فاصلة

مقالات

المخرج «الصنايعي» الذي ينسى أنه فنان

Reading Time: 7 minutes

 ينسى صانع الفيلم المبتدئ أنه فنان، ويغيب عن ذهنه أن أساس حرفته هي المشاعر. لا يحدث ذلك للموسيقي والشاعر والفنان التشكيلي، إذ أن محل اشتغالهم الرئيس هو ذلك الانفعال الشعوري الاستاطيقي، أما في الفنون السردية مثل الرواية والقصة والمسرح والسينما، قد يباغته فن الحكي، وتأخذه تعقيدات الحبكة وبناء الشخصيات عن أساس حرفته هو الآخر أيضًا، ويتحول بعد ذلك إلى تقني Technician يهمه أن ينجز عمله وفق الخطوات الإجرائية التي تواطأ عليها الوسط نفسه.

 لنأخذ مثالًا.

 كثيرة هي الأساليب التي اصطلح عليها السينمائيون وصانعو الأفلام، منها على سبيل المثال استخدام اللقطة المقربة Close-up لإظهار المشاعر على وجه الشخصية أو الدوللي المتراجع Dolly out لإظهار مشاعر النبذ الذي تشعر بها الشخصية، وكذلك اللقطة السفلية والعلوية لإظهار قوة وجبروت الشخصية وذلها وانكسارها، على الترتيب.

 لكن المخرج الذي يرى في نفسه فنانًا وليس «صنايعي»، لا يقوم بعمله وفق هذه الإرشادات كما لو كان يتأبط مفكرة تحمل هذه التعليمات ويرجع إليها في كل لقطة. وعليه، هو أيضًا لا يتوقع متلقيًا يقيس الفيلم بمسطرة تلك المفكرة، بل يرى المخرج في ذلك احتقارًا لفنه وكسلًا غير مأمول من المتلقي.

 عندما يراجع المخرج الفنان – وليس الصنايعي – مشهدًا صوّره للتو كي يراجعه، هو لا يقوم بعمل مقارنة وقياس بين المشهد وبين ما في تلك المفكرة من أساليب وتكوينات بصرية ليبني حكمًا حول جودة المشهد، وإنما يبحث عما إذا كان الشعور المنشود قُبض عليه في ذلك المشهد. قد يبدأ بتصوير لقطة مقربة على وجه الممثل ليقبض على لحظة الإحباط، ولكنه قد لا يجد ما يريده، فيقرر تجربة لقطة علوية – مثلًا – ويطلب من الممثل في لحظة هادئة، أن يرخي كتفيه، يخفض رأسه ويزفر، وقد يكون ذلك التكوين البصري أصدق في القبض على تلك اللحظة وذلك الشعور، وعليه يقرر المخرج أن يختار هذا المشهد على حساب اللقطة المقربة وإن لم تكن موجودة في تلك المفكرة.

Rear Window (1954)
Rear Window (1954)

 تلك إحدى الأسباب التي تجعل من المخرج يعيد التقاط المشهد أكثر من مرة، لأن الفن بطبيعته يقوم على المحاولة والخطأ، وإعادة المحاولة لتقليص ذلك الخطأ. والخطأ هنا يخص توليد المشاعر الذي هو عصب الفيلم. أما في العلوم التجريبية – التي لا تخلُ أيضًا من التجربة والخطأ – ننطلق من تأصيل نظري أكثر رصانة، ومُعتدٍّ به؛ لأنه يتبع نماذج إحصائية وحتمية وبرهان رياضي.

 بالفعل، يشكل القص جزءًا رئيسًا من الفيلم وكل الفنون السردية، إلا أن المشاعر هي ما تجعل الفيلم قابلًا للاستهلاك من قبل المتلقي، والاشتباك معه بوصفه فنًّا قبل كل شيء وليس مادة تعليمية، وهي ذاتها المنطقة التي تسمح بتناول الأفكار من أبسطها إلى أكثرها تعقيدًا ولكن عبر شكل فني، وهذا الشكل الفني هو ما يجعل للنقد الاجتماعي والسياسي والفكري رؤية جديدة، تمامًا مثل ما يقوم به التغريب اللغوي في الأدب والرواية، حيث يجعل مراجعات الأفكار ممكنة ولكن وفق ظروف ورؤية جديدة فرضتها الحكاية وما خلقته من مشاعر لدى المتلقي.

 والأمر ذاته ينطبق على أفلام الـ«جنر»، بخلاف ما يظنه الكثير بأنها تقوم على فن القص والمنحنيات الدرامية ومنطقية الأحداث وضبط السبب والمسبب في حبكة متدافعة بإيقاع منضبط، إلا أن المشاعر هي القاعدة التي ترتكز عليها كل هذه العناصر وتسعى للوصول إليها، واختلالها يعني عدم اهتمام المشاهد بالشخصيات، ويفقد اهتمامه بها ويشعر بالملل. أي عندما نكتب خلفية البطل الدرامية Backstory، ونظهر أين يعيش وعلاقته بمن حوله، لا نقوم بذلك لغرض الحبكة وحسب بل لخلق الارتباط العاطفي، إذا ما اختل، نكون غير مهتمين بمتابعة الفيلم.

 ولعل ذلك يبرر عزوفنا عن الكثير من الأفلام السعودية ذات الطابع التجاري، ليس لأنها رديئة بل لأنها تقوم بشكل رئيس على تلك المعادلات المهتمة بفن الحكي والسبب والمسبب لنسج حبكة منطقية، والاستناد على مفكرات (ربما أبرزها إنقاذ القطة) ولا يستطيع المشاهد أن يهتم لهذا البطل ولا يرتبط به شعوريًّا ولا يهتم بما يريد أن يحقق، وكأن هذا غير مطلوب طالما أن الفيلم كوميدي وهدفه الأساسي إضحاك الجمهور. وحين يتجاهل صانع الفيلم أن الأمر مرهون بالمشاعر، يصبح العمل ميكانيكي بشكل جلي، يتتبع «فورملا»، وإذا ما اكتشفها المشاهد يصبح «ويشعر» من الصعب عليه تقبل العمل والتفاعل معه. الأمر أشبه باختلال الاتفاق الضمني بينه وبين الفيلم. يتجلى هذا الإشكال عند المخرج الصنايعي – وكذلك المتلقي المدرسي – في عدة أشكال، لعل أبرزها هو اختلال الـ«جنر» في الفيلم نفسه.

فيلم ( هوبال - 2024)
فيلم ( هوبال – 2024)

 لدينا في العالم العربي ـ وربما خارجه – ربط بين الـ«جنر» وحكم القيمة، وما هو إلا تقليد قديم في العلوم والمعارف التي تولي للتصنيفات والتبويبات والشروحات أهمية كبيرة في عملية الإنتاج المعرفي، لعل المقام هنا لا يناسب الخوض فيه، ولكن يهمنا هو ارتباط الـ«جنر» بحكم القيمة، إذ نرى ذلك في الأفلام كما في الأدب والشعر، فروايات الفنتازيا والخيال العلمي والجريمة كلها في درجة متدنية، ومجرد وصم العمل بإحدى هذه الأجناس يسقطه من على هرم القيمة الفنية والمعرفية، والأمر ذاته ولكن بدرجة أقل في السينما، أما في الشعر فقصيدة النثر قد لا تعد شعرًا عند البعض.

 إذا تجاوزنا الـ«جنر» بوصفه حكم قيمة، نستطيع أن نعاينه فنيًّا. الـ«جنر» مرتبط بشكل رئيس بالمشاعر؛ الرومانسية لمشاعر الحب، الكوميديا للبهجة والضحك، الرعب للخوف، الجريمة للتوتر، الخ. ومنها نستطيع أن نخمن كيف يفكر الكتّاب في دمج هذه الأجناس/المشاعر لإنتاج مشاعر جديدة، قد تكون متضاربة، متناقضة، أو ربما مشاعرة مختلطة جديدة. وفي الوقت نفسه إذا ما أراد المخرج الفنان أن يكسر هذا الاتفاق الضمني، يكسره وفق منطق إبداعي جديد يستطيع المشاهد أن يتواصل معه. ولذلك قد يكون من المفيد للمخرج المبتدئ، أو المخرج المُقدِم على صنع فيلم جنر، أن يدرك أن فيلمه سيكون متسق من حيث المشاعر، بخلاف سينما المؤلف والأفلام الفنية التي تتطلب لغة سينمائية محترفة من حيث الأسلوب واللغة البصرية والتراكم الفكري والمواقف والرؤى السياسية، والتي يجب أن تُصب بشكل متقن في مشاعر قد تكون صعبة التصوير.

فيلم ناقة (2023) مشعل الجاسر
فيلم ناقة (2023)

 وعلى خطٍّ موازٍ لما سبق، نستطيع أن نخمن أن أفلام الـ«جنر» تتبع منطق المشاعر المهندسة أو المبرمجة engineered emotions ولذلك يكون من المنطقي أن تجنح هذه الأفلام باتجاه ما اُعتيد عليه من قبل المتلقي من حيث أنماط الحبكة واللغة البصرية التي قد تستطيع أن توصل ما تريد من المشاعر، أما سينما المؤلف والأفلام الفنية فهي معنية «باكتشاف» المشاعر، وبالتالي تكون اللغة السينمائية والأشكال الفنية للفيلم بحاجة إلى التحام أكبر، ومساءلة وتحليل بل وحتى مقاومة.

 ويجب التنبه أن مخرج أفلام الـ«جنر» ليس بالضرورة مخرج صنايعي، بل هذا الأخير قد يخرج أفلام جنر وأفلام فنية رديئة في الحالتين. وأيضًا ننوه أن هذا الفصل بين أفلام الـ«جنر» والأخرى فيما يخص المشاعر هو فصل نظري، تمامًا مثل محاولات التنظير حول الشكل الفني والموضوع أو أي تنظير سينمائي آخر، بيد أن الواقع والتطبيق دائمًا أكثر تعقيدًا، ويختلط الجانبان فيه بدرجات متفاوتة. فلو أخذنا على سبيل المثال ألفريد هيتشكوك فلأفلامه سمات متسقة تميزه، فهي أفلام تتسم بالغموض والالتباس الأخلاقي وكذلك التلاعب النفسي والتلصصية وحضور المرأة الشقراء، وهي عناصر تُوظف جميعها في إظهار نظرة هيتشكوك للحياة شكلًا وموضوعًا، ولكن على صعيد آخر هناك سمات متكررة هي الأخرى وتندرج ضمن سينما الـ«جنر»؛ مثل الجريمة والتشويق.

Psycho (1960)
Psycho (1960)

 تساعد مشاهدة الأفلام القصيرة والتجارب الأولى على رصد الأخطاء النابعة من المخرج الصنايعي، إذ نلحظ أن الفيلم أبعد ما يكون عن امتلاك لغته السينمائية الخاصة، وفي الوقت نفسه لا يتبع أي تقليد بإمكانه تشكيل اتساق مشاعري على خط الفيلم، فيلم تائه مشاعريًّا، يبدأ كقصة ثأر وينتهي كفيلم رعب نفسي، أو كقصة حب وينتهي كخيال علمي، وليس هناك خطاب نقدي أو فكرة معرفية تتسق ولغة الفيلم كي نرجع الأمر إلى سينما المؤلف.

 لا ينبغي أن يندرج تشخيص المخرج الصنايعي ضمن الممارسة التصنيفية ذاتها التي تُمارَس لخلق تراتبية وفرض حكم القيمة، حتى وإن كنا ننظر له بنظرة تخطيئية ناقدة، وإنما ينبغي أن نعي ما يقوم به وكيف يفكر كي نشخص الحالة السينمائية السعودية من هذه الزاوية، وفي ذلك يكمن جوهر التعلم. إذ هناك عدد لانهائي من التصنيفات الممكنة، نستطيع أن نقوم برصد موجات مختلفة صاعدة، منها ما يتعلق بالتغير التقني لا سيما الذكاء الاصطناعي اليوم وقبلها الـ CGI والـ VFX، ومنها ما يتعلق بالموضوعات أو حتى بالممثلين والبيئات الجغرافية والتلوين. لهذه التصنيفات أغراض إجرائية لا قيم فنية جوهرية في ذاتها. ولعل هذه الأخيرة تستحق استطرادًا بسيطًا.

 نرى عندما نقرأ ونطالع نقاشات المشهد السينمائي السعودي احتكام واستناد الكتّاب والمتحدثين على هذه التصنيفات كما لو كانت تحمل قيمة في ذاتها؛ مثل السينما الشعرية والسينما الصامتة والسينما السريالية والطليعية التعبيرية وغيرها، في حين أن هذه المدارس والموجات السينمائية ليست إلا – بطبيعة الحال – حركات مشروطة تاريخيًا، تشكلت بشكل عضوي بما يتطلبه الظرف الراهن، وليس لأن الأسلوب الشعري ذاك واللغة السريالية تلك تحمل قيمة فنية في ذاتها. إدراك هذا الأمر كفيل بتغيير نمط التفكير بالكلية، فعلى صانع الفيلم السعودي أن يتحرر من هذه المدارس وألا يعاملها بوصفها خلفيات نظرية تُستقطب ثم تُحوّل إلى تطبيقات فيلمية، وإنما التركيز على راهنيتها، والظروف التي أدت إلى تشكلها، لكي نعي على الطرف الآخر راهننا نحن السينمائيون السعوديون، وتوليد الحراك المشتبك براهنيته الخاصة.

نتاج السينما السعودية 2024
فيلم آخر سهرة في طريق ر

 قد يكون لذلك ارتباط ببنية التفكير لدى المثقف السعودي عامة والتي تتبع منطق التنظير المفصل لغرض الوصول إلى إجابة نهائية، ومن ثم العمل بها، هذا ويرتبط بما ذُكر حيال التصنيفات والشروحات والتعليقات، إذ لها جميعها غرض الوصول إلى حتمية معرفية تسمح بتوظيفها في تطبيق. هنا يستخدم صانع الفيلم هذه المدارس والتصنيفات الظرفية والمرهونة تاريخيًا بوصفها حتميات معرفية جاهزة وثابتة، مما لا يعرقل فقط صناعة فيلمه إذا ما حاكاها وقلدها، بل تعرقل عملية إنتاج المعرفة النظرية السينمائية ككل، فهي تبقي المعرفة النقدية ثابتة في لحظة ما، مقاومة لطرح وتقديم أشكال ورؤى ومناظير جديدة، وهذا ما يتعارض وروح الفن.

 ولذلك تشخيص المخرج الصنايعي يأتي في هذا الإطار؛ رصد الظرفية السينمائية السعودية، أي عندما نرصد الأفلام القصيرة نستطيع أن نرى مثل هذا المخرج، ووجوده الحقيقي وعلى الأرض، خاصة وأن كثيرًا من صناع الأفلام السعوديين يميلون بشكل مقصود أو لا إلى أن يكونوا مخرجين مؤلفين، وأن معظم الأفلام السعودية المشاركة في المهرجانات هي أفلام فنية، فإذا كان صانع الفيلم الفني يتعثر في ضبط مشاعر فيلمه من جانب، ويحاكي حركات سينمائية من جانب آخر، ويرتكز على جماليات الصورة والحيل البصرية والتكوينات المبتذلة التي لا تعبر عنه بقدر ما تتبع مذكرة موجودة في أذهان المهتمين في السينما، يكون الفيلم مضطربًا، إذ لم يقدم المخرج فيلم جنر ولم يقدم مشاعر جديدة تعبر وتحاكي عما يريد قوله.

ختامًا، لا يستطيع المخرج أيًّا كان عمله من تقديم فيلم جيد طالما يغفل تمامًا أنه فنان، وأن صنعته تقوم بشكل رئيس على توليد المشاعر. المشاعر هي السؤال الدائم في العملية ككل، وهي ما تقرر الكثير من تفاصيل الفيلم، ليس فقط المعنية بالحبكة وبناء الشخصيات، بل حتى بأدق التفاصيل البصرية والسمعية، وهي الاختبار الذي يخضعه صانع الفيلم لعلمه لمعرفة إذا كان متقنًا، ويعبر عما يريد إيصاله أم لا.

اقرأ أيضا: أسبوع المخرجين: نظرة نقدية

شارك هذا المنشور