فاصلة

حوارات

علي سعيد: البدايات الأولى لصناعة السينما السعودية تستحق أن تُوثَّق

Reading Time: 4 minutes

لم يكن فيلم «ضدّ السينما» مجرد مشروع بالنسبة إلى المخرج السعودي علي سعيد، كان أشبه بحفرة عميقة في الذاكرة، كان عليه أن ينزل إليها وحده، وأن يضيء دروبها واحدةً تلو الأخرى، الفيلم عرض للمرة الأولى بالدورة الماضية من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وحصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة «جائزة صلاح أبو سيف» بمسابقة «أفاق السينما العربية».

يقول علي سعيد إنه لم يدخل هذا النفق بدافع حنين عابر، بل لأن الأسئلة لاحقته قبل أن يلاحق هو تاريخ السينما، «كنت أقرأ كتبًا تتناول تاريخ السينما العربية، ولم يكن اسم السعودية حاضراً في أي مكان. شعرت أن هناك حفرة في السرد، وأن أحدًا يجب أن يملأ هذا الفراغ قبل أن يبتلعه الزمن».

هكذا بدأت الحكاية، ليست نقطة انطلاق واضحة، بل تراكمات، ملاحظات، فضول، وغياب، كان علي قد عاش سنوات المنع وعرف تفاصيلها الصغيرة، جيل الثمانينات الذي يتكلم عنه الفيلم كان ذاته، «أنا ابن هذا الجيل»، يقولها وكأنها جملة مفتاح، فقد أراد أن ينظر إلى التاريخ من مكانه هو، من مقعد الطفل الذي شاهد الأفلام في الظل، ثم من مقعد الرجل الذي يراها تعود إلى الضوء.

الوثائقي السعودي «ضدّ السينما»
الوثائقي السعودي «ضدّ السينما»

حين بدأ يتتبع الحكايات وجد نفسه يدخل دهاليز عاشها الناس بصمت، قاعات عرض صغيرة، عروض متقطعة، شاشات تُنصب في المناسبات وتختفي بعدها، محاولات فردية لإبقاء السينما حيّة، وأرشيف متناثر على أطراف المدن، في بيوت قديمة أو مخازن أو ذاكرة أفراد لم يلتفت إليهم أحد.

يقول علي: «أدركت أن الفيلم لن يكون عن تاريخ السينما فقط، بل عن جغرافيا غيابها وعن الذين حافظوا على فتيلها مشتعلًا»، وفي تلك اللحظة، لم يعد الفيلم مشروعًا، بل رحلة شخصية. هكذا يصفها «أصبحت القضية قضيتي وحدي. سنوات طويلة وأنا أتنقل من مدينة لأخرى، أجمع قطعًا متناثرة من ذاكرة شبه منسيّة».

كان علي سعيد يعرف أن الرحلة لن تكون خفيفة، لكنه لم يتوقع أن تمتد خمس سنوات كاملة بين 2021 و2025، وتتحوّل إلى ما يشبه مهمة سيزيفي «كنت أستيقظ وأنا أفكر في الفيلم، وأنام وأنا أفكر فيه. إذا توقفت التقنية، يتوقف كل شيء».

حسن سعيد وعلي سعيد مع عارض الأفلام في أحواش جدة القديمة، عليان شعبين.
حسن سعيد وعلي سعيد مع عارض الأفلام في أحواش جدة القديمة، عليان شعبين.

كان الخوف الأكبر بالنسبة إليه ليس رقابة ولا إنتاجًا ولا عوائق إدارية، لكن خوف أن تخونه التقنية. فالعمل محفوظ على عشرات الأقراص الصلبة التي تتضخم عامًا بعد آخر، «وصلنا إلى 24 تيرابايت من المواد. مجرد أن يتعطل قرص صلب كان كابوسًا»، لكنه يضحك وهو يستعيد ذلك «أثق بالإنسان أكثر من التقنية… التقنية مزاجية، أما الإنسان فيستطيع أن يحمل المشروع على كتفيه مهما ثقل».
أثناء تنقّله بين الأرشيفات، كان علي يشعر كأنه يستخرج عظامًا من الذاكرة. واحدة من أكثر اللحظات غرابة كانت حين عثر بالصدفة على وثائقي «الحرب على الملاريا» (1956) داخل آلة عرض قديمة اشتراها من محل متخصّص بالتحف في جدة.

يروي هذه اللحظة وكأنها مشهد فيلم «اشتريت الآلة لمجرد الفضول. حين فتحتها وجدت شريطًا… لم يكن لدي أي فكرة عن قيمته. وبعد البحث تبيّن أنه الفيلم الذي قيل إن أرامكو لا تمتلك منه نسخة أصلًا»، يصف الاكتشاف بأنه «هبة من الطريق»، كأن الذاكرة تكافئه على إصراره.

وفي مسار آخر من الرحلة، وجد علي أن عليه أن يكون الراوي داخل الفيلم، لم يكن هذا القرار تقنياً بقدر ما كان أخلاقياً، «شعرت أن الفيلم يحتاج إلى صوت يعيش داخله. أردت أن يتحمل شخصٌ مسؤولية كل جملة تُقال. وصوت المخرج هنا ليس سلطة، بل اعتراف… أنا من يسرد، وأنا من يكشف، وأنا أول من عاش هذه القصة»، بحسب تعبيره.

أكثر ما كان يشغل المخرج السعودي خلال عملية البناء هو كيفية نسج هذه الأصوات الكثيرة داخل مسار سردي واحد، فالمشروع مرّ على أكثر من مونتير، بعضهم لم يتحمّل طول التجربة أو تعقيدها، لكن الإيقاع ظل ثابتًا لأن «الصورة الكبيرة كانت واضحة في ذهني. كنت أعرف تماماً ما أريد أن يقوله الفيلم، وما أريد أن يظل صامتا»، يتحدث علي سعيد.

الوثائقي السعودي «ضدّ السينما»
الوثائقي السعودي «ضدّ السينما»

ومع أن مرحلة المونتاج طالته بصعوباتها، فإن علي يرى أن أصعب ما في الفيلم كان جمع الأرشيف، إذ أن الوصول إلى مواد صالحة للعرض السينمائي تطلّب جهودًا طويلة واتصالات لا تتوقف، أحيانًا مع أشخاص يعيشون خارج المملكة أو غير متفرغين لفترات طويلة، ومثل أي مشروع طويل النفس، احتاج «ضدّ السينما» إلى دعم يتجدد باستمرار. يقول علي إنه وجد نفسه في لحظات يطرق أبوابًا كثيرة، يتعاون مع جهات مختلفة، ويمدّ عمر الفيلم عامًا بعد عام، لا لشيء إلا لأنه شعر أن عليه أن يكمل هذا الطريق للنهاية، «كنت أشعر أن الفيلم لن يتحقق لو توقفت أنا. لم يكن هناك فريق جاهز ينتظرني. لذلك استندتُ على نفسي، وعلى تلك الشرارة التي جعلتني أبدأ»، كما يؤكد.

في قلب الفيلم، يضع علي سعيد جملة واحدة تبدو كأنها ملخص مشروعه كله، إن لم نكتب تاريخنا الآن، فلن يبقى منه شيء بعد سنوات. يروي كيف كان يعود إلى الصحافة ليعيد ترتيب الوقائع، بحثًا عن تاريخ غير مدوّن، وكيف استعان بخبرته الصحافية في قراءة الملفات القديمة ومقارنة الروايات، ومع أن الفيلم يصف تاريخ المنع وعودة دور العرض منذ 2017، إلا أن علي يرى أنه لا يصنع فيلمًا عن الماضي فقط، بل عن حاضر يتشكل الآن أمام أعين الجميع «الماضي ليس وثيقة مغلقة. هو مفتاح لفهم هذا التحوّل الذي نعيشه اليوم».

اقرأ أيضا: «ضد السينما»… الكثير مما تود معرفته عن السينما السعودية

شارك هذا المنشور