.

في سينما داود عبد السيد، البيت هو ما نولد داخله، والتفاحة هي ما نختاره حين يُطلب منا المغادرة. البيت يمنح أمانًا مؤقتًا، لكنه هشّ وقابل للهدم. أما التفاحة فهي لحظة القرار الفردي. البيت يُسلب، التفاحة تُمنح، والفارق بينهما هو الفارق بين القهر والاختيار. لهذا لا يضع داود التفاحة داخل البيت، بل دائمًا على عتبته. ومن هذه العتبة يبدأ السقوط، أو النجاة المؤقتة، أو تلك الحيرة الإنسانية الجميلة.

اقرأ أيضا: «الكيت كات» و«مالك الحزين»… في رثاء المدن

شارك هذا المنشور