قال نيكلاس إنغستروم، المدير الفني لمهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية، إن التحضير لكل دورة من المهرجان يبدأ مباشرة بعد انتهاء الدورة السابقة، موضحاً أن الأشهر الأولى بعد المهرجان تُخصّص لترتيب الحسابات وإنهاء الأمور الإدارية، ثم يبدأ الفريق العمل على تأمين التمويل اللازم للدورة الجديدة، وهو ما يعدّ من أهم مراحل الإعداد، نظرًا لاعتماد المهرجان الكبير على الدعم والشراكات لضمان استمرار فعالياته بالمستوى المطلوب.
وأضاف في حوار مع «فاصلة» أن فريق المهرجان في هذه المرحلة من العام يكون منغمسًا بشكل مكثف في مشاهدة الأفلام الجديدة، مشيرًا إلى أنه يسافر كثيرًا في هذا الوقت من السنة لحضور عروض مختلفة حول العالم بحثًا عن الأفلام الجديرة بالمشاركة، ومؤخرًا كان في فيينا لمتابعة أحدث الوثائقيات النمساوية، وأنه بعد ذلك جاء إلى وجهات أخرى لاستكمال مشاهداته، مؤكدًا أن الفريق يعمل الآن على مشاهدة مئات وربما آلاف الأفلام ضمن عملية الانتقاء الأولية.
وأشار إلى أن الدورة السابقة شهدت تقديم نحو ثلاثة آلاف فيلم للمشاركة في المهرجان، بينما لا يُعرض منها سوى نحو مئتين فقط، ما يجعل عملية الاختيار شديدة الصعوبة وتتطلب عملًا جماعيًا
ضخمًا، مشيرًا إلى إن الفريق لا يختار الأفلام بشكل عشوائي، بل يعمل وفق رؤية واضحة تتعلق بالموضوعات التي يود المهرجان تسليط الضوء عليها في كل عام، وهو ما يرتبط دائمًا بالأحداث الجارية في العالم وبطبيعة الأفلام المنتجة في تلك الفترة.
وأوضح إنغستروم أن المهرجان في مراحله الحالية يدرس تحديد الموضوعات العامة التي ستشكّل الإطار الرئيسي للدورة المقبلة، لكنه أكد أن تلك القرارات لم تُحسم بعد، لافتا إلى وجود مشروع كبير أطلقه المهرجان قبل أربع سنوات يُعرف باسم DOX Denmark، يهدف إلى توسيع نطاق المهرجان ليصل إلى كل أنحاء الدنمارك وليس فقط العاصمة كوبنهاغن.

وقال إن المشروع يقوم على تنظيم مهرجانات مصغّرة في البلديات المختلفة، مشيراً إلى أن الدنمارك تضم ما يقرب من مئة بلدية، وأن طموحهم هو الوصول إلى أكثر من نصفها، معبرًا عن فخره بأنهم تمكنوا العام الماضي من إقامة فعاليات في أكثر من خمسين بلدية، ويأملون هذا العام في الوصول إلى ستين.
وأضاف أن هذا المشروع مهم جدًا بالنسبة له شخصيًا، لأنه يرى أن المهرجانات السينمائية تتركز عادة في المدن الكبرى، مما يجعل الجمهور في القرى والمناطق الصغيرة محرومًا من تجربة السينما الوثائقية، مؤكدًا أن هدفه أن يتمكن جميع سكان الدنمارك من حضور فعاليات المهرجان ومشاهدة الأفلام، سواء من خلال العروض المحلية أو عبر النسخة الإلكترونية التي أطلقوها لتتيح للناس مشاهدة الأفلام من منازلهم، خصوصًا لأولئك الذين لا يستطيعون الحضور لأسباب صحية أو لوجستية.
وتحدث إنغستروم بعد ذلك عن آلية اختيار الأفلام المشاركة، موضحًا أن هناك المسابقة الرئيسية التي تُعرض فيها أفضل الأفلام التي يتم اختيارها لتُعرض للمرة الأولى، وجميع مسابقات المهرجان تعتمد بشكل كبير على عروض الأفلام الأولى، لذا فإن نحو نصف الأفلام المعروضة تكون ضمن مسابقات رسمية وتُعرض لأول مرة عالميًا.
وذكر أن هناك أيضًا مسابقة «الرؤى الجديدة» التي تركز على الأفلام الفنية والتجريبية، وجائزة «FACT» المخصصة للأفلام الصحفية أو الاستقصائية، إلى جانب مسابقة للأفلام الإسكندنافية، وأخرى للمخرجين الذين يقدمون أعمالهم الأولى، وكذلك مسابقة لحقوق الإنسان. وأوضح أن كل مسابقة من هذه المسابقات تتبع معايير موضوعية معينة، مما يساعد لجنة البرمجة على تصفية الكمّ الهائل من الأعمال المقدمة.

وأشار إلى أن هناك أقسامًا خارج المنافسة، منها قسم للأفلام الموسيقية، وآخر مخصص للأفلام السياسية التي تتناول القضايا الراهنة حول العالم، إضافة إلى قسم للأفلام التي تعود إلى الخلفية التاريخية للأحداث الجارية اليوم، لافتًا إلى أن هناك أقسامًا أخرى مؤقتة يتم إنشاؤها كل عام لتسليط الضوء على موضوع جديد أو قضية محددة، إلى جانب قسم «الأفضل في المهرجانات» الذي يعرض أبرز الأفلام الفائزة حول العالم.
وبيّن إنغستروم أن هذا التنوع في الأقسام يجعل عملية الاختيار أكثر وضوحًا وسهولة، لأن وجود المعايير الموضوعية والموضوعية الفنية يتيح للفريق تصنيف كل فيلم في الفئة الأنسب له، مؤكداً أن الفريق يضع مجموعة من المعايير العامة لاختيار الأفلام، منها الجرأة الفنية، والأهمية الاجتماعية، وجودة الإنتاج، بالإضافة إلى مبدأ التنوع الذي يعدّ عنصرًا محوريًا في فلسفة المهرجان.
وأوضح أن مفهوم التنوع لديهم لا يقتصر على تنوع الموضوعات فقط، بل يشمل أيضًا تنوع وجهات النظر والمناطق الجغرافية، بحيث يسعى المهرجان لعرض قصص من مختلف أنحاء العالم ومن زوايا متعددة، ليعكس واقع البشرية بتنوعها الثقافي والسياسي والاجتماعي.
وأضاف أن هناك قسمًا مهمًا آخر في المهرجان يركّز على العلوم، مؤكدًا أن «كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» من أكثر المهرجانات العالمية اهتمامًا بالأفلام العلمية، وأنهم يفخرون بكونهم من القلائل الذين يتعاملون مع العلوم كموضوع أساسي للأفلام الوثائقية، وليس كمجرد عنصر ثانوي.
وبيّن أن دور المهرجان يجمع المنتجين والممولين وصنّاع الأفلام من مختلف الدول من خلال المنتدى الذي يقيمه ويختار نحو ثلاثين مشروعًا من بين حوالي سبعمئة مشروع يتقدمون سنويًا، وهي عملية انتقائية دقيقة جدًا، مشيرًا إلى أن المشاريع المختارة عادة تكون قد حصلت على دعم مبدئي أو تمويل أولي، لأن الهدف هو مساعدة المشاريع التي لديها فرص حقيقية في الوصول إلى مرحلة الإنتاج.
اقرأ أيضا: ريتشارد بينيا: غياب المقالات النقدية الطويلة أضعف الحوار السينمائي الحديث