شهد يوم انطلاق عروض الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي (4-13 ديسمبر) اثنان من العروض الأولى في منطقة الشرق الأوسط للفيلمين الفلسطينيين «اللي باق منك» إخراج شيرين دعيبس بعد عرضه العالمي الأول في مهرجان صندانس، و«فلسطين 36» لآن ماري جاسر عقب أن افتتح عروضه العالمية في البرنامج الاحتفالي بمهرجان تورنتو في سبتمبر الماضي.
كلا الفيلمين من المفترض أنهما يتحركان على خلفية الأحداث التاريخية التي شهدتها القضية الفلسطينية، حيث يبدأ «اللي باقي منك» وقت انتفاضة 1988 ويعود إلى عامي 48 وقت النكبة ثم يتقدم قليلًا إلى 78 عقب ثلاثين عامًا من ضياع الأرض، ثم يعود إلى عام انتفاضة الحجارة مرة أخرى، لنتابع عملية غريبة للتبرع بالأعضاء من قبل أهل أحد شهداء الصدفة في الانتفاضة، والذي يذهب قلبه إلى طفل إسرائيلي!
أما «فلسطين 36» فيعود إلى سنوات المؤامرة التي كان التحضير فيها يتم للاستيلاء على الأرض وتوطين اللاجئين الأوروبيين أصحاب الديانة اليهودية من القارة التي تنبذهم إلى ما يدّعون أنها «أرض الميعاد بالنسبة لهم»، وهي حقبة حساسة تكشف الكثير من أسباب الضياع! فالنكبة على فداحتها لم تحدث في مايو 48 ولكنها تشكلت كفخ ضخم قبل هذا التاريخ بعدة عقود.
تبدأ شيرين حكايتها من الضفة ثم تنتقل بالماضي إلى يافا وتعود للضفة مرة أخرى، بينما تبدأ آن ماري حكايتها من القدس ثم تنتقل بينها وبين قرية البسمة، وهي واحدة من القرى المقامة على الشريط الجبلي المحيط بالمدينة المقدسة.
والغريب ليس أن صانعات كلا الفيلمين يقررن أن يعودن إلى التاريخ لقراءة الجغرافيا بما يشكل مقارنة مع الوضع الجيوسياسي الحالي، أو أنهما تحاولان رصد أشكال الضياع التي سبقت أو واكبت أو لحقت النكبة بكل خشونتها ودمويتها، ولكن الغريب بالفعل هو أن كلا الفيلمين يقعان في نفس الفخاخ وبنفس الأسلوب، على الرغم من اختلاف الشكل الدرامي والحالة الظاهرية لكل منهم.

تتبع شيرين قصة عائلة فلسطينية من يافا منذ عام النكبة حتى عام الانتفاضة، خلال ثلاثة أجيال، لكنها لا تستفيد من هذه المجايلة بشكل مؤثر، بل ولا تستفيد من الشخصيات التي تأتي أحادية البعد بشكل ملفت، بل تكتفي بتحويل شخصياتها إلى كورس يردد جملًا محفوظة عن الوطن والأرض والمؤامرة والضياع، والهزيمة والمقاومة، كلاشيهات متراكمة مشهدًا بعد آخر، وحوار أقرب للمسرحيات المدرسية حول ضرورة الثبات وفداحة الخسارة ورفض الانكسار.
وعلى مرمى حجر «من اللي باق منك» يقبع «فلسطين 36» محشورًا في نفس الزاوية/الفخ؛ تحويل التاريخ إلى مشاهد مُأفْلَمة تردد سطورًا من الكتب أو الموسوعات، مشاهد تتلو الوثائق بدلًا من أن تجسدها، تقرأ ما يجب أن نشعر بتأثير حدوثه، حتى ولو لم نشاهد وقوعه بالفعل. حاولت جاسر أن تصنع فيلمًا يحاكي ما حدث بالفعل! فلم تفلح سوى أنها قدمت إعادة إنتاج مكلفة «للتغريبة الفلسطينية»، مسلسل حاتم علي الشهير الذي قدمته الدراما السورية قبل عشرين عامًا.
السينما والتاريخ
اتفق الكثيرون على أن السينما لا تُصنع من أجل معرفة التاريخ، حتى السينما التوثيقية ذات الطابع الدرامي يكون للحكاية فيها كل الأساس قبل المعلومة أو الوثيقة – يمكن أن نضرب مثلًا بالفيلم المصري «ناصر 56» من كتابة محفوظ عبد الرحمن وإخراج محمد فاضل كنموذج سهل الاستدعاء لهذا النوع من الأفلام.
السينما هي مصنع للحكايات، لتوليد المشاعر من حاصل ضرب أفكار الشخصيات في قراراتها داخل لحظة زمنية معينة. السينما لا تنشغل بالتاريخ ولكن بما يجعلنا ندرك تأثير حركة التاريخ على البشر، لا يعنيها العملاق ولكن يستوقفها أثر قدمه الضخمة على أرض النفوس. وإذا غاب البشر – بالمعنى الدرامي – عن أي فيلم وحضر التاريخ فقط فهي إذن ليست سينما، بل حصة مدرسية في فصل أنيق.
هكذا لم يفلح «فلسطين 36» في ضبط مقادير المعادلة الحساسة: السينما والتاريخ!

الغريب أنها ليست المرة الأولى للمخرجة آن ماري جاسر التي تعود فيها إلى حقبة زمنية سابقة، ففيلمها «لما شفتك» إنتاج 2012 تدور أحداثه في مخيم للاجئين الفلسطينيين على حدود الأرض المسلوبة خلال فترة الستينيات، ولكن شتان بين حكاية الأم الملتاعة على ابنها المصاب بما يشبه التوحد، الذي يرغب في تجاوز الأسلاك الشائكة والعودة إلى ديارهم، وبين أهل قرية البسمة – في «فلسطين 36» – من الفلاحين البسطاء ومجموعة أُفندية الطبقة المخملية لمجتمع ما قبل النكبة – أعضاء الجمعية الإسلامية المتواطئين مع الحركة الصهيونية – والذي من المفترض أنهم يشكلون في تفاعلهم (الفلاحين والأفندية وسلطات الاحتلال) المتن الإنساني الأساسي لسؤال الفيلم: كيف ضاعت فلسطين؟
في «لما شفتك» كان التاريخ حاضرًا كخلفية للحكاية، لكننا كنا نشعر بثقل اللحظات التي تمر على الشخصيات، نشعر بوطأة ما فات وبحيرة ما هو آني بالنسبة لهم، وبالأسى تجاه المستقبل الذي صرنا نعلمه بالفعل!
كانت جاسر لا يعنيها في «لما شفتك» أن تحكي لنا تاريخ المخيم أو من أي قرية جاء هؤلاء المطرودون، ولكن عندما أمسكت الأم بيد ابنها الذي يجري ناحية الأسلاك في المشهد الأخير وانطلقت معه للعودة مهما كان الثمن وأيًا كانت النتيجة تلخصت حكمة التاريخ وانكشف مفتاح القضية (العودة هي الهدف والحل).

أما في تجربتها الجديدة فلا توجد لحظة واحدة تعادل تأثير فينال «لما شفتك»!
حتى المشهد الأخير الذي تجري فيه الفلاحة الفلسطينية الصغيرة عفراء هاربة من قريتها التي اجتاحها الإنجليز للتنكيل بأهلها عقابًا على دعمهم للثوار، حتى هذا المشهد الذي من المفترض أنه الفينال الملحمي لما استعرضته المخرجة من مآسي الاحتلال الإنجليزي وتواطئه ضد الأرض وأهلها بقرار التقسيم الحقير – سنوات 36 و37 – لم يمكن لنا استدعاء نهاية «لما شفتك»! رغم تشابه فعل (الجري)، بل ذكرنا بنهاية الفيلم الأردني الرائع «فرحة» للمخرجة الشابة دارين سلام! وهو أحد أبرز تجارب العودة لقراءة لحظة النكبة، ولكن عبر البشر، وليس عبر مانشيتات الصحف والثرثرة السياسية الباهتة.
نعم للأرشيف لا للشعارات
يطرح «فلسطين 36» أكثر من معضلة فيما يخص هذا النوع من الإنتاجات، فالفيلم رغم كثرة شخصياته ما بين قرية البسمة ومدينة القدس يغيب عنه ولو حكاية واحدة متماسكة، قوية البناء، مبنية على أساس درامي متين يليق بالتكلفة التي توفرت لصناعته.
إلا أن الصورة التقنية عالية الجودة بمختلف عناصرها من تصوير وألوان وديكورات وملابس ومعارك وأماكن محاكاة للأصل الواقعي، كل هذا يذوب على الشاشة وفي الذاكرة نتيجة تواضع الحكي وضعف السرد، الذي يصل إلى حد أن البتر أو القفز بين الأحداث والشخصيات هو الأسلوب الأساسي الذي استخدمته المخرجة لكي تحكي عن هؤلاء الذين لم نقترب من أي منهم لا نفسيًا ولا شعوريًا.
المقصود أن الصورة الجيدة المصقولة والمتعوب على صناعتها لا تعني أي شيء إذا لم تكن في خدمة الدراما قبل القضية! وقبل الصورة نفسها، الصورة تُصنع من أجل الدراما وليس من أجل المباهاة التقنية!
الصورة لا تخدم القضية في ذاتها، بل الدراما هي التي تخدمها. ما بين الصورة والقضية توجد الدراما، وفي غياب التدرير المحكم للأحداث والتفاصيل والشخصيات تصبح الصورة مجرد تبسيط مُخل لأركان قضية مهمة وعظيمة مثل القضية الفلسطينية.
ونحن هنا لا نبخس قوة الصورة حقها أو نقلل من شأن تكلفتها العالية، بل نطرح معضلة: أيمكن أن يكون تقييم الفيلم قائمًا على جودة الصورة! ولا نقول قوتها، لأن قوتها نابعة من الحكاية التي ترويها لا العناصر التي تصورها!

ولا يمكن أيضًا أن نبخس الأرشيف الذي حصلت عليه المخرجة من مواد هذه الفترة حقه في جذب العين والذهن على حد سواء، خصوصًا مع ترميمه وتلوينه بهذه الجودة ليبدو التاريخ فيه على حقيقته. ولتصبح المواد الأرشيفية التي شكلت فواصل ما بين المشاهد أو نتف الحكايات المبتورة هي أفضل ما تحقق بصريًا وتوثيقيًا في الفيلم، ولكنه أفضلية تناسب فيلمًا تسجيليًا أو حتى دوكيو-دراما بالمعنى المنهجي أو الفني، ولكنها هنا – وكنتيجة لضعف القصص والدراما – كنوع من الدعاية المضادة التي يتم الدفاع بها عن شرف الأرض وتاريخ أصحابها ضد المحتل الصهيوني والمتآمر الغربي والمتواطئ العالمي.
ورغم أهمية الدعاية المضادة في سياق الأفلام التاريخية والسياسية وأهمية دحض الادعاء بخلو الأرض من أصحابها، وأنها كانت تنتظر «شعب الله المختار»، بينما نراها باذخة الثراء بالبشر والحضارة والتواجد الإنساني، إلّا أنه لا شيء يعادل قوة الدراما في توظيف الأرشيف لإحداث التأثيرات الدعائية المطلوبة، لأن الدراما تخاطب الشعور لا الذاكرة، وما نراه من مواد أرشيفية يمكن أن ننساه، ولكن ما تتأثر به أحاسيسنا – والمقصود هنا التأثر الشعوري وليس الميلودرامي الرخيص بمشاهد القتل والتفجير والتعذيب – فمن الصعب أن يغيب عن وجداننا أو أرواحنا.

في مقابل جودة الأرشيف ودقة اختيار مواده بشكل يعكس الكثير عن الواقع الفلسطيني في فترة الثورة الكبرى وصولًا إلى قرار التقسيم، يحتشد الفيلم – خاصة المشاهد الحوارية الكثيرة جدًا – بكم هائل من الشعارات والجمل النمطية والشرح المعلوماتي للفترة والحقبة والأحداث، والذي يجعل الشخصية وكأنها تقرأ من كتاب، لا تنطق بما يعتمل في نفسها، معبرة عن أفكارها في تلك اللحظات الرهيبة.
يتحول الحوار في كثير من المشاهد إلى مظاهرة شعاراتية تلقينية أو تثقيفية في أحسن النوايا، ولكنه أبدًا لا يرقى إلى مستوى الحوار الدرامي ذو المستويات التأويلية أو الخيال النابع من بيئة الشخصية وأبعادها وتفاصيلها التي من المفترض أنها الهم الأول لأي سيناريو أو سرد.
ثمة مبدأ في كتابة الدراما يقول إن عقدة النص/حبكته تنبع من الشخصية الدرامية وليس العكس! أي أن الأزمات تحدث نتيجة قرارات الشخصيات، وليست الشخصيات هي التي تتشكل بناء على الأزمات؛ فالشخصية سابقة على الأزمة. وهو المبدأ الذي يمكن أن نضيف عليه ليصبح: إن العقدة تنبع من الشخصية… والتاريخ أيضًا!
لو أننا طبقنا هذا المبدأ على الفيلم لما وجدنا أن ثمة شخصية واحدة يمكن تتبعها، حتى تلك الشخصيات التي كان من الممكن أن تصنع فارقًا دراميًا جيدًا مع المتفرج، بداية من خلود المثقفة المخملية التي تكتب باسم مستعار – أحمد كنعاني – واكتشافها أن زوجها عضو الجمعية الإسلامية متواطئ مع الحركة الصهيونية، وصولًا إلى عفراء الفلاحة الصغيرة التي ترى ما يحدث في عالم الكبار ولا تدرك منه سوى ما يسمح به عمرها الصغير، لكنه حتى القليل مما تدركه هو رعب هائل لو كان النص تمكن من أن ينقله لنا من خلال وجدانها الهش.
وكيف بالسيناريو أن يحول شخصية رائعة مثل ماسح الأحذية الفتى الصامت دائمًا، الذي نكتشف أنه ابن قسيس القرية، إلى تلك الحالة الميلودرامية الباهتة حين نراه يفقد قروشه لصالح تحرشات الجنود الإنجليز أو يصرخ بشكل انفعالي زاعق عقب تفجير والده بلغم عقابي بعد أن كشف للإنجليز عن مخزن الأسلحة، ثم يحمل المسدس العثماني العتيق لينتقم!

هذه العيون الفتية الشابة الصغيرة التي لا تدرك الأمور بمشاعرها، وتحتلها المخاوف الوجودية بشكل أكبر من طاقتها أو خيالها، هي مواد أولية خصبة لصناعة دراما قوية ومؤثرة، لكنها للأسف تتوه وسط الرطانة السياسية، وتسميع كتب التاريخ، واستعادة مانشيتات الصحف القديمة، وشرح مواقف الكل للكل، والإعلان عن المؤامرة والتواطؤ بشكل فج وساذج، حتى من قبل ضباط الجيش الإنجليزي أو السياسيين الذين من المفترض أنهم يديرون هذه المؤامرة بحنكة وذكاء، وهو ما أثبته الاحتلال وضياع الأرض فيما بعد!
يمكن القول إن فيلم «فلسطين 36» قد يتبخر سريعًا من قائمة الأعمال التي أنتجت عن القضية لأنه لا يحمل مقومات التأويل متعدد المستويات الذي يفصح عن طبقاته كلما أعيدت مشاهدته، كما أنه يفتقد إلى عناصر الجذب العميقة التي تجعله ممتعًا على مستوى السرد ولا الشخصيات التي لا تُنسى، والمواقف التي تتعلق في القلب.
لكنه يمكن أن يصبح نموذجًا يستحق الدراسة فيما يتعلق بأسئلة الدراما والتاريخ أو الصورة والقضية! وهو تأكيد لما سبق أن أشرنا إليه في البداية: أن الفيلم لا يصلح أن يكون مظاهرة، وأن شاشة السينما أكبر من أن تطوّى لصالح محبرة التأريخ.
اقرأ أيضا: «فلسطين 36»… تفكيك خيوط النكبة