فاصلة

مراجعات

«فلانة»… سينما تبحث في الظل

Reading Time: 3 minutes

هناك أفلام تقترب منك دون أن تطلب الإذن.. أفلام تشعر أنها خرجت من حياة عاشها أحدهم بكامل هشاشته، من بيت يعرف كيف يغلق على نفسه ويُحافظ على صمته، من ذاكرة لم تكن راغبة في أن تُستعاد أصلًا. «فلانة» واحد من هذه الأفلام؛ فيلم يأتي كمن يحاول الإمساك بأثر الغياب ذاته، بظله الطويل الذي يظل يطرق الباب حتى بعد عشرين عامًا.

يتخلى «فلانة» منذ اللحظة الأولى عن المألوف في الوثائقي، متموضعًا في منطقة أكثر التباسًا؛ لمساحة يعمل فيها السينمائي على ما لا يرى، وعلى ما يبقى بعد أن يتبدد كل ما يمكن سرده أو تثبيته. يطارد الفيلم هنا أثرًا لمعنى يتحرك في الذاكرة، كشيء حي لم يكتمل بعد، معنى يسكن أشخاصًا لم يتعلموا… أو ربما لم يتح لهم.. أن يضعوا خسارتهم في كلمات، فيلجأ الفيلم إلى الإصغاء لهم عبر ما يتفلت منهم.. صمت أو جملة ناقصة تحمل من ثقل ما فُقد أكثر مما تحتمل.

فيلم فلانة (2025)
فيلم فلانة (2025)

فيلم «فلانة» هو رحلة بحث شخصية تعود فيها المخرجة زهراء غندور إلى اختفاء صديقتها نور حين كانتا في سن العاشرة. تبدأ غندور تحقيقها من المكان الأول.. بيت خالتها حياة، القابلة التي شهدت لحظة الاختفاء وعاشت عقود من قصص الفتيات اللواتي يتبخرن من حياتهن بلا أثر. داخل هذا الفضاء المنزلي تتقاطع الذاكرة مع الواقع، ويظهر الغياب كخيط يمتد عبر وجوه النساء وصمت البيوت وصور الماضي التي لا تزال معلقة في أماكنها.

ومع تقدم البحث، تتسع الدائرة لتشمل شهادات نساء أخريات عشن تجارب مشابهة، فتتحول الحكاية من سؤال فردي «ماذا حدث لنور؟» إلى محاولة لفهم أعمق لذلك المجهول الذي يلتف حول عنوان الفيلم «فلانة»، بكل ما يحمله من إيحاء بالمرأة التي تزاح من الحكاية وتترك على الهامش.

فيلم فلانة (2025)
فيلم فلانة (2025)

هناك حذر محسوب عند زهراء غندور وهي تدخل هذا العالم؛ عين تراقب دون أن تتدخل، وبوصلة إخراجية واعية بحدود الصورة وبما يمكن أن تفعله وما يجب أن تتوقف عنده.. وهو نوع من الحس الذي لا يأتي من الرغبة في الإبهار، بقدر المعرفة القريبة بالمكان والناس، وهي معرفة تشعر المشاهد بأن ما يراه ليس بالمصطنع ولا بالمعاد ترتيبه، وفي هذا الإطار تحديدًا يكتسب الفيلم قوته.. من خلال الإحساس بأن هذه القصص حدثت وربما لا تزال تحدث آلاف المرات. وأن الغياب هو جزء من بنية اجتماعية تستوعب الفقد وتتعلم أن تحيا معه لتستمر.

إن أبرز ما يميز غندور في هذا الفيلم هو قدرتها على التقاط اللحظة وهي تتشكل.. متى تمسك اللقطة، ومتى تتركها تنفلت، ومتى يكون القطع ضرورة..  فالـ jump cut هنا على سبيل المثال هو استجابة حسية لإيقاع ينشأ من داخل الشخصيات نفسها. أن تعرف متى تتراجع لتسمح للحياة بأن تأخذ شكلها الطبيعي.

فيلم فلانة (2025)
فيلم فلانة (2025)

وهذا واضح في أحد أجمل مشاهد الفيلم.. عند ذلك المشهد البسيط؛ المولّدة، وهي تتأمل صورها القديمة. ما الذي حدث هناك؟ لا شيء تقريبًا. لكنها لحظة تهزّ القلب.. فاليد تنبسط على الورق، والنظرة تتغير، والذاكرة تتحرك أمامنا كالشعلة.. وهي لحظة فيها من الفرح، ومن الخسارة، ومن الفهم البسيط لشيء لا يمكن وضعه في كلمات.

فيلم فلانة (2025)
فيلم فلانة (2025)

إلا أن الفيلم يواجه أكثر لحظاته ارتباكا عند النهاية. لمشهد ختامي يأتي بإحساس الإقفال لا الامتداد، وكأنه يهبط على العمل ليمنحه شكلًا مكتملًا لا يحتاجه أصلًا. هذا الطابع الاحتفالي الذي يشبه إسدال الستار يضع مسافة غير ضرورية بين الفيلم ومادته، لأن «فلانة» كان أكثر قوة حين ترك الحكاية مفتوحة، تسير على إيقاعها الخاص. ورغم هذا العثر، يبقى جوهر الفيلم حاضرًا… صدق في النظر إلى الفقد، ووعي بأن الأثر أهم من الحدث. فالفيلم يتتبع غياب صغير يشير إلى منظومة كاملة تهمّش فيها الفتيات وتترك حكاياتهن معلقة، وزهراء غندور بقربها من هذا العالم؛ تمنح الموضوع حساسيته دون أن تثقله بالشرح أو الخطاب.

وبكل ما فيه، يظل «فلانة» عمل يقول إن السينما، حين تصغي حقًا، يمكنها أن تمنح الكلام لما يترك عادة في الظل. وفيلم أول يملك هذا القدر من الإحساس يكفي ليجعل ما يأتي بعده موضع ترقب حقيقي.

اقرأ أيضا: «Do You Love Me» أو كيف تحولت السينما إلى متحفنا الكبير

شارك هذا المنشور