فاصلة

أخبار وتقارير

ريتشارد بينيا: حين يقلّ الذهاب إلى السينما نفقد لحظة الاجتماع الإنساني حول الحكاية

Reading Time: 5 minutes

في يومٍ ختامي حفل بالحوارات وتبادل الرؤى، التقت خبرات الشرق بالغرب في الرياض ضمن فعاليات مؤتمر النقد السينمائي الدولي في نسخته الثالثة. وكان خير ختاك لفعاليات المؤتمر ماستر كلاس سينمائي قدّمه الناقد والمبرمج الأمريكي البارز ريتشارد بينيا، أستاذ الدراسات السينمائية بجامعة كولومبيا ومدير مهرجان نيويورك السينمائي السابق. 

استعرض بينيا خلال الجلسة التي أدارها أحمد شوقي، رئيس الاتحاد الدولي للنقاد- رحلته الطويلة مع المهرجانات، متأملًا السينما بوصفها فنًا وثقافة وذاكرة إنسانية حيّة. وامتد الحوار متنقلاً بين محاور عدة، تنوعت بين علاقة بينيا بالسينما العالمية، ورؤيته للتحولات الجارية في المشهد السينمائي، وصولًا إلى تأملاته في مستقبل الفن السابع.

Rome, Open City (1945)
Rome, Open City (1945)

روما.. مدينة واحدة وزوايا كثيرة”

استهل ريتشارد بينيا حديثه من المحور الرئيس لمؤتمر النقد لهذا العام “المكان في السينما”، معتبرًا أن المدينة في السينما ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كائن حيّ يتبدّل عبر الزمن والمخرجين، ويتنفس بذاكرة سكانه وصوره المتراكمة. 

ضرب مثالًا بمدينة روما التي شكّلت عبر عقود مرآةً لتحولات السينما الإيطالية نفسها؛ إذ صوّرها روبرتو روسيليني في فيلمه الشهير «روما، مدينة مفتوحة Rome, Open City» كمدينة تمزقها الحرب وتبحث عن الخلاص، بينما قدّمها فيتوريو دي سيكا في «سارقو الدراجة -Bicycle Thieves» مدينةً للفقر واليأس الإنساني. ومع مايكل أنجلو أنطونيوني تحوّلت روما إلى فضاء للاغتراب والوحدة، قبل أن يعيد فيديريكو فيليني تشكيلها حلمًا وذاكرةً، مدينة تُرى بعيون الطفولة والحنين، حيث تختلط الحقيقة بالخيال والواقع بالأسطورة.

وانطلاقًا من هذا البعد الإنساني للمكان، انتقل بينيا إلى الحديث عن المخرج الألماني فيم فيندرز، الذي رأى فيه مثالًا على المخرج الذي «يصنع مدنًا متعددة تحمل بصمة واحدة». فمن برلين إلى طوكيو، ومن لشبونة إلى نيويورك، تظل المدن في أفلام فيندرز حاملة لفلسفات مختلفة؛ لكنها تشترك جميعها في كونها فضاءاتٍ تأملية للوجود، تكشف عن الإنسان وهو يعبر الحدود الجغرافية نحو معنى أعمق للحرية والبحث عن الذات.

ريتشارد بينيا: حين يقلّ الذهاب إلى السينما نفقد لحظة الاجتماع الإنساني حول الحكاية
Bicycle Thieves (1948)

توقف بينيا عند فكرة الحنين (Nostalgia)، معتبرًا أن كل فيلم يتحوّل بمرور الزمن إلى وثيقة حنين، خصوصًا الأفلام الوثائقية.

قال: «حين نشاهد فيلمًا وثائقيًا بعد عشر سنوات، نراه بعين مختلفة. ليس فقط كقصة؛ بل كنافذة على الماضي، على الشوارع والوجوه التي لم تعد كما كانت».

وحول إعداده للمقابلات التي يجريها مع مخرجي السينما، أكد بينيا أنه لا يضع خطة مسبقة صارمة للمحاورة، موضحًا: «أحاول ألا أستعد كثيرًا. أذهب ببعض الأسئلة، لكن الأهم أن أستمع. إذا أصغيت حقًا لما يقوله المخرج، سيسير الحوار وحده في الاتجاه الصحيح». وأضاف أن التحضير الحقيقي يأتي من مشاهدة الأفلام بعمق لا من قراءة المقابلات: «العلاقة تبدأ من الشاشة، من الاكتشاف الأول، من الدهشة التي تجعلك تقرأ وتبحث أكثر».

ريتشارد بينيا
ريتشارد بينيا

سنوات مهرجان نيويورك السينمائي

مهرجان نيويورك السينمائي، هو أحد أهم محطات بينيا المهنية، حيث تولى إدارته بين عامي 1988 و2012. وعنه قال بينيا إنه سعى دائمًا إلى أن يكون المهرجان «صورة بانورامية دقيقة للسينما في لحظتها الراهنة».

وأوضح: «كنا نختار 25 إلى 28 فيلمًا فقط في القائمة الرئيسية، وهذا منحنا القدرة على التركيز، على صنع هوية واضحة. لم نلاحق فكرة عرض كل شيء». وأوضح أن نيويورك، بخلاف كان وبرلين، مهرجان للجمهور أولاً لا للصناعة، وأنه خلال عمله حرص على جعل المهرجان أكثر انفتاحًا جغرافيًا، فعرّف الجمهور الأمريكي على أسماء مثل بيدرو إلمودوفار وويس أندرسون.

واستعاد بينيا ذكرى مؤثرة عن عرض فيلم «رشمورRushmore » لوِيس أندرسون، قائلًا: «ديزني كانت تنوي طرحه مباشرة على الفيديو، لكننا شاهدناه في لجنة الاختيار وأحببناه، فدعونا الفيلم إلى المهرجان. في العرض، جلس رئيس ديزني في الشرفة يهمس لي: هذا الفيلم ينجح فعلًا. الجمهور ضحك وتفاعل بقوة. بعد المهرجان تغيّر كل شيء لويِس أندرسون».

ريتشارد بينيا
Rushmore (1998)

أسوأ ليلة في المهرجان!

استعاد بينيا أيضًا في الماستر كلاس ذكرى أصعب تجربة عاشها في المهرجان، حين افتتحت إحدى دوراته بفيلم تعرّض لهجوم قاسٍ من الناقد فنسنت كانبي في نيويورك تايمز. 

يقول بينيا: «كان المقال شديد القسوة إلى درجة أن الجمهور دخل العرض وهو مقتنع أن الفيلم سيئ. بعد عشرين دقيقة بدأ الناس يغادرون القاعة، وبقي 500 شخص فقط من أصل 2700. كانت كارثة. لكن اليوم يُعتبر الفيلم أحد أفضل أعمال الأخوين كوين. الزمن أنصفه». 

لم يسم بينيا الفيلم صراحة لكن فاصلة بحثت ووجدت أن الفيلم المعني هو “تقاطع ميلر Miller’s Crossing” للأخوين كوين.

ريتشارد بينيا
Miller’s Crossing (1990)

السينما.. عابرة للحدود

انتقل بينيا إلى مناقشة تحولات الهوية في السينما المعاصرة، التي وصفها بأنها باتت متصلة ومتقاطعة مع بعضها البعض، موضحًا: «في الماضي كنا نتحدث عن السينما البرازيلية أو الصينية بوصفها جزءًا من الإرث الوطني (للدولة المعنية). اليوم، ومع الإنتاج المشترك، أصبح الفيلم كائنًا عابرًا للثقافات. لم نعد نتحدث عن سينما وطنية، بل عن أصوات عالمية تتقاطع».

 السينما العربية من وجهة نظر بينيا

كان للناقد والمبرمج الشهير وجهة نظر في الأفلام العربية أيضًا، فهو مشاهد جيد لها، وعن رأيه فيها قال: «يوسف شاهين مخرج استثنائي. أعماله تستحق الاحتفاء في كل مكان».

كما أعتبر بينيا محمد ملص من سوريا أحد الأصوات الأصيلة في السينما العربية. أما تونس فوصفها بأنها تعيش مرحلة مزدهرة في تاريخها السينمائي والفني، وكذلك فلسطين التي قال إنها تملك سينما حيوية ومؤثرة، خصوصًا مع جيل آن ماري جاسر وساندي زعبي، معلقًا: «بعضهن درس في جامعة كولومبيا، وهذا مصدر فخر لي»، حيث يشغل فيها منصب أستاذ الممارسة المهنية في كلية الفنون.

ومن السينما العربية تطرق أيضًا للأعمال الآسيوية، قائلًا: «لا يمكن اليوم تخيّل فيلم جريمة أو حركة دون تأثير هونغ كونغ، إيقاع المونتاج وطاقة الحركة خرجت من هناك». لافتًا إلى أن المخرج كوينتن تارانتينو هو أول من اعترف بذلك الأمر.

فلسطين 36 (2025)
فلسطين 36 (2025)

 مستقبل السينما

اختتم بينيا الماستر كلاس، بمشاركة الحضور قلقه من مستقبل العرض السينمائي، قائلًا: «نشهد اليوم أكبر تحوّل في مئة عام من تاريخ السينما. ما يقلقني ليس التقنية بل فكرة [تراجع] المشاهدة الجماعية نفسها. طلبة كولومبيا يشاهدون الأفلام على الحواسيب، ولا يعرفون متعة أن تعيش الفيلم مع الآخرين في قاعة مظلمة».

وأضاف بنبرة حزينة: «نحتفل بالأخوين لوميير لأنهما عرضا الصورة على الجدار، بينما أبقى إديسون صورته في صندوق. ربما تصبح دور السينما مثل المتاحف قليلة، في المدن الكبرى فقط، لكنها ستظل تحمل معنى السحر الأول للسينما».

أردف: «حين يقلّ الذهاب إلى السينما، نفقد لحظة الاجتماع الإنساني حول الحكاية. الآن لدينا وصول أكبر إلى الأفلام، لكننا نشاهدها وحدنا. ربما أصبحت السينما أكثر ديمقراطية… لكنها صارت أيضًا أكثر وحدة».

اقرأ أيضا: سينما المكان… الجغرافيا ذاكرةٌ سينمائية

شارك هذا المنشور