هذا فيلم يلعب فيه البيت كفضاء درامي متعدد التأويلات البطولة الجغرافية والشعورية!
فضاء لا ينتصر كليةً في النهاية ولا يخسر بالكامل، لكنه يظل موجودًا مثل سؤال معلق حول الذاكرة والهوية والارتباط الروحي المشبع بضوء سري يهمس للروح بالعودة ويغويها بالمكوث.
الفيلم المغربي «زنقة مالقة» من كتابة وإخراج مريم التوزاني (صاحبة فيلمي آدم وأزرق القفطان)، والمعروض ضمن المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي في دورته السادسة والأربعين، في عرضه الأول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هو فيلم عن صيغ المكان التي تبدو مكررة، لكننا لا نمل من التأكيد عليها. خاصة لو ارتبط المكان بشخصية مثل بطلة الفيلم العجوز – الإسبانية الرائعة كارمن ماورا.
زنقة مالقة هي مكان حقيقي – زنقة بالمغربية تعني حارة أو شارع صغير- موجود في المدينة العتيقة بطنجة المغربية، وهي المدينة التي سبق واستوطنتها عوائل ومجموعات إسبانية كثيرة هربًا من ظروف الحرب والاقتصاد على مدار عقود سابقة في القرن العشرين، ومن بعدها صاروا شبه مواطنين رغم أصولهم الأوروبية. ووُلدت لهم أجيال تتحدث الإسبانية؛ لكنها لا ترتبط سوى بالمغرب كوطن ومسقط رأس ومكان إقامة دائم.
من هؤلاء المولودين والمقيمين والمرتبطين روحًا وجسدًا بالمغرب وطنجة وزنقة مالقة؛ بطلة الفيلم العجوز التي تجد نفسها في مواجهة أزمة تخترق حياتها، حين تعود ابنتها من إسبانيا لتبلغها أنها تعتزم بيع ميراثها المتمثل في البيت لحاجتها للمال، وأن على الأم أن تغادر إما إلى بلد لا تعرفه – إسبانيا- أو تذهب للعيش في دار للعجزة!

تبدأ مريم حكاية بطلتها قبل الأزمة بقليل، تمنحنا جولة في البيت عبر حركة السيدة وعنايتها بكل تفاصيله التي تبدو وكأنها تكدس الزمن في كل ركن، ممثلاً في تاريخ نابض بالذوق والرقي والاندماج بين الساكن والمسكون.
تحكي مريم حكاية بطلتها بشكل خطي، لا فلاش باك ولا انتقالات زمنية تعود فيها إلى الماضي، وهي تفصيلة مهمة، لأن الماضي بالنسبة لبطلتها العجوز حاضر طوال الوقت. حاضر في البيت وتفاصيله، والصور التي تحتفظ بها، وعلب الإكسسوارات وأثاث البيت كالسفرة والنجفة الكريستال، وبالطبع الفونوغراف العتيق الذي تستمع إليه كل يوم، خاصة اسطوانتها المفضلة. إلى جانب تفصيلة مهمة، لا تخص الماضي فقط ولكن تخص التاريخ أيضًا، وهي «الهون النحاسي» القديم الذي تمنحه الأم لابنتها كي تحتفظ به بعيدًا عن الأشياء التي ستباع لإخلاء البيت، فتسأله الابنة
– ألم يكن هذا لجدتي؟
فترد الأم:
– لا بل كان لجدتي أنا.
في تأكيد على أن عائلتها تستوطن المدينة من أكثر من جيل، وأن وجودها هنا ليس استثناءً، ولا زيارة امتدت لكامل عمرها، بل هي أصول تجذرت وصار من الصعب انتزاعها من تربة الزنقة وساحل المدينة الساحرة.
الماضي أيضًا حاضر في حديث العجوز إلى ابنتها حول كل ما يخص ذكرياتها عن المكان والزنقة والمدينة، وحين تبدأ علاقتها تنمو بتاجر التحف الذي يشتري أثاث بيتها أثناء إخلائه، بعد إجبار ابنتها لها على ذلك. تشير للحبيب العجوز إلى القصبة – الحي القديم- وتقول أنها مولودة هناك.
تعرف المخرجة جيدًا كيف تتعامل مع حضور الماضي بشكل ناضج. وتدرك أن الفلاش باك لن ينقل هذا إلى الحاضر، بل سيلوث استغراق الشخصية في زمنها الخاص؛ الخليط بين ما فات بكل روعته، وما هو قائم بالفعل من علاقات مع المكان وأهل الزنقة من جيران وباعة وشباب.
بجانب شكل السرد الزمني في الفيلم، تحرص التوزاني على أن يكون الحكي كله بصوت واحد فقط، هو عين الأم؛ لا راوٍ عليم ولا أصوات سردية متعددة، كالابنة مثلًا، أو بائع التحف الذي يتحول إلى حبيب مؤثر. كما اختارت أن يكون الزمن خطي تراكميّ والماضي حاضر فيه طوال الوقت؛ اختارت أن تحكي الحكاية كلها من عين الأم كي تحدث التوحد المطلوب بينها وبين المتفرج، فهي صاحبة الأزمة الأكبر والأهم وهي – في اندماجها مع البيت- الواجهة الشعورية للمكان والقلب النابض له، وبالتالي لا يجب أن نبتعد عنها طوال زمن الأحداث. نلتصق بها ونعاني معها، ثم نترقب ونفرح ونحب، وأخيرًا نواجه سؤال المصير الأخير، وأي انفصال أو ابتعاد أو تداخل أصوات سردية لم يكن ليحقق هذا الغرض الدرامي بكامل ثقله وتأثيره.
يمكننا القول أن محافظة المخرجة على أن تكون عين الأم هي شباك السرد الوحيد، جعلت العديد من المفاجآت والتراكمات تبدو قوية ولافتة، مثل اكتشافها مثلًا أن السمسار الموكل ببيع الشقة يحضر صديقته كي يضاجعها في البيت على اعتبار أنه خالٍ ولم يبَعْ. أو عندما تكتشف أن حبيبها العجوز عاد إليها خصيصًا بعد أن ساعدها في استعادة الفونوغراف القديم، لكي يحضر لها اسطوانتها المفضلة التي نسياها عند البائع، وهي الاسطوانة التي تصبح مفجرًا حسيًّا لليلة الحب الأولى بين جسديهما العجوزين وروحيهما الشابتين الخفيفتين المفعمتين بالحياة والشغف.
تختار مريم من البداية مسارًا تقليديًا هادئًا، حيث تقبل العجوز إخلاء البيت تحت ضغط الابنة، وتذهب إلى بيت للعجزة. لكنها لا تطيق الحياة هناك فتهرب وتعود إلى البيت الخالي لتبدأ في رحلة شبه مستحيلة لاستعادة ما كان عليه قبل أن تحل عليها لعنة الإخلاء القسري.
هنا نتوقف أمام ملاحظة ربما تبدو عابرة، لكنها ملفتة ضمن أسئلة التلقي التي لا تتوقف أثناء عملية المشاهدة، دعنا من أن مريم التوزاني (المخرجة) لم تخبرنا من أين جاءت العجوز بالمال الذي استعادت به جزءًا من الأثاث في البداية، (18 ألف درهم)، قبل أن تبدأ مشروعها الصغير بتحويل صالة المنزل إلى مقهى شعبي لمشاهدة مباريات كرة القدم في الدوري الإسباني والتي يدمنها المغاربة. هذه تفصيلة ضمنية، فيمكن أن يكون للمال أكثر من سبب أبسطهم أن هذا نصيبها من بيع البيت أو الأثاث.

ولكن حين تبدأ العجوز بالتفاعل العميق والجاد بينها وبين أهل الزنقة خاصة صاحب البقالة والشاب العاطل الذي يساعدها على استقدام الزبائن، وصولًا إلى رجال الشرطة الذين يكبسون على البيت، بإيعاز من صاحب المقهى المجاور الذي تعطل حاله بسبب ازدحام منزل العجوز بالمشاهدين بتكلفة أقل واستمتاع أكبر. نقول حين يبدأ التفاعل نكتشف أننا لم نسمع سوى كلمات عربية قليلة جدًا على لسان الجميع؛ الجيران، أهل الشارع، بائع التحف العجوز، حتى الشاب العاطل؛ فما هذا؟ لماذا يتحدث الكل الإسبانية هكذا بطلاقة! هل هو جزء من النسيج اللغوي للمجتمع في هذه الأحياء! رغم غرابته، طيب ألم تسأل المخرجة نفسها أنه حتى لو أن هذا هو الواقع فإنه بلا شك يحتاج إلى تفسير اجتماعي للمتفرج الإقليمي أو الدولي؟
ثم إن هذه السيدة التي تعيش خليطًا من الماضي والحاضر وتؤكد على تجذرها التاريخي في المدينة والزنقة، لماذا لا تتحدث اللهجة الدارجة أو حتى العربية المتكسرة؟ ما هو مبرر أن تولد في القصبة وتتزوج في زنقة مالقة ولا تعرف من العربية شيئًا حتى ولو بالسمع.
هذا الاختيار غير الموفق الخاص بالحوار أوجد حاجزًا لغويًا غير طيب بين الشخصية والمتلقي، وبين الأحداث وتقبلها الكامل، فالسيدة التي تدعي أنها يمكن أن تموت لو غادرت الزنقة لا تتحدث لغة أهلها، وأهل الزنقة نفسهم يتحدثون بلغة المحتل أو لنقل على أبسط تقدير لغة الضيف. فكيف لنا أن نتوحد مع أزمة البطلة كليةً في علاقتها بالمكان والناس، وهي التي مضى عليها أكثر من سبعين عامًا ولا تزال لا تعرف لغة أهل الوطن الذي ولدت فيه.
مع التأثير الجميل الذي صنعه توجيه مريم للإسبانية لكارمن ماورا، لا يمكن إغفال حلاوة اختيار السينمائي المغربي المخضرم أحمد بولان في دور تاجر التحف العجوز الذي يقع في حب السيدة كأنه شاب في العشرين يعيش أول قصة عشق في حياته. بولان الذي عرفه الجمهور المغربي والعربي مخرجًا منذ سنوات، يعيد اكتشاف نفسه هنا كممثل متين الجاذبية، بصوته الرخيم الذي تشوبه خشونة الزمن، وقامته الفارعة وذقنه التي تعكس حكمة السنين وآلامها.
تتدرج علاقة التاجر بالعجوز مظهرةً في البداية جانبًا سخيفًا في كونه مجرد مشترٍ مستغل لحاجة الابنة أن تخلي المنزل، يبخس ثمن الأثاث الغالي على العجوز المطرودة، ثم يغالي في المبلغ المطلوب لاستعادته. يبدو خلال مشاهده الأولى أقرب لضيف شرف مغربي سوف يغادر بعد قليل. لكنه فجأة وبخفة درامية رشيقة يتسرب إلى حياة السيدة وإلى وخيال المتفرج، ثم بمجرد أن تندمج الشخصيات في الحديث الملون بطبقات خفية تتشكل، ندرك أننا أمام قصة حب في طور التبرعم، وأن ما ينتظرنا أكثر من مجرد علاقة صداقة بين عجوزين بدأت باحتكاك سخيف، إلى أن نصل لذروة اللقاء الساحر بينهما حين لا يقرران أن يمارسا الحب ولكنهم يفعلانه بشكل فطري كأنهم أول – أو آخر – بشريين على الأرض.
هنا أيضًا نشير إلى ملاحظة أخرى تخص تكرار مشاهد الجنس بين العجوزين، كان المشهد الأول شفافًا ناعمًا في تعاطيه البصري، وحالة الممثلين الجسدية التي جعلتنا نراهما كشابين رائعين رغم تغضن الجسم وملامح القدم على الجلد والمسام. لكن وخلال تطور العلاقة، وبدلًا من الاحتفاظ بذكرى هذا المشهد لكي تتكرر عبر الإشارات أو التكرار الضمني، أفردت المخرجة زمنًا سرديًا لتكرار اللقاءات الجسدية بينهما، والتي تحولت مع التأكيد والتفاصيل والتركيز على الأداءات تعبيرًا عن إشباع جنسي بعد حرمان طويل – بحكم العمر والظروف- وليس ممارسة شفافة للحب بين روحين أو نفسين كانا على وشك الانهيار أو الاستسلام للتلاشي والغياب.
لم يكن تكرار المشاهد في صالح الحكاية ولا الفرضية ولا العلاقة بالمكان ولا حتى أداء الممثلين. صحيح أن الجرأة كانت صادمة من البداية حين طالعتنا الأجساد العجوزة وهي تنبض بالشهوة والمشاعر، لكن الغلاف الروحي الشفاف سقط عن المشاهد التالية التي أمسكت الحسية المربكة بزمامها، وأفقدتنا أثر اللمسة الشعرية للقاء الجسدي الأول بين العاشقين العجوزين.

تبقى الإشارة إلى أن نهاية الفيلم المفتوحة حين تعود الابنة فتجد الأم وقد استعادت البيت نفسيًا وشعوريًا، بل وأعادت الأثاث والنجفة والفونوغراف وفوقهم حبيب جديد في شتاء الفصل الأخير من العمر، حين تعود الابنة يصبح الخيار حادًا كشفرة ملتهبة لن تفتر قبل أن تمس رقبة أحدهم؛ إما الأم التي تنظر من شباك غرفتها إلى ليل المدينة الغامض وهي لا تدري ما سوف يحمله لها الصبح أو الابنة التي تمزقها الحاجة إلى المال، في مقابل علاقتها هي نفسها بالبيت، كما نرى وهي تتحسس الكرسي الهزاز الخاص بأمها – قطعتها المفضلة في البيت- وكأنها تدرك حجم عذاب الأم وعذابها إذا ما أصرت على الإخلاء والبيع، فعلاقتها بالبيت لا تقل عمقًا عن علاقتها بأمها؛ لكن ظروفها الضاغطة تجعلها كافرة بكل هذه المعطيات الشعورية والروحية في مقابل حاجتها للمال من أجل أن تسد رمق حياتها التي تحمل في قفتها أبناء بلا زوج أو عائل.
تمثل النهايات المفتوحة عادةً سؤالًا طويلًا يشبك في عقل المتلقي ليحمله معه خارج الشاشة، وهي غواية سردية قلما يفلت صانع أفلام من فخاخها البراقة، لأنها تجعل الزمن يظل متدفقًا والاحتمالات عديدة، على سبيل المثال من الممكن أن نفاجأ بالحبيب العجوز يشتري البيت ويهديه لحبيبته ويعيشان فيه وكأن صاحب البلد يؤكد على حسن الوفادة التي استمرت لعقود وأجيال، أو يمكن أن تتخلى الابنة عن إلحاحها القاسي وتترك الأم والبيت لشأنهما العاطفي والنفسي لتبحث عن حلول في البلد الذي تقيم فيه.
هكذا تقرر التوزاني أن تترك الشباك السردي مفتوحًا على كل الاحتمالات- كما الأم في وقفتها أمام شباك غرفتها- تنظر إلى ما لا تعرف ولا نعرف لكنه قادم أيًا كانت فرحته أو مذبحته.
فيلم «زنقة مالقة» تجربة شعورية حانية وخفيفة الروح والوطأة، رغم عمق تأثيرها وبساطة حكايتها. لكنها بلا شك حكاية تستحق أن تروى رغم تكرارها، ورحلة ملهمة بالأسئلة عن علاقتنا بمكونات الماضي وماهية الذاكرة وطعم الأماكن والبيوت.
اقرأ أيضا: «الأشياء التي تقتلها»… العنف الأبوي كلعنة سيزيفية