فاصلة

مراجعات

«غرق»… تشريح سقوط لأم وابنها

Reading Time: 5 minutes

طوال العام الحالي الذي يشارف نهايته، برزت الأمومة كأحد أكثر المواضيع حضورًا في الأفلام السينمائية. وها هي تطلّ مجددًا في «غرق»، أول الأعمال الروائية الطويلة للمخرجة الأردنية زين دريعي، الذي افتتح عروضه في مهرجان تورونتو الأخير، قبل أن يُقدَّم عربيًا للمرة الأولى ضمن مهرجان البحر الأحمر السينمائي (4 – 13 ديسمبر الجاري). غير أن اعتبار الأمومة محورًا وحيدًا للفيلم يبقى قراءة مجتزأة ومنحازة، إذ يتناول العمل شؤونًا أوسع تمتد من المراهقة ومسؤوليات العائلة والمدرسة، وصولًا إلى ما هو أهم: الصحّة النفسية. مع ذلك، تبقى الأمّ الحاضرة الكبرى، بعينها الساهرة وقلقها الصامت ودمعتها القريبة، كأن كلّ تلك المسائل لا تُرى إلا بعينيها. ورغم ازدحام التيمات إلى حدّ يكاد يجعل إحداها تلتهم الأخرى، تبرع دريعي، في باكورة تجاربها الإخراجية، في إرساء توازن دقيق يحول دون أن يتحوّل الفيلم إلى خطاب تلقيني أو «سلّة» تضم القليل من كلّ شيء، ذلك العيب الذي يلاحق كثيراً من الأفلام الأولى.

 

الحكاية بسيطة في ظاهرها، غير أن ما يمنحها امتدادًا زمنيًا يشغل الشاشة على مدى ساعة ونصف الساعة، هو قدرة المخرجة على اللعب بالزمن السينمائي، بحيث ننساب إلى تفاصيل الحياة اليومية وتشابكاتها، فندرك ونتعاطف، وتغدو معاناة الآخرين جزءًا من تجربتنا نحن. لا تحمل القصّة الكثير من التعقيدات: إنها معاناة أمّ (كلارا خوري) مع ابنها باسل (محمد نزار)، المراهق الذي يرزح تحت اضطرابات نفسية تبعده عن الناس، ولا أحد يعرف حقّاً ممّا يشكو، لا أهله ولا شقيقاه ولا حتى المدرسة التي تقرر فصله بعد حادثة اعتداء على أحد الأساتذة. من هذه اللحظة يبدأ الفيلم، قبل أن يستقر على خط درامي أحادي المسار، محدود الشخصيات، صريح الوجهة، ليصوغ في النهاية دراما نفسية خالصة، من ذلك النوع النادر في السينما العربية.

ثمة زحام خانق في رأس هذا الفتى، طاقة فائضة تبحث عن متنفس، فتدفعه إلى هامش المجتمع، وعزلة قاسية تتعمّق يوماً بعد يوم. في المقابل، ترفض الأم الاعتراف بالمشكلة التي يعاني منها الابن، بل تمضي في الدفاع عنه مهما يكن الثمن، كأن الاعتراف خيانة.

غرق (2025)
غرق (2025)

هذا فيلم عن التمسّك بتلك الصلة التي تُدعى الأمومة، والتي يقوم جزء كبير منها على حبٍّ غير مشروط. صلةٌ إذا ما حافظت على توازنها، يمكنها أن تعيد البشر إلى ذواتهم وتفتح أمامهم باب الانعتاق.

بالكاد سنعرف أن عمّان هي مسرح الأحداث، فواحدٌ من أكثر خيارات المخرجة جرأةً هو إحجامها عن ربط الفيلم بمرجعية واضحة، سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية. صحيح أن الحكاية تقع في الأردن، لكن فصولها كان يمكن أن تجري في أي مكان آخر، من دون أن يتغيّر شيء من بنيتها أو أثرها. إنه خيار ينطوي على قدر من المجازفة، له ما له وعليه ما عليه، ولا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن المهرجانات اليوم تنظر إلى الأفلام بوصفها نتاجاً ثقافياً مرتبطًا ببقعة جغرافية محدّدة، وتنتظر منها أن تعبّر عن بيئتها، بل أن تمثّلها أحيانًا. غير أن الفيلم لا يعير هذا الجانب أهمية، وكأنه يصرّ على أن يُقاس بما هو عليه في ذاته، لا بما يُفترض أن يعبّر عنه. وإن دلّ ذلك على شيء، فعلى رغبة دريعي في إنجاز سينما «نقيّة» مكتفية بذاتها، لا تبحث عن تقدير خارجي يُمنَح لها لاعتبارات ثقافية أو لمجرد طرحها قضايا راهنة، بل عن تقدير ينشأ من داخل الفيلم نفسه، من صدقه الفنّي ومساره الدرامي ومقاربته الإنسانية.

لعلّ أقرب تفسير لدافع المخرجة إلى إنجاز هذا الفيلم، هو أنه دافع شخصي خالص، ينبع من تجربة عاشتها أو شاهدتها عن قرب. وإذا كان هذا سببًا مشروعًا لأي مخرج في العالم لـ«تبرير» فيلمه، فلمَ لا يكون كافيًا لمخرجة من الأردن (بلد يملك صفرًا من الإرث السينمائي)، كي تقدّم روايتها البصرية انطلاقًا من مكان تعرف تفاصيله وتفهم مزاجه؟ وهذا ما يمنح دريعي تلك الثقة بالنفس التي يفتقر إليها الكثير من الأفلام العربية الأولى، إلى حدّ يدفعنا إلى التسامح مع بعض عيوب الفيلم، وإن لم يشفع له في جميعها.

غرق (2025)
غرق (2025)

نحن أمام عمل يفرض حضوره من خلال شخصيته السينمائية، ومن خلال ابتعاده عن المواضيع المستهلكة التي باتت مادة للتندّر، مكرورة ومجترّة في غير موضع. هنا، يلوح فيلمٌ يعرف ما يريد قوله، ويقوله معتمدًا على حساسيته الخاصة. يبني الفيلم سردًا مشحونًا يكشف كيف تعجز الأم عن رؤية ما يعتري ابنها من انهيار داخلي، مستعينًا بكادرات ثابتة تتطوّر تدريجًا إلى حركات أكثر توتّرًا، ومعتمدًا على زوايا تصوير مبتكرة تضع الشخصيات في قلب عزلتها. لقطة بعد أخرى، يتحوّل السرد من رصدٍ للحدث إلى تفكّك عالمها هي، وإلى إنكار يتصاعد ليغدو آلية دفاعية تنهار أمامها الحقائق. تستخدم دريعي الحكاية لفضح آليات الإنكار الشخصي والاجتماعي معاً، حيث يتقاطع الخاص بالعام في مسار سقوط تدريجي موجع، وإن لم يخلُ من بصيص ضوء في نهاية النفق.

في خضم ذلك، تمرّ مشاهد السباحة كعلامات بصرية متكررة، يصعب تحديد موقعها الدرامي بدقّة. قد تُقرأ كلحظات خفيفة الجاذبية، أو كمطهر رمزي، غير أن حضورها يبدو في أغلب الأحيان مقحماً، كأنه ذريعة لتبرير عنوان الفيلم. الغرق هنا ليس غرقاً مائياً بقدر ما هو غوصٌ في الآخر. غوص بريّ، فوضوي، يبتلع الأم والابن معًا.

غرق (2025)
غرق (2025)

بعض المَشاهد يسمح لنا بأن نطلّ على الحدث من فتحة باب موارب، كأننا نتلصّص على أسرار عائلية لا يُفترض بنا رؤيتها. غير أن هذه اللمسات الجمالية، على جمالها، تبلغ حدودها القصوى سريعًا، ثم تبدأ بالتراجع في ظلّ التكرار الذي تعاني منه بعض اللقطات. ثمة حوارات، بحجّة التكثيف، تفقد وضوحها، فنجد أنفسنا نتساءل عمّا حصل قبل هذه اللحظة أو تلك، وكأن جزءًا من السياق سقط سهوًا. يطال الالتباس أيضًا طبيعة العلاقات بين الشخصيات. فعلاقة الزوجين، وإن لم تكن محورًا أساسيًا، تُطرَح بقدرٍ من الغموض يثير التساؤلات، ويترك في النفس شيئاً من الفراغ. كما أننا لا نُمنَح ما يكفي من الفرص للدخول فعلاً إلى عقل الأم، ولا لفهم ما الذي ينهشها من الداخل، إذ تحيط بها ضبابية تخفي دوافعها وجرحها الأعمق. للمفارقة، تأتي اللحظة الأكثر تماسكًا وتعبيرًا حين يضع كلٌّ من باسل وأمّه قناعًا على وجهه. هناك فقط، يطفو كلّ ما كان مطموسًا في الأعماق.

غرق (2025)
غرق (2025)

كلّ مشهد وكلّ لقطة وكلّ تفصيلة في الفيلم تأتي محمّلة قدرًا من الجمال، قائمًا في ذاته، منفصلًا وغير قابل للإنكار. غير أن جمع هذه العناصر في وحدة سينمائية متماسكة هو مسألة أخرى تماماً، إذ يصعب منح البناء الكلّي صفة الجمال، ولا سيما مع كثرة مشاهد الربط والانتقال. هنا يتبدّى الفارق بين الصورة الفوتوغرافية والسينما. الصورة الواحدة تحمل فزعاً وتوجّساً يتصاعد نحو المجهول، لكن استدامة هذا النضج البصري طوال العمل ليست مضمونة، بل تتخلّلها موجات من الهبوط والصعود.

المشكلة الكبرى تكمن في أن جزءًا كبيرًا من الفيلم يتكوّن من شذرات متناثرة تحول دون خلق إحساس واضح بالزمان والمكان. وكأن الفيلم، على غرار بطله المراهق، يمتلك طاقة فائضة تدفعه إلى نسيان أن ترسيخ علاقة مع المكان والزمان ليس ترفاً، بل شرط أساسي في بناء العالم السينمائي. ومع ذلك، وبرغم هذا التفاوت في الإحكام، لا يمكن إلا أن نلمس مع نهاية الفيلم موهبة سينمائية واعدة، مشفوعة بجرأة في طرد المتوقّع وتحدّي ما اعتدناه من أفلام البدايات. وراء التشتّت الظاهري، يقف صوت فنّي يحاول أن يجد لغته الخاصة، وربما يتمكّن، في لحظات عديدة، في الاقتراب منها.

اقرأ أيضا: «Erupcja»… حين تتحوّل الرغبة إلى بركان نائم في شوارع وارسو

شارك هذا المنشور