فاصلة

مراجعات

«شكوى رقم 713317»… ثلاجة وزوجان ونظام لا يسمع

Reading Time: 4 minutes

في تجربته الروائية الطويلة الأولى «شكوى رقم 713317» المشارك ضمن عروض «آفاق السينما العربية» بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بدورته الـ46، يأخذنا المخرج المصري ياسر شفيعي في رحلة تفكيك للحالة النفسية لرجل يشعر بأن حياته توقفت عند لحظة واحدة: لحظة تعطل الثلاجة. كأن هذا الجهاز المنزلي البسيط يتحوّل إلى استعارة لاختلال داخلي أعمق… ثلاجة لا تبرد، وذات لا تهدأ.

هنا يكشف المخرج عن بطل يعيش تآكلًا نفسيًا بطيئًا، حيث يتحوّل الشيء المادي إلى مركز ثقل عاطفي يجرّه إلى أحداث متتابعة وتصاعد هادئ في انفعالات الشخصية التي يجسدها محمود حميدة، الزوج المتقاعد الذي أثقلته هموم الحياة هو وزوجته، أمام «الثلاجة» رمز الفيلم ومحوره. 

الثلاجة… الشخصية الرئيسية

استخدام الثلاجة كعنصر سردي رئيسي ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو محور الحكاية والشرارة التي تُفتح عندها باب الشكوى. تدور حولها كل لقطات التصوير وحركة الكاميرا الثابتة، مع فريمات واسعة تتيح لنا رؤية المشهد كاملًا، وتكشف طبقات متعددة من الرسائل تحت غطاء كوميديا سوداء صامتة؛ حيث يسود الحوار بالنظرات وحدها، نظرات كافية لفهم مأساة الموقف والضحك من سخرية النظام البيروقراطي.

أما محمود حميدة، الذي جسّد دور الزوج، وشيرين التي قدّمت شخصية الزوجة، فيبدوان كأنهما «الشخصية الثانية» في الفيلم: حضور جامد وصامت، لكنه الأكثر تأثيرًا في مزاجهما وتوازن أيامهما.

الشخصيات المحيطة بهما ليست ثانوية، بل رمزية؛ فكل شخصية تمثّل رمزًا محددًا جرى توظيفه في كتابة الفيلم بذكاء لا يُدرك من البداية، لكن مع كل مشهد يتكشف عمق الرسالة من بساطة الصورة. الموظفة الهادئة حدّ اللامبالاة، التي أدّتها القديرة إنعام سالوسة، تجسّد قوة النظام البطيء: نظام لا يرفضك ولا يساعدك. أما الموظفة التي تكرر الجملة نفسها طوال الوقت، فهي تجسيد للغة الرسمية الخالية من أي حس إنساني. والزوج الواقف على خطّ الانتظار يمثّل المواطن الذي تأقلم مع العبث حتى صار جزءًا منه. وحتى عامل الصيانة الذي يصل متأخرًا، فهو استعارة للأمل الذي يحضر دائمًا بعد فوات الأوان. هكذا يُبنى مجتمع كامل داخل المشاهد… مجتمع يتعامل مع الأعطال أكثر مما يتعامل مع البشر.

شكوى رقم 713317 (2025)
شكوى رقم 713317 (2025)

اللوكيشن الواحد وذكاء التوظيف الإخراجي

 واحدة من أكثر اختيارات الفيلم ذكاءً اعتماده الكامل على لوكيشن واحد: شقّة صغيرة لا نرى خارج جدرانها أي عالَم آخر. هذا القيد المكاني لم يكن نقطة ضعف، بل تحوّل إلى أداة سردية متقدمة. ينجح المخرج في تحويل المساحة الضيقة إلى عالم واسع من التفاصيل النفسية والاجتماعية، وكأن الشقة تمتد بعمقها أكثر مما تمتد بمساحتها. الإضاءة، حركة الكاميرا، توزيع العناصر داخل الكادر… كلها أدوات تُستثمر لخلق عالم داخلي مضغوط لكنه غني، يُشعر المشاهد بأن البيت نسخة مصغّرة من النظام الأكبر الذي يحاصر البطل.

هذا الاختيار يعكس قدرة المخرج على استخراج أكبر طاقة بصرية من أقل إمكانيات إنتاجية، وهو ما يمنح الفيلم شكلاً مثاليًا للعروض المهرجانية. فالمساحة الواحدة تُبرز مهارته في التحكم بالإيقاع، وبناء التوتر، وتحويل التفاصيل اليومية إلى مادة درامية مكتملة. وبهذا يصبح الفيلم نموذجًا لعمل يستطيع أن يحوّل بيتًا عاديًا إلى ملف نفسي واجتماعي متكامل، ويثبت أن الذكاء الإخراجي لا يقوم على تعدد المواقع… بل على عمق الرؤية.

شكوى رقم 713317
شكوى رقم 713317 (2025)

الترددات التي تكشف ما لا يُقال

 يلعب الصوت في الفيلم دورًا محوريًا لا يقل أهمية عن الصورة. يرتفع في لحظات محددة ليكشف الاضطراب الداخلي الذي يخفيه البطل خلف هدوئه الظاهري. الأصوات اليومية التي نعتبرها عابرة: طنين الثلاجة المتوقفة، تنفّس البطل الخافت، حركة الموظف البطيئة، صوت الفراغ بعد انقطاع الكهرباء، تصبح أدوات تُظهر حجم التوتر المتصاعد. ومع كل لحظة يشتد فيها الانهيار النفسي، تتغير طبقة الصوت، وكأن الفيلم يترجم ما لا يقوله الممثل علنًا.

الأذكى أن التصميم الصوتي لا يقدّم ضجيجًا مفتعلاً، بل يصنع «ضجيج الداخل»: أصوات تتضخّم عند ازدياد القلق، وتنخفض حين يستسلم البطل للانتظار. هذا التلاعب بين الصمت والامتلاء السمعي يجعل البيت يبدو أوسع من مساحته، ويحوّل اللحظات العادية إلى مشاهد محمّلة باهتزاز داخلي. وبهذا الأسلوب يصبح الصوت مرآة بصرية ونفسية في الوقت نفسه، ويُثبت أن الفيلم -حتى داخل شقة واحدة- قادر على خلق عالم سمعي معقّد يعكس حالة الزوجين والشخصيات المحيطة بهما، وهي شخصيات تبحث عن إصلاح شيء أعمق أو محاولة إثبات ما لا يُقال… بينما كل ما بداخلها أكبر وأبعد من مشكلة عطل الثلاجة.

شكوى رقم 713317 (2025)
شكوى رقم 713317 (2025)

لحظة الانهيار الهادئ
سيكولوجيًا، يلتقط الفيلم لحظة الانهيار الهادئ: البطل لا يصرخ، ولا يعترض، لكنه يذوب تدريجيًا داخل فكرة أن أبسط الأشياء في حياته توقفت عن العمل. وهنا تظهر الكوميديا السوداء، لا في الموقف ذاته، بل في المفارقة: كيف يمكن لثلاجة لا تعمل أن تهز استقرار إنسان أكثر من أي كارثة؟

نجاح الفيلم لا يقوم على الحدث، بل على قدرته على كشف تفاصيل الشخصية حين تُحاصر بين عطب منزلي بسيط ونظام لا يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها. كل عنصر يُستخدم بذكاء: الصورة، الصوت، المكان، العلاقات، وحتى الثغرات الصغيرة في يوميات الشخصيات المحيطة. وهكذا يتحول الفيلم إلى مرآة لمجتمع كامل.

ومع تصاعد الأحداث، تتحول الشكوى من ورقة رسمية إلى محاولة يائسة لإصلاح الوضع. فالبطل لا يبحث عن تصليح الثلاجة فقط، بل عن تصليح حياته التي تعطّلت معها. وفي النهاية -وبعد مشاهدة الفيلم- يبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت الشكوى محاولة لإصلاح ثلاجة لا تعمل… أم محاولة لإصلاح شيء داخلي لم يعد يحتمل المزيد؟

اقرأ أيضا: «شكوى رقم 713317» ويوتوبيا الحرية المُتوهَّمة

شارك هذا المنشور