فيلم «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي، الذي عُرض ضمن الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2025، لا يمكن التعامل معه بوصفه فيلمًا قصيرًا بالمعنى التقليدي للزمن أو الحكاية، بل بوصفه حالة سينمائية مكتملة، أقرب إلى تجربة روحية منها إلى سرد درامي مغلق. هو فيلم لا يستعجل الوصول، ولا يلهث خلف حبكة، بل يترك المشاهد يتوه عمدًا، كأنّ التوهان نفسه جزء من المعنى، أو شرط أساسي لاكتمال الرحلة.
يضعنا عبد الوهاب شوقي داخل حالة ملتبسة بين الفانتازيا والواقعية؛ حانة تبدو كأنها مركز الكون، وكأنّ الحياة بكلّ دورانها وتناقضاتها تحدث هنا فقط. المكان يُقدَّم بوصفه نقطة انتماء للشخصية، مساحة مألوفة توحي بالاستقرار، بل بنوع من الألفة الزائفة التي تجعلنا نصدّق أنّ هذه هي حياة البطل الحقيقية. لكن مع تقدّم الزمن السينمائي، يتكشَّف هذا الوهم تدريجيًا؛ فالشخصية لا تنتمي إلى المكان بقدر ما تختبئ داخله، وكأنّ الحانة ليست موطنًا بل محطة مؤقّتة وقناع يُخفي اغترابًا أعمق. هذا الالتباس المقصود بين الحقيقي والمتخيَّل لا يعمل فقط على مستوى الصورة، بل يؤسِّس منذ البداية لفكرة الفيلم الأساسية، وهي أنّ ما نراه واقعًا قد لا يكون سوى إسقاط لرغبة في الثبات، بينما الحقيقة أبعد، وأكثر هشاشة، وأقرب إلى التيه الذي ستقودنا إليه الرحلة لاحقًا.

ما يلفت في «آخر المعجزات» هو وعيه الواضح بجمهوره. فيلم موجَّه إلى المثقفين «القدامى»، أولئك الذين يعرفون المراجع، ويفهمون الإحالات، وربما يشعرون بأنهم فقدوا شيئًا في زحام الحياة الحديثة. هذا الإحساس بالتيه ليس جديدًا على السينما المصرية، لكنه هنا يُستدعى بروح مختلفة، أقرب إلى روح أعمال نجيب محفوظ، لا لجهة الاقتباس المباشر، بل على مستوى الجوهر: الإنسان العالق بين الإيمان والشك، بين القدر والاختيار، بين الرغبة في المعجزة والخوف منها. عبد الوهاب شوقي لا يستنسخ محفوظ، بل يضعه في سياق بصري معاصر، يختبر فيه معنى الحضارة والتصوّف خارج الزمن الكلاسيكي.
الرمز حين يتقدّم السرد
توظيف الرموز في الفيلم ليس استعراضًا ثقافيًا ولا لعبة ذهنية فارغة، بل ممارسة واعية لفن معقّد لا يحتمل العشوائية. الرمزية هنا لغة أساسية، لا زينة إضافية. نرى الموت يحوم في المكان منذ البداية، مثل ظلّ ثقيل، رغم أنّ كل شيء يوحي بولادة جديدة. هذا التناقض هو قلب الفيلم النابض، فالحياة والموت ليسا نقيضين، بل وجهين للحالة نفسها. ظهور غادة عادل وهي حامل في منتصف الفيلم ليس تفصيلًا عابرًا، بل علامة على هذا التداخل العميق بين البداية والنهاية، بين الوعد بالفجر والإحساس بقرب النهاية.

الاصطفاء المتخيَّل
تتعامل الشخصية مع التصوّف لا بوصفه إيمانًا راسخًا، بل حالة تحوّل تتشبَّث بها هروبًا من فراغ داخلي عميق. هي لا تدخل الطريق الصوفي بحثًا عن صفاء حقيقي، بل تتعلَّق بكذبة ونداء من مكالمة من شخص ميت، تبدو لها وحدها منقذة؛ كأنها المعنى الوحيد الذي ما زال قابلًا للتصديق وسط عالم متشقّق. ما يميّز هذه الرحلة أنّ التحول لا يُقدَّم بوصفه حقيقة مُطلقة، بل على هيئة قناعة ذاتية مُغلقة، يرى فيها البطل نفسه مختلفًا، مختارًا، وربما مصطفى، بينما الواقع من حوله لا يؤكد هذا الاصطفاء ولا يعترف به. هنا، يصبح التصوّف مساحة إسقاط نفسي أكثر منه خلاصًا روحيًا، وتتحوَّل «الحضرة» من طقس جماعي إلى عزلة داخلية، حيث يؤمن البطل بحالته وحده، ويقنع نفسه بأنّ ما يراه حقيقة، حتى وإن لم يرها أحد سواه. هذه الازدواجية بين الإيمان والادعاء، بين التحوّل الحقيقي والوهم، تمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا، وتكشف عن هشاشتها أكثر مما تمنحها قداسة.
القطّة البيضاء في نهاية الفيلم تأتي مثل خاتمة مفتوحة، لا تشرح نفسها ولا تفرض تفسيرًا واحدًا. هي رمز للنقاء، وربما للروح، وربما شاهد صامت على عبث الرحلة كلها. عبد الوهاب شوقي يثق بمشاهده؛ لا يلقّنه الدلالات، ولا يخاف من الغموض، مع العلم أنّ الخمّارة يعود اسمها إلى «خمّارة القط الأسود» في الرواية الأدبية، وهذا في ذاته موقف سينمائي شجاع في زمن يميل إلى الشرح الزائد والوضوح القسري.

ورغم اكتمال التجربة داخل زمن الفيلم القصير، لا أخفي رغبتي في أن أراه طويلًا. ليس لأنّ القصير ناقص، بل لأن الشخصيات تستحق مزيدًا من التوغّل، ومصائرها تستحق أن تُراقَب حتى نهايات أبعد. هناك عالم داخلي غني كان يمكن أن يتشعَّب أكثر، وأن يمنحنا فرصة أطول للتأمل في مصير هذه الرحلة التطهيرية العبثية.
يتجرّأ عبد الوهاب شوقي في «آخر المعجزات» على بناء رحلة كاملة داخل زمن قصير، لا تعتمد على الحدث بقدر ما تعتمد على الإحساس والتجربة. بحذر واضح، يترك الفيلم مساحاته مفتوحة دون شروح زائدة، ممّا يجعله عملًا لا يُستهلك في مُشاهدة واحدة، بل يبقى عالقًا في الذهن، يدعو المُشاهد إلى إعادة ترتيب مشاهده ورموزه. هكذا يؤكد الفيلم أنّ الرحلة السينمائية، حين تُدار بوعي، يمكن أن تترك أثرًا يتجاوز زمنها بكثير.
اقرأ أيضا: عبد الوهاب شوقي ضحية «آخر معجزات» الرقابة الدينية