فاصلة

أخبار وتقارير

علي الكلثمي: جيل «تلفاز 11» صنعته التجارب قبل الاحتراف

Reading Time: 4 minutes

في جلسة حوارية ضمن فعاليات مهرجان البحر الأحمر، تحدث المخرج السعودي علي الكلثمي عن تجربته مع فيلمه الطويل الأول «مندوب الليل»، وهي تجربة يعتبرها محطة فارقة في مسيرته، خاصة أنها جاءت بعد سنوات من العمل عبر استوديوهات «تلفاز 11» والبدايات التي تشكلت على الإنترنت.

أدار اللقاء الناقد السعودي أحمد العياد، مبرمج أول المهرجان ورئيس تحرير منصة «فاصلة»، والذي أتاح مساحة واسعة للكلثمي كي يستعيد محطات العمل، ويكشف علاقة الفريق وصناعة القرار خلف الكواليس.

المخرج علي الكلثمي والناقد أحمد العياد
المخرج علي الكلثمي والناقد أحمد العياد

أوضح الكلثمي أن عنصر «التكاتف» كان محورًا أساسيًا في رحلة الفيلم، مشيراً إلى أن وجود إبراهيم الخيرالله إلى جواره منحه الأمان الإبداعي، خصوصًا أنه كان يعمل وقتها على «سطّار»، ما فتح أمامهما مساحة ثقة صنعت نبرة العمل واتجاهه.

وقال إن الفريق بأكمله دخل التجربة بروح المراهنة، إذ لم يكن الفيلم رهاناً مضموناً، لكنه اعتمد على مجموعة تشترك في الشغف نفسه والرغبة في اختبار قدرة السينما على التحول.

وأوضح أنه لا يزال يري «مندوب الليل» فيلماً كوميدياً من حيث الجوهر، رغم تلقّي الجمهور له بصورة مختلفة تماماً، مشيراً إلى أنه كان يشاهد الأفلام ويستنبط منها أسلوباً خاصاً يساعده على أن يكون أكثر صدقاً مع نفسه، خصوصاً بعد مرحلة شعر فيها أنه مطالب بإرضاء الآخرين أكثر مما يرضي ذاته.

هذه النقطة بالنسبة له كانت لحظة مفصلية، إذ أدرك أن الاستمرار في العمل من أجل الانسجام مع التوقعات العامة يبعده عن جوهر رؤيته، ولذلك قرر أن يلتزم بما يشعر أنه حقيقي، ومن هنا وُلدت الطريقة التي تعامل بها مع «مندوب الليل»، حيث ركّز على الجوهر الداخلي للفيلم قبل أي شيء آخر، وحين كان يروي القصة وجد أن مسارها الطبيعي يقوده إلى مساحة فيها قدر من السوداوية التي لم تكن مقصودة بقدر ما كانت نتيجة صدقه مع التجربة.

فيلم مندوب الليل (2023)
فيلم مندوب الليل (2023)

توقف الكلثمي عند علاقته المبكرة بالممثل محمد الدوخي، موضحاً أن ملامح الشخصية في النص دفعت به فورًا إلى اختياره، رغم محاولاته الأولى للهرب من الفكرة. لكنه أدرك سريعاً أن الدوخي الأنسب للدور، وأن العمل معه كان ممتعاً بسبب رغبته الواضحة في كسر النمط وتقديم شيء مختلف، كما تحدث أيضاً عن أهمية أن يخوض المخرج تجربة التمثيل، واعتبرها باباً لفهم احتياجات الممثل، وتعزيز الثقة بين الطرفين أثناء التصوير.

وكشف أن التحضير النَفَسي للشخصية كان جزءاً مهمًا من العمل، وأنه كان يقرأ النص للممثلين بنفسه ليشرح الإيقاع الداخلي لكل مشهد. ورغم وصفه لنفسه بـالـ«control freak» في بعض اللحظات، إلا أن الهدف كان بناء مساحة آمنة، تسمح للممثل بكسر الخوف والتعبير بحرية أمام الكاميرا وبين طاقم كبير، مؤكداً أن الدوخي كان شريكًا حقيقيًا في الفيلم، وبأنه لا يمكن فصل نجاحه عن حضوره وأدائه.

انتقل الحديث بعد ذلك إلى تجربة «تلفاز 11»، التي يرى الكلثمي أنها شكّلت جيله بالكامل، وأنها لم تكن مجرد محتوى إنترنت بقدر ما كانت ورشة مفتوحة يتعلم فيها الشباب صناعتهم أمام الجمهور.

أوضح أن انتقاله من الإعلانات إلى اليوتيوب ثم إلى السينما لم يكن اختلافًا في القيمة، بل اختلافاً في الوسيط، وأن النظر إلى هذه المنصات بمنطق التفاضل أو الطبقية الفنية يقتل الإبداع ويقيد الفنان.

المخرج السعودي علي الكلثمي
المخرج السعودي علي الكلثمي

وقال إن مرحلة اليوتيوب كانت ذهبية بحق، إذ شهدت السعودية وقتها أعلى نسب المشاهدة عالمياً بعد البرازيل، وكانت مساحة للتجريب والبحث عن الأسلوب. ورغم الأخطاء الكثيرة التي يتذكرها اليوم، فهو يراها أساساً للتعلّم الذي مكّنه من تشكيل لغته السينمائية لاحقاً. شدّد على أن تصنيف الفنان بحسب المنصة التي ينشر فيها عمله أمر لا معنى له، وأن المحتوى العظيم يمكن أن يكون مقطعاً قصيراً على إنستغرام بقدر ما يمكن أن يكون فيلماً في مهرجان كبير.

في حديثه عن بداياته مع الأفلام القصيرة، استعاد الكلثمي تجربة فيلم «وسطي» وعرضه الأول في مركز الملك فهد الثقافي، مؤكدًا أن تلك اللحظة كانت مفصلية في مسيرته، لأنها جاءت بعد ست سنوات من صناعة محتوى يشاهده الناس على الشاشات الصغيرة فقط. شعر للمرة الأولى بمعنى أن يرى جمهوره الحقيقي أمامه، يتفاعل مع فيلمه في صالة عرض، ويرى انعكاس العمل على وجوههم مباشرة.

وأشار إلى أن «وسطي» لم يكن مجرد فيلم، بل لحظة مواجهة بين الفن والرقابة الاجتماعية، لأنه استعاد قصة حقيقية حدثت عام 2006 عندما هاجم متطرفون مسرح اليمامة. ورغم حساسية الحدث، كان إصراره كبيراً على عرض الفيلم في الجامعة نفسها حيث وقع الاعتداء، لأن السينما ـــ كما قال ـــ تصبح جزءًا من الذاكرة العامة، وتواجه الأفكار المتشددة عبر سرد القصص.

اختتم الكلثمي حديثه بالتأكيد على أن الشغف هو ما يقود كل خطواته، رغم القلق والتحديات التي ترافق أي مشروع جديد. ورأى أن توسع الصناعة اليوم وازدياد رؤوس الأموال والمواهب يمنحان مساحة أكبر للأفكار كي تتحقق، لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب الجرأة على التجربة.

ودعا الشباب إلى العمل عبر كل المنصات، وعدم انتظار «الفرصة المثالية»، لأن الأخطاء المبكرة هي التي تصنع الفنان الحقيقي، وهي التي صنعت جيله منذ أيام اليوتيوب وحتى وصولهم إلى مهرجان البحر الأحمر.

اقرأ أيضا: علي الكلثمي : مندوب الليل يروي حكاية الرياض ولياليها

شارك هذا المنشور